أسرى السابع من أكتوبر في مواجهة "تشريع الموت الإسرائيلي"
في ظل غياب المساءلة الدولية الفاعلة، تبقى معاناة الأسرى مستمرة دون أفق واضح للتوقف، ما يجعل الحاجة ملحة إلى موقف جاد يضع حداً لهذا الواقع ويعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني قبل أي اعتبارات أخرى.
-
أسرى السابع من أكتوبر في مواجهة "تشريع الموت الإسرائيلي"
في تصعيد جديد يعكس التحولات المتسارعة داخل المنظومة السياسية والتشريعية للاحتلال الإسرائيلي، صادق بالأغلبية على مشروع قانون يتيح إصدار أحكام بالإعدام بحق أسرى السابع من أكتوبر، إلى جانب منع الإفراج عنهم ضمن أي صفقات تبادل مستقبلية، في خطوة تُعد من أكثر الإجراءات تشدداً في التعامل مع ملف الأسرى الفلسطينيين منذ بدء الحرب على قطاع غزة. ويأتي هذا التوجه بالتوازي مع إقرار الكنيست، مساء الاثنين، قانوناً يقضي بإنشاء محكمة عسكرية خاصة لمحاكمة من تصفهم "تل أبيب" بـ "عناصر النخبة"، بعد المصادقة عليه بالقراءتين الثانية والثالثة، في خطوة تعكس توجّهاً نحو بناء مسار قضائي استثنائي للتعامل مع معتقلي السابع من أكتوبر. ووفق صحيفة "يديعوت أحرنوت" فإن القانون الجديد سيشكل "الأساس القانوني لمحاكمات غير مسبوقة" وُصفت بأنها الأكبر والأهم داخل "إسرائيل" منذ محاكمة الضابط النازي، الذي اختطفته "إسرائيل" من الأرجنتين عام 1961 قبل أن تُعدمه لاحقاً عام 1962، في مقارنة أثارت انتقادات واسعة بسبب ما تحمله من أبعاد تحريضية وسياسية تجاه الأسرى الفلسطينيين.
ويدعي الاحتلال الإسرائيلي أن الفلسطينيين الذين اعتقلتهم خلال أحداث السابع من أكتوبر ينتمون إلى وحدات خاصة تابعة لحركة "حماس"، في حين ما يزال عدد كبير منهم محتجزاً دون محاكمات حتى اليوم، وسط غياب معلومات واضحة حول أوضاعهم القانونية وظروف احتجازهم.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد الخطاب السياسي والأمني داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي الداعي إلى توسيع أدوات العقاب الجماعي وتحويلها إلى قوانين ثابتة، بما يمنح "المؤسسات الإسرائيلية" غطاءً قانونيًا لتشديد الإجراءات بحق الأسرى، ويغلق عمليًا أي مسارات مستقبلية للإفراج أو التبادل.
ويتزامن ذلك مع استمرار التقارير الحقوقية التي توثق تصاعد الانتهاكات داخل السجون "الإسرائيلية"، من التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي والتجويع إلى العزل والإخفاء القسري، خاصة بحق معتقلي قطاع غزة، الذين ما يزال مصير أعداد كبيرة منهم غير معروف في ظل القيود المفروضة على الزيارات والمتابعة القانونية والوصول الحقوقي. وفي ظل غياب أي رقابة دولية فاعلة أو إجراءات رادعة، يدخل ملف الأسرى الفلسطينيين مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها التشريعات مع الممارسات الميدانية داخل السجون، في مشهد يفاقم من المعاناة الإنسانية للمعتقلين وعائلاتهم، ويعكس اتساع السياسات العقابية التي تطال الفلسطينيين تحت غطاء الحرب المستمرة على قطاع غزة.
