ترامب يعلن "مجلس السلام" تحت سلطته المباشرة.. ما الذي تخفيه هذه الخطوة؟

ترامب يفرض نفسه "وسيطاً" أساسياً في حل النزاعات، ويقوّض حضور المنظّمات الأممية، في إطار سعيه للسيطرة المباشرة على النظام العالمي.

  • ترامب يعلن
    ترامب يعلن "مجلس السلام" تحت سلطته المباشرة.. ما الذي تخفيه هذه الخطوة؟

أثارت الوثيقة الأساسية لـ "مجلس السلام" الذي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إنشائه، قبل أيام، مخاوف دولية من تقويض دور الأمم المتحدة، عبر دعوته للتحلّي "بالشجاعة للتخلّي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مراراً وتكراراً".

لكنّ هذه الإشكالية بحدّ ذاتها لم تكن البداية، بل إنها تفتح الباب على تساؤلات عديدة، ونهج اتبعه الرئيس الأميركي منذ دخوله ولايته الثانية، قبل عام، عن وساطاته المفروضة في الحروب، وأزماته المستمرة مع حلفائه في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، والتي توّجها بإعلانه الصريح عن رغبته بالسيطرة على جزيرة غرينلاند، التي تتمتّع بحكم ذاتي، في إطار السيادة الدنماركية.

كذلك يمتد المسار إلى النهج العدائي لترامب مع المنظّمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

من هنا، فإنّ هذا المسار يطرح تساؤلاً بشأن كيف يعيد ترامب تشكيل النظام العالمي؟ وهل ينهي زمن الوصاية على هذا النظام، معلناً انتقاله إلى سلطته المباشرة؟

"وساطة" مفروضة في الحروب

لا يخفى على أحد أنّ الولايات المتحدة حاضر ثابت وأساسي في كلّ المفاوضات التي تخاض في سبيل حلّ النزعات وإيقاف الحروب حول العالم، من غرب آسيا حيث شريكتها الوثيقة "إسرائيل" مستمرة في إطلاق النار على غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، وحتى أقصى شرقها حيث تكاد الحرب في أوكرانيا تكمل عامها الرابع على التوالي.

ويعود رسوخ الدور الأميركي في الوساطات المزعومة إلى كون الولايات المتحدة مشاركاً رئيسياً في هذه الحروب، ولاعباً أساسياً فيها، أكان بالدعم العسكري والسياسى غير المحدود لـ"إسرائيل" في حروبها على دول المنطقة، أو بالتدخّل العسكري المباشر كما كان الحال في حرب الـ 12 يوماً على إيران، والتي توقّفت بإعلان من ترامب، جاء في توقيت متناسب مع مصلحة واشنطن وأهدافها، وفي تسليح أوكرانيا.

فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، يخوض المفاوضات عن كييف بغية إيقاف الحرب المستمرة منذ شتاء عام 2022، وكانت آخر مبادراته اقتراح لوقف إطلاق النار اعترضت عليه أوكرانيا نفسها، وإلى جانبها دول الاتحاد الأوروبي، حيث عملت على وثيقة مضادة.

ومن شرق آسيا إلى غربها، كانت إدارة ترامب شريكاً أساسياً في التوصّل إلى "إعلان وقف الأعمال العدائية"، الذي كان من المفترض أن يوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، على الرغم من أنّ هذه الإدارة لم تكن قد تسلّمت مقاليد السلطة رسمياً، وهي مستمرة حتى الآن في أداء دورها الرئيسي في المفاوضات بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، التي تأتي تحت عنوان بحث السبل التقنية لإنفاذ إعلان تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

كذلك، لواشنطن اليد الطولى في الإشراف على هذا الاتفاق، عبر ترّأسها لجنة "الميكانيزم" الموكلة بمراقبة تنفيذ بنود وقف إطلاق النار، وتطرح أيضاً شروطاً إضافيةً جديدة تتعدّى إعلان تشرين الثاني/نوفمبر، قدّمتها على شكل ورقة رسمية إلى الحكومة اللبنانية، التي أقرّت أهدافها في جلستين متعاقبتين في آب/أغسطس الماضي.

