بكين في طهران: موقع الصين في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران
صمود إيران ليس وليد لحظة الحرب، إنما هو حصيلة عقود متراكمة من بناء القدرات الذاتية التي عزّزتها شراكات أوراسية صلبة وجادة حوّلتها من دولة محاصرة بالعقوبات إلى عقدة مركزية في بنية دولية بديلة.
-
بكين في طهران: موقع الصين في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران
حين أطلقت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عدوانهما الجوي المشترك على الجمهورية الإسلامية في إيران فجر الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026 ضمن عملية سمّياها "الغضب الملحمي"، لم يكن الهدف المعلن المتمثل بتدمير البرنامج النووي والقدرات الصاروخية إلا الواجهة الضرورية لمشروع أوسع نطاقاً وأبعد أثراً يرمي إلى تفكيك العقدة المركزية التي تربط المشاريع الاستراتيجية الصينية والروسية في قلب أوراسيا بالممرات البحرية والبرية الحيوية في غرب آسيا، فإيران ليست خصماً إقليمياً لواشنطن و"تل أبيب" فحسب، إنما هي الحلقة التي يستحيل من دونها إتمام مبادرة "الحزام والطريق" الصينية وممرّ النقل الدولي شمال-جنوب الروسي الرابط بين سان بطرسبرغ والمحيط الهندي عبر بحر قزوين والأراضي الإيرانية، وهذا ما يجعل هذه الحرب في جوهرها العميق موجّهة ضد بكين وموسكو بقدر ما هي موجّهة ضد طهران ومحور المقاومة بأكمله.
أدركت بكين مبكراً أن الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق في المنطقة منذ احتلال العراق عام 2003 لا يستهدف إيران بمعزل عن سياقها الأوراسي، إنما يستهدف البنية التحتية البديلة التي يبنيها محور موسكو-بكين-طهران كسراً للطوق الغربي على التجارة والطاقة.
ميناء بندر عباس الذي تعرّض لقصف متكرر خلال الحرب الجارية، وشبكة السكك الحديدية الإيرانية المرتبطة بالصين وباكستان وآسيا الوسطى، ومعابر بحر قزوين الذي يتحوّل إلى فضاء أمني مشترك بين الدول الساحلية، كلها ركائز لا تقبل الاستبدال في مسارات التجارة الصينية خارج نطاق الهيمنة البحرية الأميركية.
والصين التي استثمرت ما يزيد على مئة مليار دولار في مشاريع طاقة وبنية تحتية إيرانية ضمن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة البالغة أربعمئة مليار دولار لخمس وعشرين سنة، لم تنتظر اندلاع القتال لتتحرك، بل شرعت منذ يناير الماضي في بناء منظومة دعم تكنولوجي واستخباري تحوّلت إلى العمود الفقري الفعلي لقدرة إيران على الصمود والردّ.
تكشف وقائع الأسابيع السابقة للحرب أن الصين نقلت إلى إيران رادارات YLC-8B المتقدمة المضادة للطائرات الشبحية عبر جسر جوي شمل 16 طائرة نقل عسكرية هبطت خلال 56 ساعة بأجهزة إرسال مطفأة لإخفاء التحركات.
يعمل هذا الرادار بتردد UHF الذي يُبطل فعلياً الطلاء الماصّ للرادار على طائرات الجيل الخامس كالإف-35 والبي-2، ويكشفها على مسافة تتجاوز مئتي كيلومتر ضمن شبكة دفاع جوي متكاملة مع منظومة إس-300 الروسية ومنظومة HQ-9B الصينية.
وإلى جانب ذلك، سلّمت بكين منظومات HQ-16B وHQ-17AE للدفاع الجوي متعدد الطبقات، وأكثر من ألف ومئتي صاروخ FN-6 المحمول على الكتف لمواجهة الطيران المنخفض، وثلاثمئة طائرة كاميكازي من طراز Sunflower-200، فضلاً عن رادارات SLC-2 لمكافحة البطاريات المعادية ورادارات Type 305A للإنذار المبكر، في حزمة تسليحية متكاملة صُمّمت لمنح إيران طبقات دفاعية لم تكن متاحة لها في أي مواجهة سابقة على الإطلاق.
الأكثر تأثيراً من العتاد المادي كان التحوّل الكامل للمنظومة العسكرية الإيرانية من نظام GPS الأميركي إلى منظومة بيدو-3 الصينية للملاحة الفضائية. ففي حرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يوماً، شوّشت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إشارات GPS، فانخفضت دقّة الصواريخ الإيرانية، وتمكنت الطائرات الصهيونية من التحليق في الأجواء الإيرانية بلا معارضة تُذكر.
كانت تلك نقطة ضعف بنيوية خطيرة تعلّمت منها طهران الدرس كاملاً، فنفّذت بعدها مباشرة وبتوجيه صيني تحوّلاً شاملاً نحو بيدو المشفّر الذي يوفّر دقة بالسنتيمتر مع مقاومة عالية للتشويش الإلكتروني الغربي، ويتضمّن خدمة رسائل قصيرة تتيح للقيادة العسكرية التواصل حتى لو انهارت الشبكات المحلية تماماً.