قانون إعدام الأسرى تشريع يكرس مرحلة جديدة من القمع داخل السجون
وفي هذا السياق قال رئيس نادي الأسير الفلسطيني في مقابلة مع الميادين نت إن إعادة طرح قانون إعدام الأسرى من قبل الاحتلال الإسرائيلي يأتي ضمن سياق أوسع من السياسات المتصاعدة بحق الأسرى الفلسطينيين داخل السجون، حيث يرتبط هذا التوجه بمحاولة تثبيت واقع أكثر قسوة يعتمد على توسيع أدوات القتل والعقاب وتحويلها إلى إجراءات رسمية. ويرى أن تقديم القانون باعتباره تطورًا جديدًا يتجاهل ما يجري فعليًا داخل السجون منذ سنوات، إذ يعيش الأسرى ظروفاً شديدة الصعوبة تقوم على التعذيب والإهمال الطبي والتجويع، ما أدى إلى تدهور مستمر في أوضاعهم الصحية والنفسية ووصول العديد منهم إلى حالات خطيرة.
ويستمر الحديث حول أن ما يتعرض له الأسرى لا يقتصر على شكل واحد من الانتهاكات، بل يتضمن سلسلة طويلة من الإجراءات اليومية التي تشمل العزل لفترات ممتدة، ومنع العلاج، وسوء التغذية، والاعتداءات المتكررة، إلى جانب تشديد واسع في ظروف الاحتجاز بعد السابع من أكتوبر 2023، حيث أصبحت أماكن الاعتقال بيئات مغلقة تخضع لسيطرة مشددة تُمارس فيها الانتهاكات بشكل متواصل ودون أي قيود حقيقية. وفي سياق متصل، يأتي قانون الإعدام ليضيف بعدًا آخر لهذه المنظومة، إذ يجري العمل على تحويل الممارسات القائمة داخل السجون إلى إجراءات قانونية عبر المحاكم العسكرية، بما يمنحها طابعًا رسميًا ويكرس سياسة العقاب الجماعي، مع ما يرافق ذلك من إغلاق كامل لأي احتمالات للإفراج عن الأسرى في المستقبل سواء عبر صفقات تبادل أو تسويات سياسية، ما يعني تثبيت حالة احتجاز مفتوحة لا تخضع لأي سقف زمني.
ويترافق ذلك مع تصعيد في التعامل مع معتقلي قطاع غزة الذين يخضع مئات منهم لظروف احتجاز شديدة القسوة، في ظل غياب معلومات دقيقة عن مصير أعداد كبيرة منهم نتيجة استمرار سياسة الإخفاء القسري، الأمر الذي يخلق حالة من القلق على حياتهم داخل أماكن احتجاز غير معلنة أو غير خاضعة لأي رقابة. كما تستند الصورة العامة للأوضاع داخل السجون إلى شهادات الأسرى الذين أُفرج عنهم، والتي تعكس مستوى شديدًا من القسوة في المعاملة، حيث تتحدث عن فترات طويلة من التعذيب والحرمان من الطعام والنوم والعلاج، إلى جانب ظروف احتجاز لا تراعي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية، وهو ما يفسر التدهور المستمر في أوضاع المعتقلين.
وتتداخل هذه التطورات مع غياب أي مساءلة دولية فاعلة، ما سمح باستمرار هذه السياسات وتوسعها دون قيود، سواء على مستوى الممارسات اليومية داخل السجون أو عبر التشريعات التي تُستخدم لتثبيت هذه الإجراءات ومنحها غطاءً قانونياً.
وفي ضوء ذلك، تبدو المرحلة الحالية الأكثر خطورة في ملف الأسرى الفلسطينيين، مع استمرار تحويل السجون إلى منظومة قمع ممتدة تتوسع فيها الانتهاكات بشكل متصاعد، وسط حاجة ملحة لتحرك جدي يوقف هذا المسار ويضع حدًا لما يتعرض له المعتقلون من ظروف تهدد حياتهم بشكل مباشر.
المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: صمت العالم يفاقم جرائم الاحتلال بحق الأسرى
ورأى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن المصادقة على قانون إعدام أسرى غزة ومنع الإفراج عنهم ضمن أي صفقات تبادل مستقبلية، تعكس تصاعدًا غير مسبوق في العقلية الانتقامية والفاشية داخل مؤسسات الاحتلال، وتكشف عن انتقال السياسات الإسرائيلية تجاه الأسرى الفلسطينيين إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على تشريع القتل وإضفاء غطاء قانوني على ممارسات العقاب الجماعي. وبحسب المركز، فإن القانون الجديد لا يمكن فصله عن المناخ السياسي والإعلامي الإسرائيلي الذي تصاعد منذ السابع من أكتوبر، والقائم على التحريض المستمر ضد الأسرى الفلسطينيين، خاصة معتقلي قطاع غزة، وتحويل ملفهم إلى أداة للانتقام والتشفي السياسي، عبر الدفع نحو تشريعات تمنع الإفراج عنهم وتفتح المجال أمام إصدار أحكام بالإعدام بحقهم. وأشار المركز إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه القوانين إلى تكريس واقع جديد داخل السجون، يقوم على استخدام المنظومة التشريعية والعسكرية كوسيلة لتوسيع القمع بحق المعتقلين الفلسطينيين، ومنع أي أفق مستقبلي لصفقات التبادل أو الإفراجات السياسية، بما يجعل الأسرى عرضة لعقوبات مفتوحة وغير مسبوقة. وفي موازاة ذلك، ما يزال مصير مئات المعتقلين والمفقودين من أبناء قطاع غزة مجهولاً داخل السجون والمعسكرات ومراكز الاحتجاز السرية التي يديرها الاحتلال منذ بدء الحرب، في ظل استمرار سياسة الإخفاء القسري ورفض الكشف عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية والقانونية.
ورغم اعتراف سلطات الاحتلال بوجود نحو 1200 معتقل من غزة، تتزايد المخاوف بشأن مصير أعداد كبيرة من المفقودين الذين انقطعت أخبارهم منذ الأشهر الأولى للحرب، وسط غياب أي رقابة حقوقية أو قانونية حقيقية على ظروف احتجازهم، ومنع المؤسسات الدولية من الوصول إليهم أو توثيق الانتهاكات المرتكبة بحقهم. كما يتعرض أسرى غزة، وفق المركز، لانتهاكات واسعة تشمل التعذيب الجسدي والنفسي، وسياسات التجويع والإهمال الطبي والعزل والتنكيل، إلى جانب الحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، في وقت تفرض فيه سلطات الاحتلال تعتيمًا كاملًا على أوضاع المعتقلين داخل السجون والمعسكرات. وحذر المركز من أن استمرار الصمت الدولي تجاه مشاريع قوانين الإعدام وحملات التحريض المتصاعدة ضد الأسرى الفلسطينيين يمنح الاحتلال غطاءً سياسيًا وقانونيًا لمواصلة انتهاكاته، ويدفع نحو المزيد من التشريعات التي تستهدف شرعنة القتل والتنكيل داخل السجون، في ظل غياب أي مساءلة دولية فعلية.
مأساة إنسانية مفتوحة في ظل تصعيد مستمر
في ظل هذا التصعيد المتواصل، يبقى ملف الأسرى الفلسطينيين واحدًا من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا ووجعًا، حيث تتراكم المعاناة داخل السجون يومًا بعد يوم، بعيداً عن أي حماية فعلية أو رقابة قادرة على وقف ما يجري. يعيش آلاف المعتقلين ظروفًا قاسية تتداخل فيها الانتهاكات الجسدية والنفسية مع الإهمال الطبي وسوء الظروف المعيشية، ما يجعل حياتهم داخل الزنازين معركة يومية للبقاء في مواجهة واقع يزداد قسوة. ومع استمرار التشريعات التي تستهدف الأسرى وتضيق على فرص الإفراج أو التبادل، تتسع دائرة الألم لتشمل العائلات التي تعيش حالة انتظار قاسية ومفتوحة على المجهول، في ظل انقطاع الأخبار عن أبنائها وغياب أي ضمانات حول مصيرهم. هذا المشهد يعكس أزمة قانونية أو سياسية، ويعبر عن مأساة إنسانية فلسطينية ممتدة يتحول فيها الزمن داخل السجون إلى عبء ثقيل على أجساد الأسرى وذاكرة عائلاتهم. وفي ظل غياب المساءلة الدولية الفاعلة تبقى هذه المعاناة مستمرة دون أفق واضح للتوقف، ما يجعل الحاجة ملحة إلى موقف جاد يضع حدًا لهذا الواقع ويعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني قبل أي اعتبارات أخرى، بما يضمن الحد الأدنى من الكرامة والحق في الحياة داخل السجون وخارجها.