وفي معرض الحديث عن "وساطات" أميركية في الشرق الأوسط، لا يمكن إغفال ساحة الحرب الرئيسية، وهي غزة، حيث جرى التوصّل إلى وقف إطلاق النار يحمل توقيع دونالد ترامب، وبعد تهديدات بفتح أبواب الجحيم على القطاع. وبدفع من الرئيس الأميركي أيضاً، يسير الاتفاق نحو مرحلته الثانية، رغم أنّ الاحتلال الإسرائيلي لم يطبّق ما عليه في المرحلة الأولى أيضاً، عبر اعتداءاته المستمرة وقيوده المشدّدة على إدخال المساعدات الأساسية إلى القطاع.

وأبعد من ذلك، حملت كلّ اتفاقات وقف إطلاق النار من كمبوديا وتايلاند، إلى الهند وباكستان، فإيران و"إسرائيل"، حيث تدخل مباشرة عبر قصف المنشآت النووية الإيرانية، بصمة لترامب، الذي يتباهى على الدوام بأنه استطاع خلال سنته الرئاسية الأولى إنهاء 8 حروب، على حدّ زعمه.

اللافت هنا، أنّ توقّف الحروب سابقاً، وحتى وإن كان ضمن المفاوضات التي كانت تخوضها واشنطن بدور الشريك وثوب الوسيط، كان يتمّ إخراجها إلى العلن بصورة قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، حيث ترعى الجهة الأممية اتفاقيات إنهاء الحروب. لكن الآن، يخرج وقف إطلاق النار إلى العلن عبر إعلان أميركي، وبرعاية أميركية، وغياب شبه كامل لدور المنظمة الأممية، والمنظومة الدولية.

ويُلحظ أيضاً بروز دور المبعوثين الرئاسيين الأميركيين في حلّ الصراعات على حساب دور الأمم المتحدة، حيث يؤدي ستيف ويتكوف الدور الرئيسي في مفاوضات وقف النار في أوكرانيا، تماماً كما يفعل السفير الأميركي لدى أنقرة توم برّاك في المنطقة.

تقويض دور الأمم المتحدة ومؤسساتها

ويذهب ترامب أبعد من ذلك في تقويض النظام العالمي القائم، إلى انتهاج مسار عدائي تجاه أرفع الجهات الأممية، وهي الأمم المتحدة، حيث انتقد مراراً دورها في حل النزاعات، معتبراً مقرها "مكاناً للحديث لا يساهم في بناء السلام"، كما عبّر في خطابه في الدورة الـ 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة، العام الماضي.

كما وقّع رئيس الولايات المتحدة، مطلع الشهر الحالي، مذكّرة رئاسية للانسحاب من عشرات المنظمات والاتفاقيات التابعة للأمم المتحدة. وصاحب هذه الانسحابات انتقادات عديدة لهذه المنظمات، حيث وصف تمويل الأمم المتحدة بأنه "تبديد لمليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأميركيين من دون أيّ عائد حقيقي"، موجّهاً تهديداً مباشراً للوكالات الأممية، مفاده أنّ عليها "التكيّف مع المصالح الأميركية أو مواجهة الزوال".

وقلّص أيضاً على حد كبير، مساهمة الولايات المتحدة، في العديد من الوكالات الأممية الأساسية، ما وضعها أمام أزمة مالية أثّرت بوضوح على أدائها مهامها في دول عديدة، ودفعها إلى وضع خطط بديلة لمواجهة الأزمة الوليدة نتيجة خفض التمويل.

كذلك، ذهب ترامب نحو استعداء المحكمة الجنائية الدولية، التي تنظر في جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان، حيث أطلق موجات من العقوبات استهدفت مسؤولين في المحكمة، كان آخرها في كانون الأول/ديسمبر الماضي، على خلفيّة الحرب على غزة.

مجلس السلام: بديل لمجلس الأمن؟

أعلن ترامب، قبل أيام، عن ولادة "مجلس السلام" برئاسته وعضوية مقرّبين منه، ودعا إليه دولاً عديدة، على رأسها روسيا وفرنسا وتركيا ومصر وكازاخستان والمغرب.