وقد لاحظ المدير السابق للاستخبارات الخارجية الفرنسية آلان جوييه أن دقة الصواريخ الإيرانية في هذه الحرب الجارية تحسّنت بصورة لافتة مقارنة بحرب يونيو، وهو تحسّن يُعزى مباشرة إلى هذا الانتقال التكنولوجي المحوري والتطويرات المحلية.
على صعيد الاستخبارات الفضائية، وظّفت بكين أسطولها المؤلف من أكثر من 500 قمر صناعي عسكري ومدني مزدوج الاستخدام لتزويد طهران بمعلومات استخبارية آنية ومتواصلة عن مواقع وتحركات القطع البحرية والطائرات والقواعد الأميركية في الخليج وخليج عمان والمحيط الهندي، شملت الاستخبارات الإشارية ورسم الخرائط التضاريسية الدقيقة لساحة المعركة بأبعادها الشاسعة.
وبرزت في هذا السياق شركة MizarVision الصينية المقرّبة من الحكومة التي بدأت قبل أسبوع واحد من اندلاع الحرب بنشر صور فضائية عالية الجودة مُعلَّمة بدقة متناهية للأهداف والمواقع الأميركية تحت لافتة "المصادر المفتوحة"، وهي شركة لا تمتلك أقماراً صناعية خاصة، ما يشير إلى احتمالية كونها واجهة استخبارية حكومية صينية. كما أتاحت بكين لطهران الوصول إلى شبكة أقمار جيلين-1 المؤلفة من ثلاثمئة قمر صغير تقدّم صوراً بدقة نصف متر تتضمّن فيديو حياً للأهداف والتحركات.
هذا الدعم الاستخباري الصيني – والروسي – هو ما يفسّر قدرة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية على إصابة أهداف بالغة الحساسية والسرية بدقّة أذهلت المحللين الغربيين أنفسهم: منشأة سرّية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في السعودية، ومركز قيادة وسيطرة تابع للأسطول الخامس الأميركي في البحرين، ورادارات AN/TPY-2 ومنظومات ثاد في عدة قواعد خليجية، وصولاً إلى ضرب مدينتي ديمونا وعراد قرب المفاعل النووي الصهيوني في اليوم الثاني والعشرين للحرب بصواريخ اخترقت منظومات الدفاع وأصابت نحو مئة شخص، بل إن ضرب قاعدة دييغو غارسيا الأميركية-البريطانية في المحيط الهندي بصاروخين باليستيين على مسافة أربعة آلاف كيلومتر لم يكن ممكناً لولا بيانات الاستهداف الفضائية المتدفقة من الأقمار الصينية والروسية التي مكّنت طهران من ملاحقة البنية العسكرية الأميركية عبر مساحات جغرافية شاسعة في الوقت الفعلي.
وعلى الصعيد البحري والإلكتروني، نشرت البحرية الصينية مدمرات متقدمة من طراز Type 055 في مياه المحيط الهندي، وأرسلت سفن استخبارات إلى خليج عمان تتولى رصد التشكيلات البحرية الأميركية ومراقبة إطلاقات الصواريخ وتتبّع الاتصالات عبر مسافات واسعة.
وعملت شركة CETC الصينية الحكومية للإلكترونيات الدفاعية مع الجانب الإيراني على تطوير تكتيكات حرب إلكترونية متقدمة تشمل توليد إشارات وهمية تحاكي حركة ناقلات النفط والسفن التجارية لإرباك أنظمة الرصد والتحليل الأميركية وتغطية التحركات العسكرية الإيرانية الحقيقية، فضلاً عن تنسيق ضربات صاروخية متزامنة من منصات برية وبحرية متعددة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
والمحللون يلاحظون أن الصين تختبر هذه التكتيكات الإلكترونية ميدانياً في ظروف الحرب الحقيقية الجارية الآن في إيران لاستخلاص بيانات تشغيلية حاسمة استعداداً لسيناريوهات مواجهة محتملة مع واشنطن في بحر الصين الجنوبي.
وقبل الحرب الجارية على إيران بيوم واحد فقط، كشف موقع Middle East Eye نقلاً عن مسؤولين عرب أن بكين تسلّم إيران أسلحة هجومية تشمل ذخائر متسكعة وطائرات كاميكازي، وأن الصين أبلغت بعض حكومات المنطقة الشريكة لواشنطن بهذه التسليمات في رسالة واضحة ومتعمّدة بأنها لن تتخلّى عن طهران في مواجهة العدوان.
وبالتزامن مع اندلاع الحرب، غادرت سفينتان إيرانيتان حكوميتان ميناء قاولان الصيني تحملان بيركلورات الصوديوم الضروري لتصنيع وقود الصواريخ الصلبة. وتفيد تقارير أخرى بنقل نحو ألف ذخيرة متسكعة صينية من طراز LOONG M-9 إلى إيران عبر ممر بري يمرّ بباكستان ضمن اتفاق نفط مقابل سلاح، متجنبة الممرات البحرية المضطربة والمراقبة في التفاف ذكي يضمن استمرار تدفق الإمدادات.
