احتجاجات الهند: تعديل القوائم الانتخابية يجدد حركة المعارضة
الشرطة الهندية تلقي القبض على كبار قادة حركة الشباب "كوكروتش جانتا" (الصراصير)، التي تقود الاحتجاجات مؤخراً، أثناء تظاهرات انضم إليها الآلاف، تطالب بإقالة رئيس لجنة المفوضين الانتخابيين، وترفض تعديل قوائم الناخبين،
-
تظاهرة للمعارضة الهندية في نيودلهي احتجاجاً على مراجعة قوائم الناخبين، 11 آب/أغسطس 2025 (أرشيف "رويترز")
ألقت الشرطة الهندية القبض على كبار قادة حركة الشباب "كوكروتش جانتا" (الصراصير)، التي تقود الاحتجاجات مؤخراً، أثناء تظاهرات انضم إليها الآلاف، تطالب بإقالة رئيس لجنة المفوضين الانتخابيين، وترفض تعديل قوائم الناخبين، الذي جاء في صالح حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، بقيادة ناريندرا مودي رئيس الحكومة، بعد أن أُحبطت تحضيرات الحركة لتنظيم تظاهرات مطلع الأسبوع. وأعلنت شرطة نيودلهي، الاثنين الماضي، أن مرصد جانتار مانتار في الحي التجاري المركزي بالعاصمة لم يعد موقعاً رسمياً للاحتجاج، وحددت ثلاثة مواقع جديدة.
بعد أن بلغ عدد المظاهرات نحو 650، منذ منتصف العام الحالي، وفقاً لمشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED).
وكانت لجنة الانتخابات الهندية أطلقت عام 2025 مبادرة للتحقق من بيانات الناخبين، عُرفت باسم "المراجعة المكثفة الخاصة" (SIR)، اعتبرها الحزب الحاكم إجراء فنياً لتنقية سجلات الناخبين من المقيدين بالخطأ أو بالتكرار، لكنها جلبت انخفاضاً غير مسبوق في حجم كتلة الناخبين على المستوى الوطني، وغضباً عبّرت عنه أطياف المعارضة، التي رفضت قيادة الحزب اتهاماتها للحكومة بالتلاعب بقوائم الناخبين، واتهمتها باستغلال الطلاب لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية، وتعويض هزائمها الانتخابية.
وفي الخلفية، قبلت المحكمة العليا النظر في الشكاوى المقدمة من تطبيق المراجعة، ما يشير إلى أفق لحل قانوني قد يتعارض ورغبة الحكومة، التي تواجه اتهامات بتطبيق حرمان جماعي من التصويت، تصاحبها أزمات اجتماعية أخرى، تعكسها كثافة التظاهرات مؤخراً والمشاركة اللافتة للجيل الأصغر.
وحذفت لجنة الانتخابات أكثر من 130 مليون اسم من قوائم الناخبين، وأظهرت الأرقام الرسمية الصادرة عن اللجنة أن 28 مليون منهم متوفون، و63 غيروا محل الإقامة، و30 "تعذّر العثور عليهم". لكن كشفت تحقيقات صحفية وقادة للمعارضة أن ملايين المواطنين الأحياء، الذين لم يغيروا محل الإقامة، حُذفت أسماؤهم، وبالتالي جُردوا من حقهم في التصويت. ما انعكس، من منظور المعارضة، في فوز الحزب الحاكم في ولاية بيهار، حيث حُذف 6 ملايين اسم، وفي البنغال الغربية، التي حُذف من قوائمها 2.7 مليون ناخب فحقق الحزب فوزاً تاريخياً فيها، مع حملة اشتباه أطلقتها إدارة الولاية، التابعة للحزب الحاكم، استهدفت من اعتبرتهم "مهاجرين غير شرعيين"، ومواقع احتجاز مستحدثة للغرض نفسه.
وأشار حقوقيون إلى أن الحذف استهدف "بشكل غير متناسب المسلمين والمواطنين من الطبقات الاجتماعية الأفقر"، أي الفئات التي لا تصوّت تقليدياً للحزب الحاكم. ووثّقت مصادر محلية حالة سيدة حُذف اسمها من قوائم الناخبين، واحتُجزت أثناء نظر الطعن الإداري الذي قدمته، ثم دُفعت قسراً إلى الحدود البنغلاديشية باعتبارها "مهاجرة بنغلاديشية غير شرعية"، رغم تأكيد حرس الحدود البنغلاديشي صحة وثائقها الهندية.
ومن جهة أخرى، يدفع في اتجاه المطالبة بإقالة رئيس لجنة المفوضين، المؤلفة من أعضاء ثلاثة، غيانيش كومار، ما كشفته صحيفة "ذا إنديان إكسبريس"، أنه انفرد بقرار اللجنة وتجاهل 14 اعتراضاً رسمياً قدمها العضوان الآخران، بشأن تنفيذ المراجعة المكثفة الخاصة، وبالتحديد أساسها القانوني وإجراءات حذف وتسجيل الناخبين، وانفرد بإقرار تعديلات إجرائية، فارضاً توجيهاته من دون التوصل إلى توافق آراء.
