سفر إشعيا: الغطاء الأيديولوجي لحروب نتنياهو المفتوحة

يكشف الاستخدام المتكرّر لسفر إشعيا عن محاولة إسرائيليّة، يقودها نتنياهو، لدمج المشروع العسكري والاستراتيجي الحالي بسرديّة توراتيّة طويلة الأمد، تُقدّم الحرب بوصفها معركة تاريخيّة وقدريّة.

  • سفر إشعيا: الغطاء الأيديولوجي لحروب نتنياهو المفتوحة
    رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو

لا تبدو إشارة نتنياهو الأخيرة إلى النبي إشعيا في حديثه المغلق الذي نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، مجرّد استحضار ثقافي أو ديني عابر، بل تأتي ضمن سياق أيديولوجي وسياسي متكامل يسعى إلى إعادة تأطير الحرب الجارية بوصفها "معركة تاريخيّة طويلة" ذات أبعاد وجوديّة ودينيّة واستراتيجيّة في آنٍ واحد.

لمَ يستحضر نتنياهو سفر إشعيا؟

نتنياهو استحضر سفر إشعيا قائلاً: "من بين الأنبياء المذكورين في التوراة، أنا أحب كثيرًا النبي إشعيا، وأوصي بقراءة هذا السفر".

لم تكن هذه المرّة الأولى التي يستحضر فيها نتنياهو تحديدًا سفر إشعيا في خطاباته خلال الحرب، بل تحوّل السفر منذ 7 أكتوبر إلى أحد أكثر المراجع التوراتيّة حضورًا في كلماته وتصريحاته؛ ففي أكثر من خطاب رسمي، اقتبس نتنياهو مقاطع مرتبطة بفكرة "النور بعد الظلمة" و"الخلاص بعد المحنة"، وقال في إحدى كلماته إن إسرائيل "ستحقّق نبوءة إشعيا: لن يُسمع بعد الآن بالخراب في أرضك"، كما كرّر ثنائيّة "أبناء النور وأبناء الظلمة" في توصيف الصراع، في محاولة لمنح الحرب بُعدًا أخلاقيًا ودينيًا يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.

كذلك، عاد في مناسبات مختلفة إلى نصوص توراتية أخرى ذات طابع تعبوي وحربي، أبرزها استحضاره المتكرر لقصة "عماليق" الواردة في سفر صموئيل الأول والتثنية، حين شبّه خصوم "إسرائيل" بـ"عماليق" الذين يجب محوهم وعدم نسيان ما فعلوه ببني إسرائيل، وهو استدعاء أثار جدلًا واسعًا بسبب ما يحمله من دلالات دينية مرتبطة بحروب الإبادة في النصوص التوراتية.

كما استخدم نتنياهو في بدايات الحرب إشارات من سفر الجامعة حول "لكل شيء زمان"، لتبرير الانتقال من مرحلة الاحتواء إلى الحرب المفتوحة، إضافة إلى استحضاره رموزًا من أسفار الخروج والمزامير عند الحديث عن "الصمود" و"نجاة شعب إسرائيل عبر التاريخ".

هذا التكرار المنهجي لاستخدام الأسفار الدينية يكشف أن نتنياهو لا يوظّف النص التوراتي كزينة خطابية فحسب، بل كجزء من بناء سرديّة متكاملة تهدف إلى تعبئة الداخل الإسرائيلي، وإضفاء طابع قدري وتاريخي على الحرب الممتدّة، وربط المشروع العسكري الحالي بصورة "الخلاص التاريخي" الذي تتكرّر الإشارة إليه في الأدبيات الدينية والقومية الإسرائيليّة.

حين يتحدّث نتنياهو عن أنّ "المعركة أمام أعدائنا قد تستمر لسنوات"، وعن "إسقاط القوة عبر الحلفاء"، وعن ضرورة تحويل سلاح البحرية إلى "ذراع استراتيجية"، ثم يختم بالإشادة بسفر إشعيا والدعوة إلى قراءته، فهو يربط عمليًا بين الرؤية العسكرية الإسرائيلية الحالية وبين سردية توراتية تقوم على فكرة الخلاص، والانتصار الحتمي، وإعادة تشكيل البيئة المحيطة بـ"إسرائيل" بالقوة والتحالفات.

مكانة سفر إشعيا في خطاب اليمين الإسرائيلي

يحتلّ سفر إشعيا مكانة خاصّة في خطاب اليمين الإسرائيلي الديني والقومي، لأنّه من أكثر الأسفار امتلاءً بصور الحرب، والخلاص بعد الضيق، و"عودة إسرائيل مركزًا للقوة والنور بين الأمم".