دبلوماسياً، امتنعت الصين مع روسيا في مجلس الأمن عن التصويت على القرار 2817 الذي دان الهجمات الإيرانية على دول الخليج من دون أي ذكر للعدوان الأميركي-الصهيوني الذي أشعل الحرب في البداية، ووصف المندوب الصيني القرار بأنه "لا يعكس الجذر الحقيقي للنزاع ولا صورته الكاملة بصورة متوازنة"، ثم صوّتت لمصلحة المشروع الروسي البديل الذي طالب جميع الأطراف بوقف شامل فوري للقتال، فسقط بأربعة أصوات فقط.
وأجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال أسبوعين أكثر من 12 مكالمة هاتفية مع نظرائه من دول المنطقة والعالم، بما فيها إيران وروسيا وفرنسا و"إسرائيل" ذاتها، فيما أطلق المبعوث الصيني الخاص إلى الشرق الأوسط تشاي جون حملة دبلوماسية نشطة شملت السعودية والإمارات والبحرين.
ووصف وانغ يي الحرب صراحة بأنها "حرب لم يكن ينبغي أن تحدث ولا تخدم مصلحة أحد"، وأن الضربات الأميركية-الإسرائيلية جرت في خضم مفاوضات نووية قائمة، وأنها تنتهك القانون الدولي بصورة سافرة.
ويتجلّى البعد الاقتصادي للدور الصيني في جانبين متلازمين: الأول أن إيران سمحت للسفن الصينية بالمرور عبر مضيق هرمز فيما منعت سفن الدول المعادية والمتواطئة مع العدوان، بل إنها تدرس الآن إمكانية السماح حصرياً بعبور الشحنات المقوّمة باليوان الصيني في تحدٍّ صريح ومباشر لهيمنة الدولار على تجارة الطاقة العالمية.
والجانب الثاني أن الصين استبقت الأزمة بزيادة وارداتها النفطية 16% في يناير وفبراير للتخزين الاستراتيجي، معتمدة على مخزونها البالغ ملياراً وأربعمئة مليون برميل ووارداتها البرية من الغاز الروسي عبر ممر قوة سيبيريا الآمن كلياً من أي تهديد بحري.
وبينما وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي مع ارتفاع الأسعار بما يزيد على 45% منذ بداية الحرب، فإن الصين تبرز كمستفيد نسبي من الأزمة بحكم تنويع مصادرها التي تخفّف عليها وطأة ارتفاع الأسعار مقارنة بالاقتصادات الغربية المنهكة أصلاً.
ما تقوم به بكين يمثّل نقلة نوعية حقيقية في أنماط الدعم المقدّم لدولة تتعرض لعدوان إمبريالي مشترك من أكبر قوة عسكرية في العالم وقاعدتها الاستعمارية الاستيطانية في المنطقة: لم تنخرط في القتال المباشر، ولم ترسل قوات عسكرية، لكنها تحوّلت عملياً إلى الجهاز العصبي المركزي لمنظومة الاستهداف والدفاع الإيرانية.
ترى بأقمارها الصناعية ما لا تراه طهران بمفردها، وتوجّه صواريخها بمنظومة بيدو المشفّرة حيث يعجز GPS المعطّل عن أداء وظيفته، وتكشف الطائرات الشبحية الأميركية برادارات YLC-8B حيث تخفق المنظومات التقليدية كافة. وفي الوقت نفسه، تستخدم الصين هذه الحرب كميدان اختبار واقعي لتكنولوجياتها العسكرية في مواجهة الترسانة الأميركية، فتستخلص منها بيانات لا تُقدّر بثمن عن أداء أسلحتها ونقاط ضعف الخصم في ظروف حرب حقيقية استعداداً لأي مواجهة مقبلة في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي.
وفي مقابل هذا الدور الصيني المتصاعد، يتكشّف بوضوح متزايد عجز واشنطن والكيان الصهيوني عن تحقيق أيّ من أهدافهما المعلنة بعد أكثر من عشرين يوماً من القصف المتواصل بتكلفة تجاوزت عشرين مليار دولار، فإيران لا تزال تقصف العمق الصهيوني والقواعد الأميركية في أنحاء المنطقة بأسرها بموجات صاروخية يومية متصاعدة، ولا يزال مضيق هرمز مغلقاً فعلياً أمام سفن الأعداء، ولا يزال حزب الله يصعّد من لبنان بعشرات الموجات الصاروخية يومياً.
هذا الصمود ليس وليد لحظة الحرب، إنما هو حصيلة عقود متراكمة من بناء القدرات الذاتية التي عزّزتها شراكات أوراسية صلبة وجادة حوّلت إيران من دولة محاصرة بالعقوبات إلى عقدة مركزية في بنية دولية بديلة.
وسوف تحدد قمة ترامب-شي المرتقبة في نهاية مارس الجاري ما إذا كانت بكين ستنتقل إلى مستوى أعلى من الردع يفرض على واشنطن أن تحسب تكلفة هذه الحرب، ليس مع طهران وحدها، بل مع بكين وموسكو ومشروع التحرر من الهيمنة الذي تمثّله إيران بصمودها اليوم في قلب النظام العالمي المتداعي.