ساموري توري.. باني إمبراطورية واسولو ومقاوم الاستعمار الفرنسي في غرب أفريقيا
أدى ساموري توري دوراً مهماً في تشكيل وعيٍ مقاومٍ متجذّر في شعوب غرب أفريقيا. كان الإيمان بالنسبة إليه سلاحاً، والمقاومة مدرسة لتخريج الأحرار، ما جعله أحد أبرز رموز النضال الأفريقي ضد الاستعمار الأوروبي، فمن هو ساموري توري؟
-
ساموري توري
عاشت منطقة غرب أفريقيا في القرن التاسع عشر تحوّلات كبرى مع تمدّد القوى الأوروبية. وفي هذا السياق برز ساموري توري بانياً لإمبراطورية "واسولو" (Wassulu)، وملكاً مقاوماً، ومحارباً شجاعاً، وقائداً عسكرياً فذاً، وخصماً عنيداً للاستعمار الفرنسي.
وصفه الكولونيل الفرنسي "باراتييه" بأنه عبقرية استراتيجية وروح دينية صلبة، وقال: "كنا نحارب عبقرية استراتيجية وروحاً دينية ترفض الاستسلام". ولقّبه القائد الفرنسي بيروز بــــ"نابليون السودان".
إنه ساموري توري، كاتب ملحمة المقاومة في غرب أفريقيا، تلك الملحمة التي تُروى على ألسنة أحرار أفريقيا والعالم. قاد مقاومة امتدّت أكثر من 16 عاماً، وبنى دولة جمعت بين السلطتين الدينية والسياسية، ونظّم جيشاً متماسكاً، ووظّف الدبلوماسية والحرب معاً. وحّد قبائل المنطقة تحت راية الجهاد، ومدّ نفوذه إلى أجزاء واسعة من غرب أفريقيا، حتى أطلق الفرنسيون على دولته اسم "الإمبراطورية المتنقّلة". وهكذا صار أحد أبرز رموز النضال الأفريقي ضد الاستعمار الأوروبي.
مولد ساموري توري ونشأته
وُلد ساموري توري قرابة عام 1830 في "ساننكورو" بالقرب من بلدة بيساندوغو، في وسط ما يُسمّى اليوم جمهورية غينيا كوناكري. كان والده تاجراً ينتمي إلى مجتمع ديولا التجاري، وكانت أمه من أصل مالينكي.
عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، أرسله أبوه إلى صديق له في دولة ساحل العاج ليتعلّم تجارة السلاح، ومن خلال ذلك تعرّف ساموري على أماكن الحصول على السلاح.
أصبح بائعاً متجوّلاً، يتنقّل في طرق التجارة في غرب أفريقيا، فاكتسب معرفة وثيقة بالجغرافيا وبالشعوب والقبائل في المنطقة. وتمكّن من التعرّف إلى شبكات التجارة العابرة للقبائل، واكتسب مهارات لغوية متعدّدة تشمل اللغات واللهجات المحلية، ما سهّل عليه التواصل مع قبائل المنطقة.
شكّلت حادثة اختطاف والدته عام 1853 من طرف قبيلة "سيسيه" بقيادة الأمير سيري إبراهيما، حدثاً غيّر مجرى حياته؛ إذ اضطرّ، مقابل الإفراج عنها، إلى الخدمة في جيش ملك قبيلة سيسيه كمحارب لمدة 7 سنوات. وخلال تلك المدة تعلّم طرق القيادة، واكتسب تجربة عسكرية كشفت عن مواهبه كمحارب واستراتيجي.
بعد تحرير والدته، شرع ساموري توري في تأسيس وحدة قتالية صارت اللبنة الأولى لجيشه. واستثمر خبرته السابقة في تجارة السلاح لتعزيز قدراته العسكرية وتطوير بنيته القتالية، وعمل على بناء تحالفات استراتيجية مع عدد من الفاعلين المحليين.
تأسيس إمبراطورية واسولو
في منتصف الستينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، أسس نواة دولته بعدما توسّعت سلطته تدريجياً، وأصبح لديه قوة عسكرية متماسكة، جنّد فيها عناصر من خلفيّات عرقية وقبلية متعدّدة، تتجاوز الانتماءات المحلية، وقادرة على إخضاع مناطق جديدة.
