الولايات المتحدة ومحاولات الهيمنة على مضيق هرمز.. الخيارات والعوائق

واشنطن تعمل جاهدة لسحب ورقة مضيق هرمز من يد طهران، إمّا عبر محاولة منعها من فرض سيطرتها على المضيق، وإما عبر إيجاد طرق تجارة بديلة على المدى الطويل للتخفيف من تأثيره الإقليمي والعالمي.

  • مضيق هرمز
    مضيق هرمز

"المفاتيح الحقيقية لثروات الأمم لا تكمن في مناجم الذهب، بل في التحكم بالطرق التي تتحرك عبرها البضائع"... بهذه الكلمات يبيّن صاحب كتاب "ثروة الأمم" آدم سميث أهمية السيطرة على طرق التجارة العالمية، وعلى رأسها الممرات المائية الضيقة، فكيف إذا ما كان هذا الممر منفذ خُمس صادرات النفط العالمية؟

الحديث هنا عن مضيق هرمز، الذي تجددت المواجهات في المنطقة لأجله، بين عدوان أميركي على جنوب إيران، يقابله رد من طهران على القواعد والقطع الحربية الأميركية في الخليج وغرب آسيا.

وبعدما أصبح يوصف بـ"قنبلة إيران النووية"، عملت واشنطن جاهدة لسحب هذه الورقة من يد طهران، إمّا عبر محاولة منعها من فرض سيطرتها على المضيق، وإما عبر إيجاد طرق تجارة بديلة على المدى الطويل للتخفيف من تأثيره الإقليمي والعالمي.

فما هي المسارات التي تنتهجها الولايات المتحدة في هذا السبيل؟

محاولة منع تحقيق السيطرة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز

استباق أي اتفاق إيراني- عُماني محتمل

نصت المادة الخامسة من مذكرة تفاهم إسلام آباد بين طهران وواشنطن على أن تتخذ إيران الترتيبات اللازمة لتوفير ممر آمن للسفن التجارية من الخليج إلى بحر عُمان وبالعكس لمدة 60 يوماً، على أن يتم تنظيم حركة السفن بالتنسيق مع سلطنة عُمان والدول المطلة على الخليج.

وبالتلازم، أطلقت إيران وسلطنة عمان جولات من المحاثات للاتفاق على آلية لإدارة عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز، وكيفية تقاضي الرسوم وتحت أي من العناوين. إلا أن أياً من هذه الخطوات لم تشتمل على إشراك الولايات المتحدة في إدارة المضيق أو الاستفادة من عائداته المحتملة.

على ضوء ذلك، حاولت واشنطن استباق أي اتفاق إيراني- عُماني على إدارة الشريان الطاقوي، وسارعت إلى شق ممر في الجزء الجنوبي من المضيق بالقرب من السواحل العُمانية. 

  • صورة تعبيرية تظهر المسار الجنوبي في مضيق هرمز بالقرب من السواحل العُمانية
    صورة تعبيرية تظهر المسار الجنوبي في مضيق هرمز بالقرب من السواحل العُمانية (مصدرها)

كما أعلنت وكالة الأنباء العُمانية أنّ سلطنة عُمان، نسّقت مع المنظمة البحرية الدولية لإتاحة خيار استخدام ممر بحري مؤقت أمام جميع السفن في مضيق هرمز.

وبناءً على ما تقدم، تكون الولايات المتحدة قد أقدمت على محاولة قطع الطريق على إيران في سعيها للتوصل إلى صيغة قانونية إقليمية لإدارة المضيق على المدى الطويل.

لكن إيران تصر على حقها السيادي في إدارة المضيق، بالشراكة مع الدولة المشاطئة الأخرى، بعيداً عن أي من  الدول غير الإقليمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

وفي هذه المنحى، تواصل طهران إجراء محادثات مع مسقط، كان آخرها في 24 تموز/يوليو الماضي، حيث وصل وفد عُماني إلى طهران لإجراء محادثات في هذا الشأن.

