بين انهيار الأمان ونزيف المليارات.. هل تدفع دول الخليج ثمن المقامرة الأميركية؟
ضريبة المقامرة الأميركية، دول الخليج من "واحات أمان" إلى "نقاط معزولة" بالتزامن مع نزيف مليارات يومي، وشلل في الموانئ، وانهيار لنموذج الرفاهية تحت وطأة تبعات الحرب على إيران.
-
بين سراب الأمان ونزيف المليارات.. هل تدفع دول الخليج ثمن "المقامرة" الأميركية؟
قُبيل اندلاع العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، حملت الجولة الإقليمية لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، "إنذاراً استراتيجياً مبكراً" مفاده بأنّ أيّ انخراط لدول المنطقة سيحوّل تلك المنطقة إلى ساحة ارتدادات.
رسم عراقتشي خطوطاً حمراً واضحة؛ "أمن المنطقة وحدة واحدة، وأيّ تعاون مع العدوان سيجعل المصالح أهدافاً مشروعة". ومع ذلك، وجدت دول الخليج نفسها داخل معادلة لم تصنعها، ويبدو أنها ابتلعت "طُعم" التطمينات الأميركية بضربة محدودة، لتستفيق على حرب استنزاف طالت عصب وجودها الاقتصادي، ونموذجها الأمني الذي بنته على مدار عقود.
"مقامرة" الخليج: سراب الأمان في مواجهة المسيّرات
الموقف الخليجي، كما تعكسه التسريبات في الصحافة الغربية، يتجه نحو رفض تسوية سريعة بشأن الملف الإيراني، بل ربما الضغط على واشنطن لمواصلة الحرب على إيران وتطويرها باتجاه غزو بري.
خلال الأيام الماضية، ركّز الإعلام الغربي على موقف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الحرب، وكشفت "نيويورك تايمز" عن ضغوط يمارسها ابن سلمان على ترامب لمنع إيقافها، واعتبار العدوان "فرصة تاريخية" للإطاحة بالحكومة الإيرانية، وسط مخاوف من "ردّ انتقامي" يطال منشآت السعودية.
وفي السياق ذاته نقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن مصدر استخباراتي سعودي، أنّ الرياض حثّت واشنطن على التصعيد وأنها تدرس الانضمام للحرب.
هذا التموضع يضع الخليج أمام مفارقة، فسياسياً يظهر كطرف لا كوسيط، وداخلياً تعيش الأنظمة "هلعاً أمنياً" من انفجار الشارع الذي يرى في استمرار الحرب تهديداً لهويته ووجوده.
وخلف ستائر القلق الأمني، لم يتوقّف الأمر عند "الهلع" السياسي، بل تُرجم داخلياً إلى حملة استباقية من الاعتقالات طالت أصواتاً أكاديمية وحقوقية، وحتى مغرّدين في أكثر من دولة خليجية، ممن حذّروا من عاقبة الانزلاق في الحرب أو انتقدوا كلفة التبعيّة لواشنطن. وفي محاولة لفرض "تعتيم ميداني" فرضت عواصم خليجية غرامات مالية باهظة وعقوبات بالسجن على كلّ من يصوّر مواقع الاستهداف أو آثار المسيّرات والصواريخ.
ومع إنفاق المليارات لاعتراض المسيّرات والصواريخ الإيرانية، تبرز تساؤلات حول جدوى شراكات مع واشنطن و"تل أبيب" جعلت هذه الدول أهدافاً مباشرة واستنزفت مواردها النفطية.
وفي المقابل، يسود "غضب مكتوم" في بعض دوائر القرار لإدراك متأخّر بأنّ الحرب تضرب جوهر المشاريع التنموية مثل "رؤية 2030" في السعودية، ورؤية "نحن الإمارات 2031" والتي تهدف لبناء اقتصاد جديد قائم على المعرفة والتكنولوجيا.
ولطالما قدّمت دول الخليج، وتحديداً الإمارات والسعودية، نفسها كـ"واحات أمان" محمية وبيئة مناسبة للاستثمار، تعتمد على معادلة جمعت بين نماذج أمنية وفّرتها القواعد الأميركية، ضمن شبكة قواعد تبدأ من "العديد" في قطر ولا تنتهي بـ "جبل علي" في الإمارات، إضافة إلى الاستقرار الداخلي.
اليوم، وبدلاً من أن تكون هذه القواعد في الخليج دروعاً، تحوّلت إلى سبب لسقوط المسيّرات والصواريخ الإيرانية، ما كسر صورة الأمان المزعوم، ودفع بالاستثمارات والأموال إلى الهروب خارج المنطقة.
صحيفة "الغارديان" البريطانية، أكدت أنّ "سراب الرفاهية الهادئة" تبخّر، حيث فشل الحليف الأميركي في حماية المدن الزجاجية واستمرار تدفّق النفط، خاصة مع إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز الذي حوّل موانئ الخليج إلى "نقاط معزولة".
عرض هذا المنشور على Instagram
نزيف المليارات: انهيار نموذج الازدهار الخليجي
ليست المشكلة لدى دول الخليج فقط في حجم الخسائر، بل في طبيعة الخسارة، فالخليج لا يخسر أموالاً فقط، بل يخسر نموذجاً اقتصادياً كاملاً.
وبعد شهر من إغلاق هرمز، قدّرت المؤسسة المعنية بتقييم المخاطر الاقتصادية والتجارية في الأسواق الناشئة، أليانز تريد، خسائر تكبّدتها اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي من عائدات النفط والغاز المباشرة بـ 18-20 مليار دولار، مع نزيف يومي يقارب المليار.