ويتحدث السفر بصورة مكثفة عن دمار المدن المحيطة، وسحق الأعداء، وصعود أورشليم بوصفها مركزًا عالميًا تقصده الأمم وتخدمه القوى الأخرى. لذلك، فإن استدعاء نتنياهو لهذا السفر في ذروة حرب طويلة ومفتوحة يحمل وظيفة تعبئة نفسية وسياسية واضحة، هدفها شحن الداخل الإسرائيلي، وتبرير الكلفة البشرية والعسكرية والاقتصادية المتزايدة، وربطها بما يشبه "الوعد التاريخي" أو المسار القدري.

وتبرز في السفر نبوءات يستخدمها التيار الديني والقومي الإسرائيلي بصورة متكررة لإضفاء طابع توراتي على الصراعات المعاصرة. ففي ما يتعلق بسوريا ودمشق، يرد في إشعيا (17:1): "هوذا دمشق تزال من بين المدن وتكون رجمة ردم"، وهي من أكثر الآيات تداولًا داخل الخطاب اليميني المتطرف عند الحديث عن الحرب في الساحة السورية أو محور المقاومة.

أما في ما يتعلق بفلسطين وغزة، فيرد في إشعيا (14:31): "ولولي أيتها المدينة… لأنه من الشمال يأتي دخان وليس شاذ في جيوشه"، وهي مقاطع يُعاد إسقاطها أحيانًا في التفسير السياسي الإسرائيلي المعاصر على التهديدات الآتية من لبنان أو إيران.

كذلك، يتضمن السفر إشارات إلى مصر وأزماتها وانهياراتها، كما في إشعيا (19:6): "وتنتن الأنهار وتضعف وتجف سواقي مصر"، في صورة تُستخدم ضمن رؤية تعتبر أن "محيط إسرائيل يعيش حالة تفكك مقابل نهوض إسرائيل".

وفي مقابل صورة الدمار المحيط، يقدّم السفر صورة "إسرائيل المنتصرة" أو "جيش الخلاص". ففي إشعيا (41:15): "هأنذا قد جعلتك مدرسًا حديدًا جديدًا ذا أسنان، تدرسين الجبال وتسحقينها"، وهي صورة عنيفة للقوة والسحق كثيرًا ما تتقاطع مع الخطاب الإسرائيلي القائم على الردع والحسم وإعادة تشكيل المنطقة بالقوة.

كما يرد في إشعيا (60:12): "الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد"، وهي صيغة تعكس رؤية تفوقية تعتبر أن خضوع الآخرين لـ"إسرائيل" جزء من النظام الطبيعي أو الإلهي المفترض.

ما علاقة سفر إشعيا بخطاب الصبر والتحمل؟

أما على مستوى الحرب الطويلة والاستنزاف، فإن سفر إشعيا يقدّم مادة مثالية لخطاب الصبر والتحمّل. ففي إشعيا (9:2): "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا"، وهي صيغة تُستخدم لتبرير المرور بمرحلة الألم والخسائر باعتبارها مقدمة للخلاص والانتصار. وفي إشعيا (60:1): "قومي استنيري لأنه قد جاء نورك"، وهي من الآيات التي تُستخدم في الخطاب الإسرائيلي بوصفها وعدًا بالنهوض بعد التهديدات والحروب.

كما أن حديث نتنياهو عن "إسقاط القوة عبر الحلفاء" وعن التحالفات البحرية في شرق المتوسط يتقاطع بصورة لافتة مع الرؤية الإمبراطورية التي يطرحها إشعيا حول علاقة "إسرائيل" بالأمم الأخرى. ففي إشعيا (60:10): "وبنو الغريب يبنون أسوارك وملوكهم يخدمونك"، وهي صورة تقوم على توظيف القوى الأخرى في خدمة المشروع الإسرائيلي.

أما إشعيا (60:5): "تتحول إليك ثروة البحر ويأتي إليك غنى الأمم"، فتكتسب اليوم دلالات إضافية في ظل تصاعد أهميّة البحر وحقول الغاز والتحالفات البحرية مع اليونان وقبرص، وفي ظل الحديث الإسرائيلي المتزايد عن تحويل سلاح البحرية إلى ذراع استراتيجية لحماية المصالح الاقتصادية والطاقة وخطوط الملاحة وإسقاط النفوذ الإقليمي.

يكشف هذا الاستخدام المتكرّر لسفر إشعيا عن محاولة إسرائيليّة، يقودها نتنياهو، لدمج المشروع العسكري والاستراتيجي الحالي بسرديّة توراتيّة طويلة الأمد، تُقدّم الحرب بوصفها معركة تاريخيّة وقدريّة، لا مجرد مواجهة أمنيّة مؤقّتة، وهذا ما يمنح القيادة الإسرائيلية غطاءً أيديولوجيًا لتبرير استمرار الحرب، وتوسيع التحالفات، وإعادة تشكيل توازنات الإقليم، وتحمل الكلفة البشريّة والاقتصاديّة العالية تحت شعار "الخلاص التاريخي" و"النور الذي سينتصر على الظلمة".

اقرأ أيضاً: من بن غوريون إلى نتنياهو: النقب كعقيدة أمنية واستيطانية متواصلة

اخترنا لك