تنطلق تسمية حركة الشباب "كوكروتش جانتا" من محاكاة ساخرة لاسم الحزب الحاكم، ولتصريح أدلى به رئيس المحكمة العليا، شبّه فيه الشباب العاطلين عن العمل والمنخرطين في النشاط الاحتجاجي بـ"الصراصير والطفيليات"، وأسسها أبهيجيت ديبكي، الذي ينتمي إلى فئة "داليت" المهمّشة في النظام التقليدي الهندوسي، والمرتبطة بالمهن الدنيا.
وترفع الحركة شعاراً توصيفياً لنفسها يعكس طموحاً إلى تمثيل سياسي واسع: "حزب سياسي للمنسيين في حسابات النظام"، ويبدو أنها نجحت بالفعل في اجتذاب شرائح اجتماعية مستضعفة، إذ تحولت من ممارسة للسخرية على الإنترنت إلى حركة سياسية على الأرض، معنية بالحقوق المدنية في مواجهة صعود اليمين، وتعكس مطالب شعبية ذات صلة بأزمات تضغط الشباب، على رأسها البطالة، وأبرزها مؤخراً في مجال التعليم.
في الصيف الماضي، اضطرت السلطات إلى إلغاء نتائج الاختبار الوطني للأهلية والقبول (NEET)، امتحان القبول الوطني لكليات الطب في الهند، الذي تقدم له 2.25 مليون طالب، للمنافسة على حوالي 130 ألف مقعد في كليات الطب، بعد تسريبات واسعة لأسئلة الامتحان، يتردد ارتباطها بفساد شرائح متنفذة. وتلا ذلك 20 حالة انتحار على الأقل، وحالة غضب من إعادة الاختبار، وأزمات مالية لآلاف الأسر، التي استدانت لتغطية تكاليف الدروس في مراكز خاصة. وأثر الأزمة، اضطر وزير التعليم الاتحادي إلى الاستقالة في تموز - يوليو 2026، مع اتساع الجدل عن البطالة وتأثير سياسات الحكومة على تكافؤ الفرص في التعليم.
سياق أعطى كوكروتش جانتا فرصة الدعوة إلى مظاهرات حاشدة في حزيران - يونيو وتموز - يوليو هذا العام، في نيودلهي، ولاحقاً، انتقلت الحركة إلى الحشد للاحتجاج على تعديل قوائم الناخبين، والمطالبة بإقالة رئيس لجنة المفوضين الانتخابيين، وحشدت أعداداً كبيرة في الشهر الحالي في المراكز الحضرية الكبرى، مثل دلهي ومومباي وباتنا وجامو وكشمير. ولحق بها، على المستوى الشعبي، تحالف المعارضة الهندية الرسمي المعروف باسم "كتلة الهند"، واتخذ خطوات في الاتجاه نفسه على المستوى القانوني والبرلماني. وبدأ نواب صفّ المعارضة في البرلمان إجراءات تقديم مذكرة لعزل رئيس المفوضين الانتخابيين.
وفي مطلع الشهر الحالي، قاد زعيم المعارضة راهول غاندي، بمشاركة النائبة عن حزب المؤتمر بريانكا غاندي، مسيرة احتجاجية في وسط مدينة دلهي، منعتها الشرطة من الوصول إلى مقر لجنة الانتخابات.
وقدّم الأول عريضة إلى المحكمة العليا، عنوانها "راهول غاندي وآخرون ضد لجنة الانتخابات"، وتنظرها هيئة قضائية برئاسة رئيس المحكمة، طالبَت بوقف فوري للمراجعة المكثفة الخاصة لقوائم الناخبين، وبضمانات ملزمة تمنع حذف أي اسم قبل توجيه إخطار كتابي مسبق إلى صاحبه، وإجراء تدقيق قضائي مستقل لحالات حذف الناخبين.
ومن جهة المعارضة التقليدية، تظل قيادة حزب المؤتمر الهندي متحفظة على الحركة الشبابية، واتهمت شخصيات بارزة في الحزب الحركة أنها "جزء من مؤامرة بين منظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ (RSS) وحزب آم آدمي (AAP)"، لتقويض نفوذ الحزب في معسكر المعارضة. ويبدو اليسار أكثر انفتاحاً على الحركة، مع نقطة تماس هامة هي المجال الطلابي، إذ حشدت الاتحادات الطلابية اليسارية عدداً كبيراً من المتظاهرين، وعلى رأسها "رابطة طلاب عموم الهند" التي تنسق مع الحركة وحزب المؤتمر كليهما، و"اتحاد طلاب الهند" و"اتحاد طلاب عموم الهند"، الأقرب للحركة دون الحزب.
واحتجزت الشرطة أبهيجيت ديبكي في اليوم الأول من الشهر الحالي، في مومباي، وأُفرج عنه، ثم احتُجز للمرة الثانية في العاشر منه على متن طائرة فور وصولها إلى نيودلهي، قادمةً من مومباي، وأُفرج عنه بعد 24 ساعة، بكفالة قدرها 50000 روبية لضمان حسن السلوك وعدم الإخلال بالأمن لمدة عام. وسرعان ما أوقف مجدداً يوم 16 تشرين الأول - أكتوبر أثناء توجهه إلى مسيرة احتجاجية، للمطالبة بالإفراج عن سجناء الحركة وإقالة رئيس المفوضين. وسط تقارير عن نية جمهور الحركة مواصلة التظاهر، ومشاهدات عن تراجع زخم التظاهرات، شبه اليومية، في ظل غياب القيادات عنها، بعد حملة أمنية واسعة في العاصمة نيودلهي أسفرت عن احتجاز الآلاف.