تسارع الضم الزاحف: قراءة قانونية واستراتيجية في قرارات "الكابينت" بشأن الضفة الغربية
تقرير يرصد قرارات "الكابينت" التي تُسرّع الضم الزاحف في الضفة الغربية عبر أدوات قانونية وإدارية إسرائيلية، ويحذّر من تفكيك الكيانية الفلسطينية واختبار الموقف الأميركي.
-
مجندة إسرائيلية تقف أمام جرافة تابعة للاحتلال في الضفة الغربية (مواقع إخبارية)
تشهد الضفة الغربية تسارعاً غير مسبوق في الخطوات الإسرائيلية، ما يطرح مجدداً أسئلة جوهرية حول مستقبل الأرض والسيادة والوجود الفلسطيني. فالقرارات الأخيرة للكابينت، إلى جانب الإجراءات القانونية والإدارية والميدانية المصاحبة لها، تتجاوز كونها مجرد تدابير تنظيمية أو استجابات أمنية، لتشكل جزءاً من مسار متدرج يهدف إلى إعادة صياغة الواقع الفلسطيني وفرض معادلات جديدة على الأرض، في إطار ما يمكن تسميته بـ"الضم بلا إعلان رسمي".
في هذا السياق، تتقاطع ثلاث قراءات تحليلية قدّمت لـ"الميادين نت": قراءة قانونية يقدمها المستشار القانوني في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الأستاذ عايد مرار، وقراءة سياسية استراتيجية يعرضها الباحث والمختص بالشأن الفلسطيني وأستاذ الإعلام والاتصال الدكتور محمد أبو الفحم، إضافة إلى مقابلة مع الباحث ياسر مناع التي تسلط الضوء على أبعاد غياب البيان الحكومي الرسمي ودلالاته السياسية. وبين هذه المقاربات تتكشف صورة متكاملة لمشروع يتجاوز التوسّع الاستيطاني إلى إعادة تعريف السيطرة والسيادة والوجود السياسي الفلسطيني
غياب البيان الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء يعكس اختباراً إسرائيلياً للموقف الأميركي قبل تثبيت قرارات الضفة
في مقابلة مع "الميادين نت"، رأى الباحث في الشأن الاسرائيلي ياسر مناع أن قرارات "الكابينيت" الإسرائيلي في 8 شباط/فبراير 2026 تمثل محطة مفصلية في مسار متدرج لتعميق الضم الفعلي في الضفة الغربية،وليست خطوة طارئة أو معزولة. وأوضح أن الحزمة شملت إلغاء قيود سابقة على بيع الأراضي وفتح سجلاتها، وتوسيع صلاحيات الإدارة المدنية الإسرائيلية حتى داخل منطقتي (أ، ب) خلافاً لاتفاق أوسلو، وفصل مجمع قبر راحيل عن بلدية بيت لحم، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء، خصوصاً في الخليل.
وأشار مناع إلى أن غياب بيان حكومي رسمي، مقابل الاكتفاء بتصريحات صادرة عن وزراء محددين، ليس تفصيلاً شكلياً، بل يعكس آلية مدروسة في إدارة القرارات الحساسة. فبحسب قراءته، تعتمد الحكومة الإسرائيلية نمطاً يقوم على تمرير التحولات الكبرى عبر مواقف وزارية أو تسريبات محسوبة، بما يتيح لها اختبار ردود الفعل الدولية، وخصوصاً الأميركية، قبل تحويلها إلى قرارات حكومية ملزمة ومعلنة. هذا الأسلوب يمنح رئيس الحكومة هامش مناورة سياسياً، إذ يمكنه التقدم خطوة إلى الأمام إذا كان الرد الخارجي ضعيفاً أو ملتبساً، أو التباطؤ وإعادة الصياغة إذا برز اعتراض واضح، من دون تحمّل كلفة التراجع عن قرار رسمي مكتمل الأركان. لذلك، يرى مناع أن الموقف الأميركي يبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد سرعة التنفيذ وحدوده، سواء عبر الصمت الذي يُفهم كضوء أخضر غير مباشر، أو عبر الضغط الذي يفرض إعادة ضبط الإيقاع.
ولفت مناع إلى أن هذه الآلية تتقاطع مع تحول أعمق داخل "إسرائيل"، يتمثل في الانتقال من سياسة "إدارة الصراع" إلى محاولة حسمه تدريجياً. فبدل الإبقاء على واقع قابل للاحتواء دبلوماسياً، يجري اليوم العمل على إعادة هندسة الواقع السياسي والقانوني في الضفة الغربية عبر تكريس صلاحيات إدارية إسرائيلية أوسع، وتثبيت وقائع قانونية في ملف الأراضي، بما يجعل التراجع عنها في المستقبل بالغ الصعوبة.