بعض الدول رحّبت بالدعوة، وأبدت استعدادها للانضمام، لكنّ دولاً أخرى، كفرنسا مثلاً، تعتزم رفض هذه الدعوة، لكونها تثير تساؤلات جوهرية ‌بشأن دور الأمم المتحدة "الذي ‌لا يمكن التشكيك فيه". 

هذا الخوف نابع من تعديل ترامب لطموحاته بشأن مهمات المجلس، كما يُظهر ميثاقها، الذي سُرّب إلى الصحافة، إذ  كُلّفت الهيئة بمهمة "تعزيز الاستقرار، وإعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات"، من دون الإتيان على ذكر قطاع غزة بشكل حصري، والذي كان من المفترض أنه جوهر إنشاء هذا المجلس.

ويظهر إصرار الرئيس الأميركي على انضمام معظم القوى العالمية إلى المجلس، ولو بالإكراه، عبر تهديده بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على صادرات النبيذ والشمبانيا الفرنسية إلى الولايات المتحدة مثلاً، في حال أصرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على رفض الانضمام إلى المجلس، مضيفاً: " سينضمّ ماكرون في النهاية، لكنه ليس ملزماً بذلك".

ولكون هيكلية المجلس والمهام المنوطة به شبيهة إلى حدّ بعيد بهيكلية ومهام مجلس الأمن، تولّد تخوّف عالمي من أن تنتقل سلطة مجلس الأمن القائمة حالياً إلى يد ترامب، الذي يحظى، وفقاً لميثاق المجلس، بـ "سلطة مدى الحياة في تحديد العضوية واتخاذ القرارات الاستراتيجية".

من هنا، استنتجت صحيفة "لو موند" الفرنسية، في تقرير لها، أنّ ترامب يرى نفسه "بشكل متزايد مهندساً عالمياً للسلام والازدهار، ويضع نفسه على رأس منظمة دولية تهدف إلى تجاوز التأخيرات - والشلل في بعض الأحيان - التي تعاني منها الأمم المتحدة".

الانقلاب على الناتو: السعي لضمّ غرينلاند

والأمر يتجاوز المنظمات الدولية، إلى التحالفات الأمنية مع شركائه الغربيين.

نصّ المبدأ الأول من وثيقة المفهوم الإستراتيجي لحلف الأطلسي- 2022 على أنّ "حلف الناتو مُصمِّم على حماية حرية وأمن الحلفاء. هدفه الرئيسي وأكبر مسؤولياته هو ضمان دفاعنا الجماعي، ضدّ جميع التهديدات، من جميع الاتجاهات. فنحن تحالُف دفاعي".

  • وثيقة المفهوم الإستراتيجي لحلف الأطلسي- 2022
    وثيقة المفهوم الاستراتيجي لحلف الأطلسي- 2022

كما ينص المبدأ السادس من ديباجة المعاهدة (الوثيقة الأساسية لـ"الناتو") على: "الأطراف تتفق على أنّ أيّ هجوم مسلح ضدّ أحدها أو أكثر في أوروبا أو أميركا الشمالية يُعدّ هجوماً عليهم جميعاً، وبالتالي يتفقان على أنه في حال وقوع مثل هذا الهجوم المسلح، فإنّ كلاً منهم، سيقدّم المساعدة للطرف أو الأطراف التي تعرّضت للهجوم، وذلك باتخاذ الإجراءات اللازمة فوراً، بشكل فردي وبالتنسيق مع الأطراف الأخرى، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لاستعادة الأمن في منطقة شمال الأطلسي والحفاظ عليه.

لكنّ هذه المبادئ مهدّدة بالاندثار مع مجيء التهديد من داخل الحلف، هذه المرة، وتحديداً من الولايات المتحدة، حيث عاد ترامب ليثير مجدّداً، في الآونة الأخيرة، مسألة سعيه لضمّ غرينلاند، متحدثاً عن أهمية بالغة لها في "الأمن القومي الأميركي"، ودور مهم لها في "القبة الصاروخية"، وموقعها القطبي الاستراتيجي الذي يمنحه السيطرة على شمال الشطر الغربي للعالم، إنفاذاً لعقيدة "دونرو".

