خريف القرن الأفريقي الساخن: ملفات متشابكة تدفع التصعيد
تصاعد المواجهات بين جبهة تحرير شعب تيغراي والقوات الحكومية الإثيوبية، بالتزامن مع تحالفات إقليمية جديدة وتوتر متزايد بين إثيوبيا وإريتريا ومصر والسودان، على خلفية النزاع على النفوذ والبحر الأحمر وسد النهضة.
-
مقاتلون من قوة السلام في تيغراي المتحالفة مع القوات الإثيوبية الفدرالية يمشطون شوارع مقلي عاصمة تيغراي (afp)
شنت قوات جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) وحلفاؤها هجمات منسقة على القوات الحكومية الإثيوبية، واستولت على ثلاثة مطارات حيوية في إقليم تيغراي، في مدن ميكيلي وشيري وأكسوم. ووصفت جبهة تحرير شعب تيغراي التحرك بأنه "مناورات دفاعية لمواجهة هجوم اتحادي وشيك".
وامتد القتال البري خارج حدود الإقليم، إلى حدوده الجنوبية والشرقية وولايتيّ أمهرة وعفار المجاورتين، وحققت القوات تقدماً سريعاً أتاح السيطرة على أجزاء من عفار، لكن دفعتها هجمات قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (ENDF) وقوة سلام تيغراي (TPF) الموالية للحكومة إلى التراجع.
وأعلن المسؤول السابق في إدارة تيغراي المؤقتة إبراهيم بلال أن الحكومة الاتحادية تستعد لإنشاء هيكل إداري مؤقت جديد للإقليم، وتخطط لتنظيم انتخابات إقليمية خلال أشهر.
وقبل أيام من الهجوم على ميكيلي (عاصمة الإقليم) والمطارات، أعلنت الجبهة ائتلافاً رسمياً مع ست جماعات إقليمية معارضة، تحت اسم "تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء"، من أقاليم أمهرة وأوروميا وعفار وبني شنقول، بهدف إسقاط حكومة حزب الازدهار ورئيس الوزراء آبي أحمد، وتشكيل حكومة وطنية انتقالية. وبعد أن وصف نائب رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي الاشتباك بأنه "حرب شاملة"، ومع اقتراب القوات الاتحادية من "ميكيلي" عاصمة الإقليم، أعلن مسؤولون في الجبهة، الأحد الماضي، أن قواتها خرجت من المدينة مؤقتاً للمناورة، وقد قطعت شبكات الاتصالات في شمال البلاد، لإعاقة الطائرات المسيرة الحكومية عن استخدام الإنترنت لتحديد الأهداف، مع انفجارات يُشتبه أنها بطائرات مسيرة في قواعد جوية للحكومة الاتحادية وفوق العاصمة أديس أبابا.
كانت الجبهة التزمت، بموجب الشروط الأصلية لاتفاق بريتوريا عام 2022، بنزع سلاحها بالكامل، ووافقت الحكومة الاتحادية على إنشاء إدارة إقليمية مؤقتة واستعادة الخدمات الأساسية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتسهيل انسحاب القوات الإريترية.
لكن لم يُعمل بالاتفاق بفعل إحجام الطرفين عن تقديم التنازلات المطلوبة، وضعف آليات الاتفاق نفسه لحل المنازعات، فضلاً عن نزاع بين سلطتيّ تيغراي المحلية وإقليم أمهرة. وحظرت الحكومة الاتحادية الجبهة في حزيران/يونيو 2025، قبيل الانتخابات الوطنية، واعتبرتها فصيلاً مارقاً يقوّض سيادة الدولة، بالتحالف مع حركات محلية متمردة داخلية وداعمين أجانب.
وانهار الاتفاق في أيار/مايو الماضي، عندما أعادت الجبهة تشكيل مجلسها التشريعي السابق للحرب من جانب واحد، وأعادت تعيين رئيس حزبها رئيساً للإقليم.
واتهمت إثيوبيا إريتريا رسمياً، في شباط/فبراير الماضي، بتجاوز الخط الحدودي ونشر قوات داخل الأراضي الإثيوبية، وتقديم مساعدات عسكرية إلى جبهة تحرير شعب تيغراي. وفي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبيل هجوم الجبهة وحلفائها، حذر الرئيس الإثيوبي من "قوى الدمار في شمال إثيوبيا". وانعكس التصعيد في اتهامات إثيوبية لإريتريا ومصر والسودان بدعم الهجوم، وكان للأولى النصيب الأكبر من الاتهامات، مع طلب المغادرة من دبلوماسي بالسفارة المصرية، ردت عليه القاهرة بالمثل، مع إغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرة، وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين من أديس أبابا، ما ردت عليه أريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية بالكامل.
ويتوّج الصدام الحالي بين إثيوبيا والأطراف الثلاثة سنوات من الصراع في منطقة القرن الإفريقي، الذي ازداد تعقيداً بعد إعلان آبي أحمد عام 2023 أن الوصول إلى البحر الأحمر "مسألة وجودية"، استناداً لكون إثيوبيا دولة حبيسة، ووصفه فقدان الساحل الإثيوبي وقت استقلال إريتريا عام 1993 بالخطأ الاستراتيجي، ما اعتبرته إريتريا تهديداً واستعداداً للحرب، وتصاعَد توتر العلاقات رغم نفيه لاحقاً أي نية للغزو. وفي إطار هذا الهدف، وقّع رئيس الوزراء مذكرة تفاهم مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي في اليوم الأول من عام 2024، لإقامة ممر بحري وتجاري على ساحل الإقليم، مقابل اعتراف دبلوماسي إثيوبي يتم لاحقاً، وتعهدت دولة الإمارات بتخصيص 3 مليارات دولار لإنشاء خط سكك حديدية يربط ميناء بربرة في الإقليم بإثيوبيا، ما يعني كسر احتكار جيبوتي توصيل واردات وصادرات الأخيرة بالبحر.
وتحول إقليم أرض الصومال الانفصالي إلى عامل إضافي للتصعيد، بعد قرار "إسرائيل" بالاعتراف به رسمياً، في الشهر الأخير من عام 2025، وهو الاعتراف الوحيد دولياً حتى الآن، ما أثار رفضاً عربياً وإسلامياً واسعاً، تصدرته دول المنطقة والأطراف الفاعلة فيها، مثل مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي وتركيا. وفي المقابل قرأت الأطراف جميعاً صمت إثيوبيا ترحيباً ضمنياً، في ضوء تقاربها الاستراتيجي مع إسرائيل، مع تصريحات سفير الأخيرة في أديس أبابا عن دعم مساعي إثيوبيا (رسمياً) في الحصول على منفذ بحري، وزيارة الرئيس الإسرائيلي في شباط - فبراير الماضي، ومناقشات للطرفين تناولت "التنسيق لحفظ استقرار القرن الإفريقي" .
واتّهم برهانو جولا، رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبي، الجيش السوداني باستقبال آلاف المقاتلين التيغريين في شرق السودان، وأعرب قادة عسكريون إثيوبيون عن قلق من إمكانية استخدام الجيش السوداني وإريتريا مناطق التجمع الحدودية هناك لضرب أصول استراتيجية إثيوبية مثل سد النهضة، وهو محل نزاع - متصاعد بدوره - مع مصر والسودان. ويبدو الاتهام الإثيوبي للسودان رداً على اتهام القوات المسلحة السودانية إثيوبيا سابقاً بمساعدة ميليشيا الدعم السريع، ومدّها بالخدمات اللوجستية العسكرية ومواقع التدريب، بالتنسيق مع دولة الإمارات، أكبر داعمي الميليشيا والمصدر الرئيسي لتسليحها.
وتُقارب مصر الخلاف مع إثيوبيا، الذي بات يتجاوز سد النهضة، من زاوية استراتيجية، خاصةً بعد افتتاحه رسمياً في أيلول/سبتمبر 2025، وملئه من دون تنسيق مع مصر، ما تعتبره الأخيرة تأثيراً سلبياً على حصتها بصفتها دولة مصبّ، وقد أكدت تصميمها على "استخدام جميع الوسائل المتاحة" للدفاع عن مصالحها المائية. إذ سارعت منذ سنوات، مع تواصل انهيار التفاوض مع إثيوبيا بشأن حصتها ومقدار ما يحتجزه السد من النيل، إلى تطوير علاقات عسكرية مع الصومال والسودان وإريتريا، فضلاً عن دعمها الدولة السودانية وجيشها في مواجهة الدعم السريع. وعقدت الأحد الماضي قمة رباعية جمعتها والدول الثلاثة، لبحث الأزمات المتعاقبة في القرن الإفريقي، بموازاة التصعيد في تيغراي، في مدينة العلمين الجديدة على ساحل المتوسط، على هامش الاجتماع التنسيقي للاتحاد الأفريقي المنعقد هناك.
وفي مقابل اتهام إثيوبيا السودان وإريتريا بإقامة إطار تنسيقي عسكري مع جبهة تحرير شعب تيغراي، واتهام مصر بدعمها، بدا البيان الختامي للقمة موجهاً إلى إثيوبيا. إذ أكد على المسؤولية الحصرية للدول المشاطئة عن أمن البحر الأحمر، أي رفض ممارسة إثيوبيا السيادة على ساحله، وحذّر من أي "تدابير أحادية تضر بدولتيّ مصب النيل"، مصر والسودان، وأعلن دعم وحدة وسيادة جمهورية الصومال، ورفض استهداف وحدة أراضيها وسيادتها، ورفض الاعتراف بإقليم أرض الصومال. وأعلن المشاركون إنشاء آلية لمتابعة المخرجات، على أن تُعقد القمة دورياً وكلما تطلبت الظروف.
في الخلاصة، يمكن اعتبار هذا التنسيق الإقليمي، وفي ضوء سيولة الموقف الاستراتيجي في المنطقة، تكتلاً محدد الهدف، يريد موازنة القوى مع إثيوبيا وحلفها، الإمارات وإقليم أرض الصومال وميليشيا الدعم السريع وإسرائيل، ومع الحضور التركي المعتبر، الذي لا يمانع وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر مدنياً وتجارياً عبر الحوار والتفاوض. ولعله في ذات الاتجاه حضر مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، لقاءاً غير رسمي ومأدبة غداء في العلمين الجديدة، مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بعد حوالي أسبوعين من امتناع واشنطن عن منح تأشيرة دخول البرهان إلى نيويورك، لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بسبب خلافات حول مقترحات وقف إطلاق النار مع ميليشيا الدعم السريع.