تشير تقديرات إلى أن توري حشد في مرحلة ما نحو 60 ألفاً من المشاة "السوفا/Sofa" ونحو ثلاثة آلاف فارس. وقد تميّز جيشه بدرجة عالية من الانضباط والتدريب. ولتعزيز روح الانتماء لدى الجنود، ربط بين الجهاد الديني والانضباط العسكري، ما منح المقاتلين دافعاً عقائدياً يُضاف إلى الولاء السياسي.
نجح ساموري توري في توحيد زعماء القبائل المتفرّقين تحت رايته. قام توحيده لهم على الرابطة الإسلامية، متجاوزاً العصبية القبلية، فطال نفوذه مناطق من شمال وشرق غينيا الحالية، وشمال شرق سيراليون، وجنوب مالي، وشمال كوت ديفوار، وجزءاً من جنوب بوركينا فاسو، كما مدّ نفوذه إلى مناطق في النيجر. وهكذا أصبح قائداً لأكبر إمبراطورية إسلامية عرفها شعب المالينك.
بحلول عام 1878 أعلن نفسه "فاما"، أي الحاكم على كيان سياسي عُرف باسم "إمبراطورية واسولو"، وعاصمتها "بيساندوغو". وفي الخامس والعشرين من تموز/يوليو سنة 1884 أعلن ساموري توري نفسه "أميراً للمؤمنين"، وهو لقب توخّى من خلاله بناء دولة بنظام مركزي يجمع بين السلطة الدينية والسياسية/الإدارية.
قسّم دولته إدارياً إلى 162 إقليماً، في كلّ منها 20 قرية، على كلّ قرية زعيم، وفوق الزعيم حاكم الإقليم، وفوق حكّام الأقاليم الإمام. وقد أكثر ساموري توري من بناء المدارس والمساجد، ونشر الوعّاظ، واهتم بتحفيظ القرآن الكريم.
مواجهة ساموري توري للاستعمار الفرنسي
في الوقت الذي كانت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية تتقاسم أفريقيا، كان ساموري توري يقاوم تمدّد الاستعمار في غرب أفريقيا، ووقف بحزم أمام الأطماع الفرنسية لأكثر من 16 عاماً.
جمع في مقاومته بين الدفاع عن الأرض والذود عن هوية الأمة ودينها. كان يعرف أنه سيواجه جيشاً استعمارياً يفوق جيشه عدداً وعدّة؛ لهذا أعدّ ما استطاع من قوة ورباط الخيل، ولجأ إلى تكتيكات مناسبة لحرب غير متكافئة طويلة الأمد ضدّ جيش فرنسا الاستعماري، واضعاً نصب عينيه أنّ المواجهة مع فرنسا ستكون صراعاً استراتيجياً يتطلّب تنظيماً عسكرياً محكماً، واستعداداً نفسياً ومادياً مستمراً، وتوظيفاً لتكتيكات عسكرية غير تقليدية.
تكتيكات ساموري توري العسكرية
اعتمد توري تكتيكات الحروب الكلاسيكية وحرب العصابات، كما مارس استراتيجية "الأرض المحروقة"، التي تمثّلت في إخلاء المدن والقرى وتدمير الموارد الحيوية قبل وصول القوات الفرنسية، بهدف حرمان العدو من الاستفادة منها. واعتمد التحرّك السريع للقوات، حتى أطلق الفرنسيون على دولته اسم "الإمبراطورية المتنقّلة".
الاستخبارات والتسليح
أَوْلَى ساموري توري أهمية بالغة للعمل الاستخباراتي، فأنشأ شبكات لرصد تحرّكات القوات الفرنسية، مما مكّنه من اتخاذ قرارات ميدانية دقيقة. وحرص على تدريب المقاتلين على استخدام الأسلحة النارية الحديثة، ولا سيما البنادق، التي كان يحصل عليها إما عبر علاقات تجارية مع مناطق تقع خارج دائرة النفوذ الفرنسي، حيث استغل التنافس البريطاني-الفرنسي، فكان يصدّر الذهب والعاج وجلود الحيوانات إلى سيراليون المحتلة من طرف الإنكليز مقابل الحصول على بنادق متطورة، أو من خلال التصنيع المحلي؛ إذ استطاع أمهر الحدادين في إمبراطوريته القيام بما يسمّى اليوم بالهندسة العكسية، حيث كانوا يفكّكون البنادق الأوروبية ويعيدون تصنيع أجزائها، كما صنعوا الذخائر محلياً حينما حاصر الفرنسيون طرق التجارة. هذا التوظيف المتكامل للتكتيك العسكري، والاستخبارات، والتسليح، مكّنه من الصمود أمام قوة استعمارية تفوقه عدداً وعتاداً.