وحيث إنّ الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة العسكرية في سعيه لتحقيق هذا الهدف، تشير دراسة  لجامعة ماينوث (Maynooth University)، نُشرت أمس الاثنين، إلى أنّ "الولايات المتحدة أصبحت التهديد الرئيس لمستقبل الناتو". 

وأوضحت الدراسة أنّ أيّ غزو أو ضمّ قسري لغرينلاند - وهي أرض تابعة للدنمارك، العضو في الناتو-  سيؤدّي تقنياً إلى تفعيل "المادة الخامسة" من معاهدة الدفاع المشترك، في هذا السيناريو، ستجد الدول الأوروبية نفسها ملزمة قانوناً بالدفاع عن الدنمارك ضدّ "المعتدي"، الذي هو في هذه الحالة الولايات المتحدة نفسها.

وتؤكّد الورقة البحثية أنّ الولايات المتحدة في عهد ترامب قد "غادرت بالفعل المبادئ متعددة الأطراف" التي تأسس عليها الناتو، فبدلاً من التعاون، انتقلت واشنطن إلى أسلوب "الإكراه" ضدّ الحلفاء، مما يجعل الحلف يعيد تعريف استراتيجيته المستقبلية بعيداً عن القيادة الأميركية.

وفي معرض الحديث عن نفور الولايات المتحدة من الناتو، تبرز الانتقادات المتكررة التي وجّهها ترامب للحلف، معتبراً إياه عبئاً على بلاده، كما عبّر في أكثر من تصريح.

لذا، فإن الرؤية الأميركية لصورة العالم الجديدة لا تعزل أمن ومصالح حلفاء واشنطن التاريخيين عن احتمال الضرر.

هل ينجح ترامب في مسعاه؟

على الرغم من إعلان العديد من الدول الأوروبية موافقتها على الانضمام إلى "مجلس السلام"، إلا أنّ عدداً منها بدأ يعيد النظر في استمرار مشاركته في مركز التنسيق المدني–العسكري الأميركي الخاص في غزّة، في ظل قناعة متزايدة بفشل المركز في تحسين تدفّق المساعدات الإنسانية أو إحداث أيّ اختراق سياسي ملموس.  

وبحسب ثمانية دبلوماسيين أجانب نقلت عنهم وكالة "رويترز"، فإنّ مسؤولين من بعض الدول الأوروبية لم يعودوا إلى المركز، الواقع جنوبي فلسطين المحتلة قرب غزّة، منذ عطلة عيد الميلاد ورأس السنة، في مؤشرٍ يدلّ على تراجع الحماسة الأوروبية تجاه دوره.

كذلك تصطدم طموحات ترامب بعدم نجاح "الوساطات" الأميركية في إنهاء الصراعات والحروب، بالشكل المنشود، حيث تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على كلّ من لبنان وغزة وسوريا، بشكل مضاعف، وكذلك الحال بين كمبوديا وتايلاند، التي تشهد الحدود المشنركة بينهما توتراً متقطعاً، إضافة إلى عدم نجاح واشنطن حتى الآن في إنهاء الحرب في أوكرانيا.

لذلك، فإنّ الواقع يضع مشروع ترامب أمام معوقات عديدة؛ أبرزها المعارضة الدولية لطرحه نفسه بديلاً للنظام العالمي القائم، وعدم تحقيق وساطاته للأهداف المنشودة منها، بسبب عدم استئصال الخلاف من جذوره، بل الاكتفاء بإيقافه. 

إذاً، يحاول الرئيس الأميركي إعادة رسم النظام العالمي وفقاً للرؤية الأميركية، بمعزل عن رؤية الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، لكنه وفق الواقع الدولي، بحاجة إلى متغيّرات عالمية تضع قوى عظمى في موقع الضعف من أجل تعبيد الطريق أمام هذه الرؤية، لكونها لا تعتمد فقط على تبدّل هوية ساكن البيت الأبيض.

اخترنا لك