وتشير "فايننشال تايمز" إلى أنّه كان بإمكان منتجي الخليج أن يحقّقوا أرباحاً إضافية تصل إلى 640 مليون دولار يومياً لو لم تؤدِ الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران إلى تعطيل صادرات الطاقة، بينما تقدّر وكالة تقييم الأسعار "أرغوس ميديا" خسائر عائدات النفط الخام بما لا يقلّ عن 403 ملايين يومياً في دول الخليج.
وتوقّعت شركة الاستشارات المالية "أكسفورد إيكونوميكس" تباطؤ النمو إلى 2.6%، أي أقلّ بـ 1.8% من التوقّعات السابقة. كما يواجه قطاع السياحة تهديداً بخسارة 56 مليار دولار في دول الخليج.
وبالمحصّلة الخسارة ليست فقط مالية، بل تعطّل نموذج التدفّقات (نفط – استثمار – سياحة – خدمات)، وتحوّل الخليج من مركز استقرار عالمي إلى منطقة "عالية المخاطر" في الأسواق الدولية.
ووفقاً لـ "فايننشال تايمز"، خسرت أكبر 20 شركة طيران عالمية نحو 53 مليار دولار من قيمتها السوقية منذ بدء الحرب، وتضاعفت تكلفة وقود الطائرات، ما قد يضطر الحكومات الخليجية لضخ سيولة طارئة لإنقاذ ناقلاتها الوطنية من الإفلاس.
وفي قلب هذا النزيف، تدفع دبي الضريبة الأقسى، فالمدينة التي صُمّمت لتكون "مركز العالم" المالي واللوجستي، تشهد اليوم موجة صامتة من هروب الرساميل وسحب الاستثمارات نحو ملاذات أكثر أماناً في شرق آسيا وأوروبا.
ومع تضاعف أقساط التأمين على المخاطر السيادية، بدأت كبرى الشركات العالمية في تقليص مكاتبها الإقليمية، تزامناً مع قرارات تسريح قسرية لآلاف الموظفين في قطاعات العقار والفنادق، ما حوّل "أيقونة الازدهار" إلى مدينة تحاول ترميم سمعتها الاستثمارية في ظلّ سماء لا تتوقّف عن استقبال نُذر الانفجار.
ضرب "عصب المستقبل".. من الأسمدة إلى الذكاء الاصطناعي
لم تقف تداعيات العدوان على إيران هنا، بل طالت "الرؤى المستقبلية" لدول الخليج وعصب الحياة اليومية. من أزمة الزراعة والأسمدة التي تملك تأثيراً استراتيجياً صامتاً، فهي من أخطر الزوايا التي لم يتمّ تسليط الضوء عليها كفاية، فثلث تجارة الأسمدة العالمية تمرّ عبر هرمز، وإغلاق المضيق يهدّد نصف إنتاج الغذاء العالمي المعتمد على الأسمدة.
كذلك، أثّر العدوان الأميركي-الإسرائيلي بشكلٍ مباشر في سلاسل الإمداد، وأدّى إلى توقّف مصانع وإمدادات، فيما تمثّل الطاقة 70% من تكلفة إنتاج الأسمدة، أي اضطراب يهدّد نصف إنتاج الغذاء العالمي. وهنا يخسر الخليج مرتين: كمصدر للطاقة ومستورد للأمن الغذائي، وفق صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
وبالتوازي، انكسر طموح الذكاء الاصطناعي أمام هشاشة مراكز البيانات في الخليج واستهداف البنية التحتية ما أدّى إلى تعطّل طموحات التحوّل الرقمي نتيجة تردّد الحلفاء الغربيين في توريد الرقائق المتقدّمة لمنطقة مشتعلة، وتزامن ذلك مع انسحاب شركات تقنية كبرى وهروب استثماراتها.
مشاهد تظهر حرائق ودماراً بطائرات تزويد الوقود الأميركية في مطار الخرج السعودي بعد استهدافها من قبل حرس الثورة.#الميادين pic.twitter.com/mAisk0SJnT
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) March 27, 2026
التعافي يستغرق وقتاً وتساؤلات حول المستقبل
أما بالنسبة للتعافي بعد انتهاء الحرب، فيبدو أنه سيأخذ الكثير من الوقت ولن يكون لحظياً، ففي قطاع الطاقة، تشير تقديرات "بلومبرغ" إلى أنّ التعافي لن يكون سريعاً، إذ قد يستغرق إصلاح منشآت الغاز الحيوية، كمجمع "رأس لفان"، نحو 5 سنوات، مما يضع عصب الاقتصاد الخليجي في حالة شلل ممتدّ.
في المحصّلة، دخلت دول الخليج أتون هذه الحرب من دون تحذير مسبق من حليفتها واشنطن أو تحضير مناسب، مما دفعها لمراجعة استراتيجية متأخّرة، فإنّ استهداف طهران للخليج لم يكن لعداء مباشر بقدر ما كان تعاملاً مع هذه الدول كـ "عناوين أميركية"، وفق "فورين بوليسي".
يقف الخليج اليوم عالقاً في "فخّ التسوية"، فبينما يرفض البعض إنهاء الحرب طمعاً في مكاسب سياسية واهمة، ينهار "النموذج التنموي" تحت وطأة التبعيّة المطلقة لسياسة الهيمنة الأميركية. إنّ ما يحدث ليس أزمة عابرة، بل هو تحوّل بنيوي أعاد تسعير المنطقة في الأسواق الدولية كـ "منطقة مخاطر" بدلاً من "مركز استقرار"، وحوّل اقتصادها من "نموذج تدفّقات وازدهار" إلى "اقتصاد تحت الضغط" يدفع ضريبة انخراط عسكري لم يصنعه، بانتظار مخرج يحفظ ما تبقّى من أحلام الرؤى المستقبلية.