الاحتجاج الاجتماعي في أوروبا: واقع عابر للحدود

تتشارك التظاهرات في الدول الأوروبية مؤخراً العناوين والمطالب، بشكل يشير إلى واقع مشترك أنتجها، وأزمات تواجهها مكونات الاحتجاجات والقوى التي أطلقتها، باختلاف درجات وأنواع تنظيمها.

  • الاحتجاج الاجتماعي في أوروبا: واقع عابر للحدود
    الاحتجاج الاجتماعي في أوروبا: واقع عابر للحدود

تتشارك التظاهرات في الدول الأوروبية مؤخراً العناوين والمطالب، بشكل يشير إلى واقع مشترك أنتجها، وأزمات تواجهها مكونات الاحتجاجات والقوى التي أطلقتها، باختلاف درجات وأنواع تنظيمها.

وهو ما يتسق والوضع الاقتصادي الأوروبي في الأشهر الأخيرة، منذ انطلاق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتداعيات السلبية المتزايدة على الأسعار إجمالاً، وأسعار الطاقة وسلاسل التوريد، ويتسق وضغوط اقتصادية سابقة، سببتها حرب أوكرانيا، وباتت جزئاً من الصعوبات التي تواجهها أوروبا وتخشى آثارها الاجتماعية.

مع ارتفاع سعر الوقود، وسعر الغاز الطبيعي في القارة، العام الحالي، من أقل من 30 يورو للميغاواط في الساعة، قبل الحرب على إيران، إلى 85 يورو مؤخراً، وأسعار السلع الأساسية، والإيجارات، التي كانت بنداً ثقيلاً بالفعل في موازنة ذوي الدخول المحدودة الثابتة.

الواضح أن الشعار الأبرز للاحتجاجات، في فرنسا والبرتغال وألبانيا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وصربيا، رفض ارتفاع كلفة السكن وغلاء المعيشة، وتدهور أوضاع التعليم، الذي تتحمل الدولة في أوروبا مسؤولية رئيسية عنه تجاه المواطنين، بخلاف الولايات المتحدة.

ومن هنا كانت أبرز المكونات إجمالاً الطلاب، وأولها تجمعات طلاب فرنسا، وورائهم المتقاعدين واتحادات المعلمين، وتجمعات نقابية شملت رجال الإطفاء، فضلاً عن أسباب نوعية للاحتجاج، حاضرة من قبل: في ألبانيا، حيث رفْض شراء ايفانكا ترامب وجاريد كوشنر جزيرة سازان، ذات الموقع الاستراتيجي، ومحمية "سفيرنيتش" الساحلية، لإقامة منتجع فاخر، والمطالبة مؤخراً باستقالة رئيس الوزراء، وفي فرنسا وبلجيكا عند شرائح مثل المزارعين، الرافضين استيراد منتجات زراعية من أميركا الجنوبية، باعتباره مهدداً لتكافؤ شروط المنافسة.  

وعدا عن فاعلية الطلاب تحديداً، تتصدر فرنسا مواقع التظاهر من حيث دور التنظيمات السياسية والنقابية، لا بفعل اليسار وعلى رأسه حزب فرنسا الأبية بقيادة ميلونشون فحسب، إنما الأهم النقابات، ذات التجذر الاجتماعي المعتبر، وعودة حركة السترات الصفراء واسعة التأثير.

ومع حالات النهب والعنف الحاد في تظاهرات باريس تحديداً، بدأت تتردد مطالب بتنحي الرئيس ماكرون، الذي اتهم "اليسار المتطرف" بإثارة الفوضى و"التخطيط لإسقاط الجمهورية"، مع حظر المظاهرات التي لا تنظمها جهات نقابية رسمية، سعياً لتجنب تكرار أعمال الشغب، بعد إعلان حظر التجول في عدة مناطق.

وتصدرت منشورات مواقع التواصل صور القيادات الشابة للاحتجاجات، الذين يعكسون تنوعاً عرقياً، يتسق و"مطلبية" التحرك، وتشديد شعاراته على عناوين اجتماعية جامعة، تتجنب عمداً نقاش الهوية الذي يركز عليه اليمين.

وفي البرتغال شارك عشرات الآلاف في الاحتجاجات، وفقاً لبيانات منظميها والاتحادات العمالية، التي ركزت على رفض إجراءات الحكومة لتسهيل إخلاء المستأجرين، وطالبت برفع الأجور لمواكبة التضخم، مع إقامة خيام للاعتصام في وسط العاصمة لشبونة.

وفي اليونان بلغ عدد المشاركين في التظاهرات في أثينا حوالي عشرة آلاف، وامتدت إلى خمسين مدينة في البلاد، طالبوا بزيادة التمويل للتعليم الجامعي، ومعالجة اكتظاظ الصفوف الدراسية وتهالكها، ورفع الأجور ومعاشات التقاعد.