ويتوازى ذلك، وفق مناع، مع استخدام أدوات مختلفة في غزة تقوم على الحرب والعزل والتفكيك، بحيث يتشكل مسار واحد بأدوات متعددة يستهدف تقليص المجال الفلسطيني وإضعاف مقومات تشكّله ككيان سياسي متماسك جغرافياً ومؤسسياً. وفي ظل هذا التسارع، يخلص إلى أن حالة العجز والانقسام الفلسطيني، رسمياً وشعبياً، تعمق الفجوة بين وتيرة التحرك الإسرائيلي والقدرة الفلسطينية على المواجهة أو الحد من التداعيات، ما يفتح المجال أمام فرض معادلات جديدة يصعب كسرها لاحقاً.
هندسة السيطرة الصامتة واستهداف الكيانية الفلسطينية
في ظل القرارات الأخيرة التي اتخذها "الكابينت" الإسرائيلي خلال الايام الماضية، تتصاعد المخاوف من انتقال "إسرائيل" إلى مرحلة أكثر عمقاً في مشروعها الاستيطاني، عبر إجراءات تمس جوهر الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وتفتح الباب أمام تحولات توصف بأنها "ضم ناعم" أو "سيادة زاحفة" دون إعلان رسمي.
وفي قراءة قانونية لهذه التطورات، يؤكد المستشار القانوني في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، الأستاذ عايد مرار في مقابلة مع الميادين نت ، أن فهم القرارات الأخيرة لا ينفصل عن طبيعة المشروع الإسرائيلي ذاته، بوصفه احتلالاً إحلالياً استيطانياً يقوم على إحلال شعب مكان شعب. فمنذ عام 1948، ثم بعد عام 1967، ظلّ الهدف المركزي بحسب قراءته هو السيطرة على الأرض باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء مشروع الدولة التي تطمح "إسرائيل" إلى تثبيتها على كامل الجغرافيا الفلسطينية.
ويشير مرار إلى أن المشروع الاستيطاني لم يكن يوماً حكراً على حكومة إسرائيلية بعينها، بل شكل ثابتاً استراتيجياً عبر مختلف الحكومات، من اليسار إلى اليمين. فمنذ عام 1948، حين تم تهجير الفلسطينيين ومنع عودتهم، مروراً بعام 1967، حيث حاولت إسرائيل إعادة إنتاج تجربة التهجير، ظل الهدف المركزي هو السيطرة على الأرض باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء مشروع الدولة التي تطمح إليها "إسرائيل من البحر إلى النهر".
ويضيف أن الإجراءات الحالية تأتي في سياق شعور المؤسسة الاستيطانية بأنها أمام "فرصة تاريخية" قد لا تتكرر، ما يدفعها إلى تسريع الخطوات، سواء لمراكمة إنجازات على الأرض أو لكسب نقاط في التنافس الداخلي بين القوى اليمينية والمتطرفة، التي تسعى إلى مخاطبة جمهورها عبر سياسات أكثر تشدداً بحق الفلسطينيين.
من زاوية أخرى، يقرأ الدكتور محمد أبو الفحم هذه الإجراءات بوصفها انتقالاً من إدارة احتلال تقليدي إلى نمط "هندسة السيطرة الصامتة". فإسرائيل وفق تحليله لا تعلن إلغاء الاتفاقيات أو ضم الضفة رسمياً، لكنها تتجاوزها عملياً عبر قرارات تراكمية تعيد رسم حدود السيطرة الفعلية.
ويرى أنّ هذه السياسة تقوم على ثلاث ركائز متوازية:
- إعادة تشكيل الجغرافيا عبر تكريس الوقائع الاستيطانية، وتعزيز السيطرة على مناطق (ج)، وربط الكتل الاستيطانية بشبكات طرق وبنية تحتية تعزل التجمعات الفلسطينية وتحولها إلى جيوب متقطعة.
- إعادة تعريف الإطار القانوني باستخدام قوانين الملكية والتخطيط والتنظيم لإضفاء طابع داخلي إسرائيلي على إجراءات تتعارض مع القانون الدولي.
- إعادة صياغة العلاقة السياسية عبر تقليص دور المؤسسات الفلسطينية، وسحب الصلاحيات منها، وتحويلها إلى هياكل إدارية محدودة الصلاحيات.
