باحثون إسرائيليون يفندون ادعاءات نتنياهو بـ"النصر": النجاح يقاس بتحقيق الأهداف وليس بالدمار

خبراء وباحثون إسرائيليون يطرحون تقديرات تخالف حملة الترويج لسردية "النصر على إيران" الرسمية، التي يقودها المسؤولون الإسرائيليون، وفي مقدّمهم نتنياهو. ماذا جاء فيها؟

  • باحثون إسرائيليون يفندون ادعاءات نتنياهو بـ
    باحثون إسرائيليون يفندون ادعاءات نتنياهو بـ"النصر": النجاح يقاس بتحقيق الأهداف وليس بالدمار

قدمت مجموعة من الخبراء والباحثين الإسرائيليين تقديرات تخالف حملة الترويج لسردية "النصر على إيران" الرسمية، التي يقودها المسؤولون الإسرائيليون، وفي مقدّمهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

ورأى بعض هؤلاء أن معيار النجاح لا يُقاس بحجم الدمار أو مستوى الاغتيالات، بل بمدى تحقق أهداف الحرب، وهو ما لم يحصل، فالنظام الإيراني لا يزال قائماً، ولا يبدو أنه يشعر بالهزيمة، بل قد ينظر إلى نتائج الحرب بوصفها دليلاً على قدرته على الصمود في مواجهة واشنطن و"تل أبيب" معاً. لذلك، يُتوقع أن يواصل تخصيص موارد كبيرة لإعادة بناء قدراته، والاستمرار في نهج التحدي، والسعي إلى تحقيق رؤيته الأصلية المتمثلة في تدمير "إسرائيل".

وفي هذا السياق، رأى رئيس وحدة دراسات العلوم الاجتماعية والإنسانيات في الكلية الأكاديمية للهندسة في "تل أبيب"، "أفِكا"، كوتي شوهام، أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أُخرى، الذي قُدِّم كلحظة كبح، وربما كبوابة تسوية، تبيّن، بعد الجمود الذي وصلت إليه المفاوضات في باكستان، أنه ليس مجرد دليل على فشل دبلوماسي، بل نتيجة مباشرة للطريقة التي وُلد بها وقف إطلاق النار ذاته.

وأضاف شوهام أنه على الرغم من وقف إطلاق النار، الحرب لم تنتهِ، ليس بالمعنى العسكري، بل بالمعنى الإدراكي، لأن الحروب لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، بل عندما تنشأ لحظة تنظّم الواقع يفهم فيها الجمهور أن انتقالًا قد حدث من حالة صراع إلى حالة حسم، وهذا يُوِجد نهاية تسمح بسرد الرواية بأثر رجعي، وتمنح إحساسًا بالإغلاق.

أما وقف إطلاق النار المؤقت، وفقاً لشوهام، فهو تقريبًا النقيض التام، هو ليس نهاية، بل إنه تعليق، ليس حسمًا، بل إنه تأجيل، ولا ينتج قصة، بل يتركها مفتوحة، فالدبلوماسية تعتمد دائمًا على واقع قد حُسم بالفعل، أو يُنظر إليه على أنه حسم. وعندما يبقى الواقع مفتوحًا، تبقى الدبلوماسية مفتوحة أيضًا، وغالبًا عالقة.

وفي قراءة مشابهة، أشار رئيس "هيئة الأمن القومي" سابقًا، تساحي هنغبي (محسوب على اليمين)، إلى أنه على الرغم من "الإنجازات العسكرية الهائلة" التي حققها الجيشان الإسرائيلي والأميركي خلال 40 يوماً من الحرب ضد إيران، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في بقاء النظام مستقرًا في طهران، وهو "مستعد لتخصيص موارد ضخمة لترميم قدراته العسكرية" وتمويل حلفائه الإقليميين .

وبين هنغبي أن المنطقة قد تعود الآن إلى المربع الأول الذي ميّز عشرين عاماً من المفاوضات العبثية، حيث تتحول الأسابيع إلى شهور والشهور إلى سنوات، بانتظار دورات انتخابية وإدارات جديدة في حلقة مفرغة.

كما اعتبر هنغبي أن حديث ترامب عن "تغيير النظام"، أو وصف القيادة الإيرانية الجديدة، بأنها "أقل راديكالية وأكثر عقلانية"، ليس سوى محاولة لتهيئة الرأي العام لقبول الواقع المعقّد، وتبرير التغيير الدراماتيكي في النهج الأميركي، ولا سيما أن المقامرة التي خاضها ترامب عبر وضع إيران أمام إنذار نهائي حاد "الاستسلام أو الموت"، فشلت، لأنها كانت تتطلب من الطرف الذي يوجه التهديد، استعداداً تاماً لتنفيذ وعيده دون أدنى تردد، مهما كانت المخاطر المترتبة على ذلك.