وسبق هذه الجولة أيضاً مشاورات أخرى، في 12 تموز/يوليو، بمشاركة وزيري خارجية البلدين عباس عراقتشي وبدر البوسعيدي ووفود فنية وتقنية وقانونية.

كذلك، تؤكد الجمهورية الإسلامية أن أي ترتيبات مستقبلية لإدارة حركة العبور يجب أن تتم عبر التشاور المباشر بين إيران وسلطنة عُمان، مع الأخذ في الاعتبار التطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية وانعكاساتها على أمن الممر البحري.

إضعاف المناطق الساحلية في إيران.. وخطط محتملة للأعمال برية

ورغم إصرار واشنطن على أن الممر الجنوبي الجديد آمن، ودعوتها الناقلات والبواخر إلى عبوره، إلا أن تعرض العديد من الناقلات لهجمات رفع منسوب انعدام الأمن مجدداً، وهو ما أرخى بظلاله على حركة العبور.

إثر ذلك، بدأت القوات الأميركية بشن اعتداءات على جنوب إيران، قالت إنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على شن هجمات في مضيق هرمز أو إيقاف حركة الملاحة. لكن الواضح حتى الساعة هو أن هذه العمليات لم تحقق أهدافها المعلنة، إذ تسارع إيران للرد على أي اعتداء عليها، كما وتعلق مضيق هرمز بشكل شبه كامل.

ويرى مراقبون أن هذه العمليات تأتي في إطار أوسع يهدف إلى فرض سيطرة أميركية ميدانية على المضيق من خلال الجهد العسكري، وهو ما يتقاطع مع ما سربته وسائل إعلام غربية بشأن وجود نقاشات في داخل البيت الأبيض بشأن احتمالية شن هجوم لاحتلال جزيرة "خارك" الإيرانية الاستراتيجية.

لكن هذه النقاشات لا تتسم بالجدية حتى الآن، خاصة لجهة وجود معارضة كبيرة لخطة كهذه تشتمل على عمل بري يعرض القوات الأميركية للخطر.

إذاً، تحاول واشنطن، على المستويين السياسي والعسكري، منع طهران من أن تشرع في فرض سيطرتها الميدانية على المضيق، بغية سحبه كورقة هامة في يدها.

في المقابل، تبادر طهران إلى الرد على أي عدوان ضد أراضيها، وذلك بهدف رفع مستوى الردع عبر رفع كلفة العمل العسكري على واشنطن.

من هنا، تعمد القوات المسلحة اليمنية إلى استهداف القواعد والمواقع العسكرية الأميركية المتمركزة في دول الخليج بشكل يومي، وذلك رداً على الاعتداءات اليومية على أراضيها.

إضافةً إلى ذلك، زادت إيران من عمق ضرباتها داخل المنطقة، حيث استهدفت العديد من المواقع التي تعود للجيش الأميركي في الأردن، حيث قتل العديد من الجنود الأميركيين، إضافة إلى استهداف القاعدة الأميركية في التنف السورية.

ومع ربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعرض السفن التي تعبر هرمز للضرر بقصف المنشآت الحيوية والجسور الإيرانية، فقد ردت طهران بالتوعد بأنها  سترد باستهداف البنى التحتية والجسور في المنطقة، بما في ذلك منشآت الطاقة التي تمتلك الولايات المتحدة مصالح فيها.

ورغم ميل الولايات المتحدة إلى الخيار العسكري، إلا أن أصواتاً بارزة داخلها تشكك في قدرة هذا الخيار على الحسم النهائي في مضيق هرمز وإخراج إيران من دائرة التأثير عليه.

وقال نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، في تصريحات له خلال شهر يوليو: "يمكنك قصْفُهم، وتدمير راداراتهم وبعض مسيّراتهم وصواريخهم، لكن من السهل جداً استهداف السفن في مضيق ضيق كهذا. القوة العسكرية وحدها لن تحل المشكلة، ولهذا السبب يتعين علينا أن نكون مستعدين للتحدث والجلوس لإيجاد حل وآلية عمل".