ويرى أبو الفحم أن قرارات "الكابينت"، خصوصاً تلك التي تطال مناطق (أ) و(ب)، تمثل تحولاً نوعياً من إدارة احتلال مؤقت إلى تكريس ضم فعلي غير معلن. فالمناطق التي يُفترض أنها خاضعة لسيادة إدارية فلسطينية تُعاد تدريجياً إلى منظومة السيطرة الإسرائيلية عبر أدوات قانونية وتنظيمية وأمنية، تحت غطاء "إعادة التنظيم" أو "تحسين الإدارة".
ويصف أبو الفحم هذا المسار بأنه "ضم بلا بيان"، حيث لا يصدر إعلان رسمي بالسيادة، بل يُنفذ الضم عبر تراكم إجراءات تشمل توسيع الاستيطان، نقل صلاحيات التخطيط، إعادة تعريف الأراضي، وتعزيز الحضور الإداري الإسرائيلي. هذه السياسات، بطابعها التراكمي، تُفرغ اتفاقيات أوسلو من مضمونها العملي، وتقلص صلاحيات المؤسسات الفلسطينية، وتحولها إلى أطر إدارية محدودة.
وبذلك، لا يقتصر الاستهداف على إضعاف السلطة، بل يمتد إلى تقويض الكيانية السياسية الفلسطينية ذاتها، عبر تفريغ الأرض والمؤسسات من معناهما السيادي، وتحويل المشروع الوطني من مسار دولة قيد التشكّل إلى إدارة سكانية خاضعة لهيمنة إسرائيلية موسّعة.
شراء الأراضي: من "الأجنبي" إلى "المواطن المحلي"
أحد أخطر جوانب القرارات الأخيرة، وفق مرار، يتعلق بملف شراء الأراضي في الضفة الغربية. فمن الناحية القانونية، لا تُعد الضفة الغربية جزءاً من دولة إسرائيل وفق القانون الدولي، بل أرضاً واقعة تحت الاحتلال، ما يعني أنه لا يجوز لإسرائيل تطبيق قوانينها السيادية عليها. ويخضع تنظيم الأراضي في الضفة الغربية، شكلياً، لقانون الأراضي الأردني الذي كان ساريًا قبل عام 1967، ويتم تطبيقه عبر أوامر عسكرية إسرائيلية.
ويُفرق هذا القانون بين ثلاث حالات: البيع بين المواطنين المحليين، والبيع للأجانب بشروط صارمة (أن يكون المشتري شركة، وأن تتناسب المساحة مع المشروع، والحصول على إذن من مجلس الوزراء، وألا يكون الهدف المتاجرة)، وأخيراً بيع الأراضي أو نقل ملكية الأراضي لمواطنين من دولة معادية جريمة وفق القانون.
طوال السنوات الماضية، تعاملت سلطات الاحتلال مع المستوطن باعتباره "أجنبياً"، ما ألزم عمليات الشراء بالشروط الأربعة المذكورة. أما السماح اليوم للمستوطن كشخص طبيعي بشراء الأراضي مباشرة، فيعني بحسب مرار اعتباره "مواطناً محلياً"، وهو ما يشكل تحولاً خطيراً يرقى إلى مستوى فرض السيادة وضم الضفة الغربية بشكل غير معلن.
يؤكد أبو الفحم أن الاستيطان لم يتوقف يوماً، لكنه في المرحلة الحالية يشهد تسارعاً نوعياً. فالتمدد لا يقتصر على مصادرة أراضٍ جديدة (التمدد الأفقي)، بل يشمل أيضاً تكثيف البناء داخل المستوطنات القائمة (التمدد الرأسي)، بما يعزز الكثافة السكانية ويخلق وقائع ديموغرافية جديدة يصعب التراجع عنها سياسياً. ويرى أن الضفة الغربية بأكملها باتت مستهدفة ضمن مفهوم "إسرائيل الكبرى"، وأن أي حديث عن استثناء مناطق بعينها من عملية الضم لا يستند إلى واقع فعلي. فالمخططات الإسرائيلية، بحسب وصفه، تسعى إلى تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني، عبر شبكة طرق وحواجز وبوابات حديدية، تعزل المدن والقرى وتحوّلها إلى جزر منفصلة.