الدبلوماسية والتحالفات
من جهة أخرى، أظهر ساموري توري قدرة لافتة على توظيف الدبلوماسية حينما تسكت المدافع والبنادق عند اقتضاء الضرورة؛ إذ أبرم عدة اتفاقيات مؤقتة مع السلطات الفرنسية بهدف كسب الوقت لإعادة تنظيم صفوف جيشه واستقطاب المقاتلين الجدد، مع تمسّكه بمبدأ المقاومة ورفضه الاعتراف بشرعية الهيمنة الاستعمارية.
سعى إلى بناء تحالفات استراتيجية مع قوى محلية، من بينها قبائل "الفولاني" وبعض الزعامات الإسلامية، في محاولة لتشكيل جبهة مقاومة موحّدة تتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية.
المعارك الكبرى والمعاهدات
خاض معارك تخللتها معاهدات لم تحترمها فرنسا. خاض الإمام ساموري توري معركة كينييران سنة 1882، التي كانت أولى معاركه التي دحر فيها جيش الاحتلال الفرنسي، تلتها معركة وويّو-وايانكو سنة 1883 التي قادها شقيقه كيمي بريما.
سنة 1885 حاولت القوات الفرنسية الوصول إلى منطقة بوريه الغنية بالذهب. لكنّ صمود قوات ساموري أدّى إلى تراجع الحملة الفرنسية وطلب الفرنسيين التفاوض. وفي 28 آذار/مارس 1886 تمّ التوصّل إلى معاهدة كينيبا-كورا، التي اعترفت بمجال نفوذ فرنسي على الضفة اليسرى لنهر النيجر حتى سيغيري، مقابل الاعتراف بسيطرة ساموري على الضفة اليمنى وعلى بوريه ومنطقة الماندينغ.
في 1887 أبرم ساموري اتفاقاً جديداً مع الفرنسيين "معاهدة بيساندوغو"، بينما كان يركّز جزءاً كبيراً من قوته على محاصرة سيكاسو، التي تحصّن فيها العميل تييبا تراوري وقواته المدعومة بقوات فرنسية.
التحوّل الاستراتيجي نحو الشرق
في آذار/مارس 1891 شنّ العقيد الفرنسي لويس أرشينار هجوماً كبيراً على قلب دولة ساموري؛ فدخل الفرنسيون كانكان في نيسان/أبريل 1891، ووصلوا إلى حدود بيساندوغو، عاصمة دولة واسولو، لكنّ ساموري نجح في ضرب بعض الوحدات الفرنسية المنفصلة، كما حدث في دابادوغو في أيلول/سبتمبر 1891.
في عام 1892 تقدّمت قوة النخبة الفرنسية إلى داخل أراضي ساموري. فوقعت معارك عنيفة في عدة مناطق، منها سومبي وديامانكو، وقد تمكّن الفرنسيون بعد هذه المعارك من السيطرة على بيساندوغو، عاصمة إمبراطورية واسولو، ومواقع أخرى.
كان ساموري يدرك أنّ التحصينات الثابتة لن تصمد طويلاً أمام المدفعية الفرنسية، لذلك بدأ في الاستعداد لتغيير أسلوب قتاله بعد خسارة قلب الدولة القديم. وبدلاً من محاولة استعادة أراضيه الغربية التي احتلها الاستعمار، اتخذ ساموري قراراً استراتيجياً بالغ الأهمية: نقل مركز قوته شرقاً نحو مناطق في بوركينا فاسو وساحل العاج الحالية، وقام بترحيل مئات الآلاف من شعبه.