وشهدت ألبانيا درجة لافتة من العنف، تفوق حالة فرنسا، صاحبَته مطالبات بتشكيل حكومة تكنوقراط، وتطهير الدولة من الفساد، ترفع شعار "ألبانيا ليست للبيع"، رفضاً لمشروع المنتجع المرتبط بعائلة دونالد ترامب، الذي يرى المحتجون فيه تهديداً للسيادة، واعتداءاً على البيئة، إذ يُقام في محمية طبيعية.

وفي اسبانيا، التي سبقت فيها الاحتجاجات فرنسا، وتشهد 25 ألف عملية إخلاء سنوياً للمستأجرين، كانت الشرارة إخراج مستأجرة طاعنة في السن من مسكنها، نهاية الشهر الماضي، وتوفيت لاحقاً.

ويمكن اعتبار قضيتها نموذجاً يمثل أزمة الكثيرين، خاصةً في العاصمة والمدن الأكبر، إذ كانت قيمة إيجار وحدتها 500 يورو، بموجب عقد موروث، وبعد انتقال ملكية المبنى إلى صندوق استثماري عقاري أصبحت 2650 يورو، خُفضت إلى 1650، وهو مبلغ أكبر من معاشها التقاعدي، ما أدّى إلى التخلف عن السداد. وجعلت القضية عشرات الآلاف يتظاهرون في مدريد، مطالبين بحماية المستأجرين ومنع الإخلاء من دون توفير سكن بديل.

وأعلنت فرنسا تخصيص دعم موجه للوقود، بقيمة 1.4 مليار يورو، وإنشاء صندوق خاص لمساعدة البلديات على إصلاح الممتلكات العامة المتضررة.

وأعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية قراراً بتشديد العقوبات على ارتكاب العنف أثناء التظاهر، وتعديلات قانونية لملاحقة الفاعلين.

يمكن القول إن وراء الأزمة عجز موازنات وديون، ينعكس على التعليم، مسبباً نقص أعداد المعلمين والمزيد من الاهتراء والاكتظاظ لصفوف الدراسة، كما ينعكس على الخدمات الصحية، وطول قوائم الانتظار الطبية، في ظل ما يعتبره المحتجون تدن للأجور.

والمحصلة ضغط كبير على شرائح الطبقة الوسطى، يشمل المتقاعدين، الذين تؤيد منظماتهم الاحتجاج في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا، مثلت تداعيات الحرب على إيران فصله الأخير، ولعله الأخطر مع وصول سعر النفط إلى 113 دولار للبرميل، واقتراب فصل الشتاء.

ومن ثم مزاج سياسي ساخط تشكّل تدريجياً في أوروبا، يتقاطع وتقديم اليمين نفسه بديلاً، ويفيد منه اليمين انتخابياً، لكنه يتقاطع كذلك مع مطالب جيل شاب بتكافؤ الفرص وتجنب البطالة، ومطالب اجتماعية واسعة تنتقد الهيكل الضريبي الأوروبي، وقصور الإنفاق العام، وحتى كلفة دعم أوكرانيا. 

وفي الخلفية صعود اليمين المتطرف، وانتصاراته الانتخابية في غياب إجابات واضحة لسؤال الأزمة الاقتصادية، وما خلفه من أسئلة بشأن الاعتمادية في مجال الطاقة والأمن الاستراتيجي، وقدرة دول أوروبا، بالنموذج الاقتصادي الحالي، على الوفاء بالتزاماتها تجاه النظام الاجتماعي الذي تديره، وتحديداً الحقوق الأساسية والدعم الاجتماعي.

ويبدو أن مناخاً شعبياً تشكّل، يكثّف آثار الصراع وغياب الاستقرار في شرق أوروبا، وكلفته التي تحمّلها المواطنون والمقيمون، وتشمل زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، في وقت مطالبة الكثيرين بزيادة الإنفاق الاجتماعي.

ويمكن اعتبار تصريح رئيس الوزراء البلجيكي مؤخراً رداً على هذه المطالبات، والغضب من تواضع الأجور وتدهور مستوى المعيشة والخدمات، حين قال إن بلاده "لا تملك الأموال لتمويل الطموحات الجديدة، والأولويات الجديدة مع القديمة"، في إشارة إلى مشكلة الإنفاق العام، مستشهداً بعجز ألمانيا المشابه.

رغم اختلاف الدول في الموقف الاقتصادي والأوضاع السياسية، بين أزمات الدين الحكومي الضخمة في فرنسا وإيطاليا والوضع الأكثر استقراراً في أسبانيا والبرتغال مثلاً، تطرح الاحتجاجات نفسها بصفتها صوتاً جديداً ضد الغلاء والتقشف وسياسات ضبط الإنفاق، بأفق أوسع من التي انطلقت في فرنسا العام الماضي.

وتنظمها أُطر شعبية قائمة ــ ذات مصالح اجتماعية متضررة منذ جائحة كورونا، تعلن الآن رفضها تحمل تداعيات الأزمات الاقتصادية المتوالية والتضخم، في مقابل زيادة أرباح مصالح أخرى أضيق، بشكل لا يغيره تغير الحكومات، مع تشابه سياساتها، ويتجاوز الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار والجدل المألوف عن المهاجرين.

اخترنا لك