القانون أداة للسيطرة الصامتة: ضم زاحف عبر تطبيق القوانين الإسرائيلية
لا يقتصر الأمر على ملف الأراضي، إذ يشير عايد مرار إلى سلسلة إجراءات تعكس نمطاً متدرجاً من الضم الزاحف، من بينها تطبيق قوانين إسرائيلية على المستوطنين في الضفة الغربية، ومنح وزارات إسرائيلية كالزراعة وسلطة الآثار وسلطة الأراضي صلاحيات مباشرة داخل الأراضي المحتلة، فضلاً عن منح تراخيص للبؤر الاستيطانية الرعوية عبر مؤسسات إسرائيلية رسمية. هذه الممارسات، وإن لم تُعلن كضم رسمي، إلا أنها تؤسس قانونياً وعملياً لفرض سيادة إسرائيلية فعلية على الأرض، مع تجنب الإعلان الصريح الذي قد يثير ردود فعل دولية.
وأشار ياسر مناع إلى أن نقل الصلاحيات في الخليل يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجانب العمراني، إذ يمنح الإدارة المدنية الإسرائيلية قدرة أكبر على توجيه التوسع الاستيطاني وتقييد التوسع الفلسطيني، من خلال التحكم في إصدار التراخيص وتحديد استخدامات الأراضي، ما يرفع احتمالات الهدم والمصادرة ويقلّص الحيز العمراني الفلسطيني تدريجياً. كما أن فصل مجمّع قبر راحيل عن بلدية بيت لحم يعكس توجهاً لإعادة رسم الحدود الإدارية وربط المواقع الدينية والأثرية مباشرة بالإدارة الإسرائيلية، بما يعزز السيطرة الرمزية والسياسية إلى جانب السيطرة الميدانية.. وبرأيه، فإن هذه الإجراءات تتجاوز الإطار البيروقراطي لتعيد صياغة الخريطة القانونية والميدانية، ويجعل التراجع عن هذه الوقائع مستقبلاً بالغ الصعوبة .
من أخطر ما يشير إليه د. محمد أبو الفحم، هو توظيف الأدوات المدنية والقانونية كوسائل للضم غير المعلن. فإعادة تعريف قوانين الملكية، وتعديل أنظمة التخطيط، وتكريس قانون القومية، كلها أدوات تُستخدم لإضفاء طابع "شرعي داخلياً" على إجراءات تخالف القانون الدولي. ويصف هذه السياسة بأنها "ضم بلا بيان"، أي فرض سيادة فعلية دون إعلان رسمي، لتفادي ردود فعل دولية مباشرة. وفي هذا السياق، يؤكد أن هذه الإجراءات تتعارض مع قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2334، ومع المرجعيات القانونية الدولية التي تعتبر الاستيطان غير شرعي. لا ينظر أبو الفحم إلى هذه القرارات بوصفها منفصلة عن سياق أوسع، بل يعتبرها جزءاً من مشروع استراتيجي لإعادة تعريف طبيعة السيطرة على الضفة الغربية.
ويتجلّى ذلك في تعيين ضابط إدارة مدنية يتبع مباشرة للمنظومة الإسرائيلية لمتابعة ملفات الأراضي والتخطيط، إلى جانب تعيين نائب من المستوطنين في سابقة تعكس دمج المشروع الاستيطاني داخل بنية القرار الإداري الرسمي. هذا الدمج، وفق تحليله، ينقل المستوطن من كونه فاعلاً ميدانياً إلى شريك مؤسسي في صناعة القرار، تحت حماية الجيش، ما يعني أن الاستيطان لم يعد مجرد سياسة توسعية، بل أصبح مكوّناً أصيلاً في بنية الحكم على الأرض المحتلة.
رفع السرية عن ملفات الأراضي: بين الدعاية والواقع
من بين القرارات التي أُعلن عنها أيضاً رفع السرية عن ملفات الأراضي. ويرى مرار أن هذا الإجراء يُقدَّم في الخطاب الإسرائيلي باعتباره دليلاً على "بيع الفلسطينيين لأراضيهم"، بينما يؤكد أن السرية في الواقع كانت تصب في مصلحة الجانب الإسرائيلي.
فرفع السرية قد يتيح للفلسطينيين الوصول إلى "كواشين الطابو" العثمانية، التي يمكن أن تُستخدم لإثبات الملكيات ومنع المصادرة، خاصة أن "إسرائيل" صادرت وفق تقديرات رسمية نحو مليون ونصف المليون دونم بحجة أنها أراضٍ غير مسجلة أو غير مُفتلحة، استناداً إلى قانون الأراضي العثماني لعام 1858. إضافة إلى ذلك، يسمح القانون رفع السرية عن الوسطاء والبائعين، بحيث يكون معروفاً من قام بالبيع ومن ساهم فيه، ويُحاسبون جنائياً على نقل ملكية الأراضي الفلسطينية لأي مواطن من دولة معادية، بما يحمي مصالح الشعب الفلسطيني ويمنع أي محاولة للالتفاف على القانون.
فبيع الأراضي أو نقل ملكية الأراضي لمواطنين من دولة معادية جريمة وفق القانون الفلسطيني المطبق في الضفة الغربية، ويُعاقب عليها بالسجن لمدة عشرين عاماً مع الأشغال الشاقة. ويشير مرار إلى أن مجمل الأراضي التي تم شراؤها من فلسطينيين خلال عقود الاحتلال لا تتجاوز 20 إلى 25 ألف دونم، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بمساحات المصادرة، ولا تمثل سوى أقل من واحد بالمئة من مجمل الأراضي التي يستهدفها المشروع الاستيطاني.
التهجير وفشل كسر الإرادة
في سياق الحديث عن التهجير، يؤكد مرار أن التجربة التاريخية أثبتت فشل سياسات الاقتلاع في كسر إرادة الفلسطينيين. فبعد عام 1967، كانت نسبة اليهود بين البحر والنهر 64% مقابل 36% للعرب، بينما تشير المعطيات اليوم رغم سياسات الاستيطان والاستقطاب إلى أن الفلسطينيين باتوا يشكلون الأغلبية السكانية. ويشير إلى أن مشاهد عودة الفلسطينيين إلى منازلهم المدمرة، لا سيما في غزة، تعكس تمسكاً بالأرض يتجاوز كل محاولات التهجير، معتبراً أن الرهان على تفريغ الأرض من سكانها الأصليين أثبت محدوديته.
معركة القانون والتوثيق: بين القانون الدولي وصمت المجتمع الدولي
محلياً، رغم إدراكه أن المنظومة القضائية الإسرائيلية جزء من بنية الاحتلال، يؤكد مرار أن العمل القانوني لا يزال يشكل "ثغرة" يجب استثمارها. فبفضل الجهود القانونية، تم تجميد قرارات هدم بحق عشرات آلاف المنازل، وحماية آلاف الدونمات من المصادرة. وتعمل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان على توثيق الانتهاكات بشكل شهري وسنوي، وتزويد المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني وملفات المحكمة الجنائية الدولية بهذه المعطيات، رغم التحديات المرتبطة بتقليص الميزانيات والضغوط المتزايدة على الطواقم القانونية.
يختم مرار قراءته بالتأكيد على أن القانون الدولي وضع ضوابط صارمة للاحتلال، أبرزها طابعه المؤقت، وحظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي المحتلة، ومنع فرض السيادة أو تطبيق قوانين الدولة المحتلة عليها. ويرى أن الاستيطان بكل أشكاله يشكل خرقاً واضحاً لهذه المبادئ.
دولياً، ورغم استمرار الإدانات والمواقف الرافضة للاستيطان، فإن غياب آليات ضغط فعالة يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً لفرض الوقائع. ومع ذلك، يشدد أبو الفحم على أن المرجعيات القانونية الدولية ما تزال قائمة، وأن التعقيد لا يعني الاستحالة، شريطة إعادة بناء الوحدة الوطنية وتفعيل أدوات المواجهة السياسية والقانونية.
ورغم صدور عشرات القرارات عن مجلس الأمن ومئات القرارات عن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني، إلا أن غياب آليات التنفيذ، واستمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، جعلا هذه القرارات دون أثر عملي. وفي ظل تسارع الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يواصل المجتمع الدولي الاكتفاء بقرارات لا تُنفذ، أم أن لحظة مساءلة فعلية للاحتلال باتت أقرب مما يظن كثيرون؟
معركة على الأرض والشرعية
تجمع القراءات القانونية والسياسية والاستراتيجية على أن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد توسع استيطاني إضافي، بل عملية إعادة هندسة شاملة للواقع، تُنفذ عبر أدوات قانونية وإدارية تراكمية تهدف إلى تثبيت سيطرة دائمة دون إعلان رسمي.
وبين مشروع يسعى إلى تحويل الاحتلال المؤقت إلى سيادة فعلية بحكم الأمر الواقع، وإرادة فلسطينية تحاول تثبيت حقها السياسي والقانوني، تبقى المعركة مفتوحة على الأرض وفي المحافل الدولية وفي بنية النظام السياسي الفلسطيني ذاته. فهل تتحول سياسة الأمر الواقع إلى واقع نهائي، أم تنجح الإرادة الوطنية، مدعومة بمرجعيات القانون الدولي، في كبح مسار الضم المتدرج قبل أن يكتمل؟