كان يأمر بحرق المحاصيل وتدمير القرى وهدم الآبار وراءه. وعندما وصل الفرنسيون، وجدوا أرضاً قاحلة ومدناً خاوية، فمات الكثير من جنودهم جوعاً وعطشاً، وهو ما أطال أمد المقاومة لسنوات أخرى. والجدير بالذكر أنّ ساموري توري واكب انسحابه شرقاً بمبادرة بالهجوم على القوات الاستعمارية الفرنسية بين 1895 و1896 في مناطق مثل أبرون وجيامان وأجزاء من غونجا.
الدولة السامورية الثانية والسقوط
ظهرت الدولة السامورية الثانية، وأصبحت داباكالا في ساحل العاج - ذات الموقع الاستراتيجي كونها تقع على مفترق الطرق التجارية - عاصمة ومركزاً مهماً لدولته الجديدة، وأصبح نفوذه يمتد في المناطق الداخلية من ساحل العاج الحالية باتجاه غانا.
في 29 أيلول/سبتمبر 1898 سقطت "دولة واسولو الشرقية" بفعل الحصار والجوع والخونة الذين دلّوا الفرنسيين على مخبئه السري في "غيليمو" بساحل العاج. أُلقي القبض على توري ونُفي إلى جزيرة في نهر "أوغوي" بدولة الغابون. هناك عاش توري سنواته الأخيرة حتى توفي في 2 حزيران/يونيو 1900 في ندجولي.
الخاتمة
عرفت أفريقيا دولاً وإمبراطوريات قبل مجيء الاستعمار، وأعطت العالم الكثير من الزعماء الذين أصبحوا قادة أمميين حينما نجحوا في إلهام شعوبهم وشعوب العالم بإمكانية هزيمة المشاريع الاستعمارية الغربية. أعطت عبد الكريم الخطابي المغربي، والأمير عبد القادر الجزائري، وعمر المختار الليبي، ونيلسون مانديلا الجنوب أفريقي، وباتريس لومومبا الكونغولي وغيرهم كثير، وقبل هؤلاء أعطت ساموري توري، الذي أدّى دوراً مهماً في تشكيل وعيٍ مقاومٍ متجذّر في شعوب غرب أفريقيا. كان الإيمان بالنسبة إليه سلاحاً، والمقاومة مدرسة لتخريج الأحرار، جمع بين الذكاء الاستراتيجي، والقدرة التنظيمية، والولاء العميق للهوية الوطنية الثقافية والدينية، ما جعله أحد أبرز رموز النضال الأفريقي ضد الاستعمار الأوروبي.
منحه البُعد الديني، الذي كان بارزاً في مشروعه المقاوم، شرعيّة واسعة بين القبائل المسلمة، وساعده في توحيد صفوف شعوب غرب أفريقيا تحت راية الجهاد ضدّ استعمار يهدّد الهوية الدينية والثقافية للمنطقة. واستطاع أن يقنع مقاتليه بأنّ الدفاع عن الأرض والعقيدة يُعدّ واجباً شرعياً، كما ربط بين النصر العسكري والثبات العقائدي.
انهارت دولة واسولو أمام قوة وشراسة الاستعمار، وبقيت شعلة روح المقاومة متقدة في غرب أفريقيا. وليس غريباً أن نجد الرئيس سيكو توري، أحد أحفاد ساموري توري، قائداً للمقاومة في غينيا كوناكري ضدّ الاستعمار الفرنسي.
ترجّل ساموري توري عن فرس المقاومة سنة 1898 وتوفي سنة 1900، ومصحفه ومتعلّقات أخرى تخصه، كان الجيش المستعمر قد استولى عليها، منها قبعته وسيفه وسترته الحربية، لا تزال تقاوم إلغاء الذاكرة الذي يمارسه الاستعمار وأذنابه لإدامة التبعية والاستلاب الحضاري.
في منتصف حزيران/يونيو 2024، تقدّمت الحكومة الغينية بطلب رسمي إلى فرنسا لاستعادة مجموعة من المخطوطات والمتعلّقات التي تمّ نهبها خلال الحقبة الاستعمارية، من بينها متعلّقات ساموري توري الموجودة في متحف الجيش الفرنسي في باريس. وسبق هذا المطلب محاولة سابقة؛ إذ استغلّ الرئيس الغيني أحمد سيكو توري في عام 1968 الذكرى العاشرة لاستقلال بلاده عن فرنسا ليطالب الأخيرة بإعادة مصحف القائد من دون نتيجة.