محاولات أميركية للتقليل من أهمية ودور مضيق هرمز

على صعيد آخر، تسعى الإدارة الأميركية للتقليل من تأثير مضيق هرمز على المدى الطويل، عبر خلق خطوط تجارة بديلة، وهو الأمر الذي سيحرم طهران من الحفاظ على التأثير نفسه على الاقتصاد العالمي، حتى وإن حافظت على سيطرتها على الممر المائي.

من هنا،  بدأ يعود إلى الواجهة مشروع IMEC، الذي أُعلن عنه في قمة مجموعة العشرين في سبتمبر 2023، وصُمم لربط ثلاثة من أسرع التكتلات الاقتصادية نمواً في العالم بسلاسة عبر شبكة بنية تحتية متعددة الوسائط.

وتنقسم شبكة النقل إلى ذراعين تشغيليتين متميزتين:

1. الممر الشرقي: يربط المراكز البحرية الهندية مثل مومباي وهيئة ميناء جواهر لال نهرو (JNPA) عبر بحر العرب في الخليج العربي عبر موانئ الإمارات العربية المتحدة مثل جبل علي.

2. الممر الشمالي: امتداد شبكة سكك حديدية برية واسعة من الخليج عبر المملكة العربية السعودية والأردن، وصولاً إلى ميناء حيفا الإسرائيلي، حيث تعبر الممرات البحرية البحر الأبيض المتوسط ​​إلى بوابات أوروبية مثل بيرايوس في اليونان.

وفي نص تحليلي موسع، على إثر ما ترتب على إغلاق مضيق هرمز مؤخراً من اختناق اقتصادي عالمي، يقول مركز العلاقات الأوروبية إنّ "العالم يحتاج إلى طريق اقتصادي مستقر وموثوق، وهذا ما توفره شركة IMEC من خلال مزيج من الطرق البحرية والسكك الحديدية العابرة للحدود والنقل البري بالشاحنات".

ممر بديل بالتعاون بين تركيا والعراق

إضافة إلى ذلك، صرّح المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا والعراق توم باراك، قبل أيام، بأن لدى رئيس الوزراء العراقي الجديد علي فالح الزيدي ملامح مشروع سيعيد رسم خارطة النقل والطاقة في المنطقة، ويجعل من مضيق هرمز "أمراً ثانوياً" في غضون عامين.

وأوضح المبعوث الأميركي أنّ  خطة الزيدي تعتمد على التنسيق العالي مع كل من سوريا، والأردن، وتركيا، ولبنان، ومصر، وتهدف إلى إنشاء شبكة ربط جغرافي واقتصادي تتجاوز الممرات المائية التقليدية.

وتابع: "بإضافة تركيا وأذربيجان وتركمانستان وآسيا الوسطى إلى محور "الممر الأوسط" الذي يربط "بلاد الرافدين بالشام والخليج"، فإن كميات كبيرة من الغاز سيتم توريدها نحو أوروبا كبديل تجاري". 

إعادة إحياء "خط الحجاز الحديدي"

بالتوازي، يبرز الإعلان التركي مؤحراً عن مشروع لمد سكك حديدية تربط تركيا بالسعودية، عبر العديد من دول المنطقة.

  • مسار
    مسار "خط الحجاز الحديدي" كما نشرته وكالة "الأناضول" التركية

في هذا الملف، قال وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، عبر شبكة "TRT" التركية، إنّ مشاريع الربط السككي الإقليمية التي نسعى لتطويرها مع شركائنا في المنطقة تمثل البديل الإستراتيجي الحتمي لحماية سلاسل التوريد العالمية".

وأضاف: "في الأوقات التي تشهد فيها الممرات البحرية والمضائق الحيوية توترات أمنية وعسكرية تهدد حركة السفن، تبرز الخطوط البرية وشبكات القطارات الحديثة الممتدة عبر المنطقة كخيار آمن وسريع يضمن تدفق البضائع من دون انقطاع، ما يعزز المكانة اللوجستية لتركيا ودول الجوار كمركز ثقل إستراتيجي في الاقتصاد العالمي."