بينما في الواقع، وحينما اختارت طهران المواجهة، بدا أن واشنطن آثرت التراجع في اللحظات الحاسمة، ما كشف عن حالة من التردد الذي رآه العالم أجمع، وهو ما قد يقوّض مصداقية الردع الأميركي التي تراكمت بجهد كبير خلال العمليات العسكرية في العامين الأخيرين، فالإنذار الذي وُجه إلى إيران تحول إلى "تهديد فارغ" سيجعل من الصعب جداً على الإدارة الأميركية استعادة هيبتها المكسورة.

وحذر هنغبي من أن ما يصوره محور المقاومة كفشل استراتيجي أميركي سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن القومي الإسرائيلي، إذ ستزداد ثقة هذا المحور بنفسه، وسيعود إلى نهجه التحدي وإعادة بناء قوته لتحقيق رؤيته الأصلية المتمثلة في تدمير "إسرائيل".

الفشل الأميركي – الإسرائيلي في مواجهة إيران يعود في أحد أسبابه، وفقاً لوزير القضاء سابقًا دانيال فريدمان، إلى أنهما فوجئا بإغلاق إيران لمضيق هرمز، بحيث تبين أنهما لم تكونا مستعدتين لهذا الأمر، ولم تعدّا الرد المناسب عليه، على الرغم من أنه لو كانا كلفا نفسهما عناء النظر إلى الخريطة وفهم ما سيحدث عندما تشعر إيران بخطر حقيقي، لم يكن ليرى في هذا الأمر أي مفاجأة على الإطلاق.

وأمام هذا الواقع، دعا الباحث الكبير في برنامج "إيران والمحور الشيعي" في معهد أبحاث "الأمن القومي"، داني سيترينوفيتش، "إسرائيل" للعودة إلى "طاولة التخطيط" وإعادة فحص الاستراتيجية تجاه إيران، لأنه بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ، ومن خلال فحص واقعي لإنجازات المعركة إلى جانب إخفاقاتها، يتبين أنه إلى جانب الإنجازات العملياتية الهامة ضد إيران؛ يبرز استنتاج واحد: لم يتحقق أي من أهداف الحرب بالكامل. كما أن النظام لم ينجُ فحسب، بل يمكن أن يرى في نتائج الحرب دليلاً على قدرته على الوقوف في وجه "إسرائيل" والولايات المتحدة، معتمداً على مزاياه الاستراتيجية، وعلى رأسها السيطرة على مضيق هرمز.

أما "إسرائيل"، فقد تبيَن لها، وفقاً لسيترينوفيتش، أن الثمن الذي تدفعه مقابل مثل جولات القتال هذه، آخذ في الارتفاع، لا سيما من الناحية الاقتصادية، والقوى البشرية في "الجيش" الإسرائيلي، وهذا يشير إلى أن التحدي الإيراني يضع "سقفاً زجاجياً" واضحاً لقدرة العمل الإسرائيلية والأميركية، فكل جولة إضافية تؤكد قدرة إيران على ضرب "إسرائيل" مباشرة، ورفع الثمن الذي تدفعه الأخيرة، وسط تزايد علامات الاستفهام حول القدرة على تحقيق إنجازات استراتيجية في المستقبل.

وخلص سيترينوفيتش إلى أن الوقت حان لبلورة نهج آخر - واقعي، واسع وطويل الأمد، يقوم في أساسه على فهم أن الاعتماد الحصري على قوة الذراع لا يخدم المصلحة الإسرائيلية، إذ يمكن للتحركات السياسية الإقليمية أن تولد ضغطاً فعالاً على إيران لا يقل عن العملية العسكرية، من خلال العلاقات مع أطراف في سوريا ترى في إيران تهديداً، والتقدم في المسار الفلسطيني الذي سيتيح تعميق الروابط مع السعودية وتوسيع التعاون الإقليمي ضد ما سمّاه "المحور الإيراني"، وكذلك استغلال الفرصة لتعزيز قناة سياسية أمام الحكومة اللبنانية.

اقرأ أيضاً: وول ستريت جورنال: نتنياهو لا يتوقف عن القتال.. لكن هل يحقق النصر في الحرب؟

اخترنا لك