بالنتيجة، تبرز محاولات عديدة لإيجاد بدائل على المدى الطويل لمضيق هرمز، تنخرط فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر في بعض الأحيان، وتبقى في الظل في أحيان أخرى.

هرمز بين الرؤيتين الإيرانية والأميركية

لا بد لفهم طبيعة الصراع حول المضيق، من فهم دوافع طرفي الحرب (إيران والولايات المتحدة) إلى السيطرة أو المشاركة في إدارة الملاحة عبر هرمز.

من جهة الولايات المتحدة، ترى واشنطن أن طهران تستخدم المضيق كورقة تستطيع من خلالها الضغط على الاقتصاد العالمي لتحقيق مصالح سياسية.

يظهر ذلك جلياً في تصريح وزير الحرب الأميركي بيت هيغسث،  خلال شهادة رسمية أمام الكونغرس، في تموز/يوليو 2026، والتي قال فيها: ""واشنطن تتولى تنظيم وحماية حركة المرور عبر المضيق منذ فترة لحماية شريان الطاقة العالمي ومنع طهران من ابتزاز الأسواق."

بدوره، قال وزير الخارجية ماركو روبيو: "سنستمر في حماية حركة الشحن البحري، وسننتهز كل فرصة لتفكيك وتقليل قدرة إيران على استهداف حركة الشحن العالمية وحرمانها من تعطيل سلاسل الإمداد".

من جهتها، ترى طهران في مضيق هرمز إحدى أهم ركائز الأمن القومي للبلاد، والتي يتوجب حمايتها من أي تدخلات خارجية، كما ترى في إدارته حقاً سيادياً.

ففي تصريح علني، يقول المستشار العسكري لقائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران محسن رضائي إنّ "مضيق هرمز يُعدّ أحد أبرز مرتكزات الأمن القومي الإيراني؛ وأهميته الإستراتيجية بالنسبة إلى البلاد تتجاوز عشرات القنابل الذرية. ستلجأ إيران إلى كل الإمكانات لحماية هذا الممر، ولن تسمح لأي قوة أجنبية بالتحكم بمساراته".

كذلك، ترفض طهران أي مساس بحقها في إدارة المضيق، بالشراكة مع مسقط، في أي تفاهم مستقبلي محتمل، بل تعتبر المعركة الدبلوماسية جزءاً من  خطوات الدفاع عن هذا الحق في حماية أهم ركائز الأمن القومي.

وقال عضو لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني محمود نبویان: "إن أي اتفاق يتضمن فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار من دون بسط سيادة إيران  مخالف للمصالح الوطنية وتجاوز لشروط القائد وبيان مجلس الأمن القومي، وخسارة محضة".

من هنا، يمكن الاستنتاج أن إيران ترى في مضيق هرمز مصلحة وطنية يتوجب حمايتها، أكان عسكرياً أو حتى في المفاوضات، وليس ورقة ضغط تقبل المساومة مقابل قضايا أخرى.

ويمكن الاستنتاج من كل ما سلف أن الولايات المتحدة تحاول، على المدى القصير، منع إيران من إحكام قبضتها على شريان حيوي في قلب غرب آسيا.

أما على المدى الطويل، فتحاول واشنطن إيجاد بدائل لهذا الممر المائي، بهدف حرمان طهران من قوة هذه الورقة وإن ظلت يدها تحكم القبض على هذا العنق الاستراتيجي. وعلى الرغم من كل ذلك، تبقى جميع هذه المحاولات غير مضمونة النتائج، خاصة مع عدم مضمونية القدرة على تحمل أكلاف الخيارات قصيرة الأمد، أو تحمل مرور الوقت إلى حين الوصول إلى تلك الخيارات طويلة الأمد.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك