أزمة صحية ومساعدات مشروطة: واشنطن تعيد هندسة المجتمع الكوبي من خارجه
ماذا لو لم يكن الحصار الأميركي على كوبا مجرد خنقٍ للاقتصاد، بل محاولة لإعادة تشكيل المجتمع من الداخل، عبر التحكم في الغذاء والدواء والوقود وقنوات المساعدات، وفرض شروط سياسية على فرص التعافي؟
-
أزمة صحية ومساعدات مشروطة: واشنطن تعيد هندسة المجتمع الكوبي من خارجه
لا يقتصر الحصار الأميركي على كوبا على تقييد التجارة وحرمان الجزيرة من الوقود والدواء، بل يمتدّ إلى محاولة التحكم في قنوات المساعدات والتعاون الطبي والتحويلات المالية، بما يضع المجتمع الكوبي أمام أزمات معيشية متفاقمة، ويضغط على الحكومة من خارج مؤسسات الدولة. وبين مساعدات مشروطة تمرّ عبر قنوات تختارها واشنطن، وإجراءات تطال المصارف والقطاع الخاص والبعثات الطبية، تتكشف ملامح سياسة تتجاوز الضغط الاقتصادي نحو إعادة تشكيل علاقة الكوبيين بدولتهم، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية الأميركية مع المواجهة الدبلوماسية في الأمم المتحدة ومستقبل الجزيرة السياسي.
الحصار الأميركي على كوبا.. المساعدات عبر قنوات بديلة والوقود والدواء رهينة القيود
في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وصلت إلى مطار فاراديرو في ولاية ماتانساس بكوبا شحنة من المساعدات الأميركية تتولّى منظمة "كاريتاس" الكاثوليكية توزيعها على 700 أسرة في مرحلة أولى من أصل 2100 اختارتها الكنيسة، على أن يتّسع التوزيع لاحقاً ليشمل 18200 أسرة. وتتألّف الحصة الواحدة من صندوق للمواد الغذائية الأساسية وآخر لمواد النظافة الشخصية. وتندرج الشحنة ضمن عرض بقيمة مئة مليون دولار أعلنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أيار/مايو الماضي، واشترط فيه أن تتولّى الكنيسة ومنظمات إنسانية التوزيع بمعزل عن مؤسسات الدولة، وذهب منه ستون مليوناً إلى منظمة "خدمات الإغاثة الكاثوليكية" الأميركية. وكانت وزارة التجارة الخارجية الكوبية قد أكدت أن هافانا لا تعترض على أي مساعدة تصل إلى الناس ما دامت لا تُوظَّف سياسياً.
وقبل وصول الشحنة بأسبوع، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأميركية مصادرة تسعين شحنة من الديزل الحيوي في ميناءين أميركيين، يبلغ حجمها نحو 2.2 مليون لتر وقيمتها 2.8 مليون دولار، بذريعة أنها موجّهة إلى شركة "إينيتيك" التابعة للحكومة الكوبية، بعد اعتراض خفر السواحل سفينة وقود بين كوبا والمكسيك. وردّ نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس فرنانديز دي كوسيو بأن استيراد الوقود حق قانوني للجهات الحكومية والخاصة، وبأن اعتراض السفن في المياه الدولية قرصنة ونهب، فيما أكد وزير الطاقة والمناجم فيسنتي دي لا أو ليفي أن الشركات الحكومية لم تتمكن من إبرام أي عقد للوقود. وتوقّع "الاتحاد الكهربائي" الثلاثاء الماضي قدرة متاحة في الذروة لا تتجاوز 1180 ميغاواط مقابل طلب يبلغ 2950، فيما تتأثر خدمة المياه لدى نحو 2.7 مليون شخص.
ويُلقي نقص الوقود والعملة الصعبة بظلاله على القطاع الصحي، فقد أوضح الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل في برنامجه الإذاعي، في السابع من الشهر الجاري، أن القائمة الأساسية للأدوية تضم 651 صنفاً، يُستورد منها 250 ويُنتَج محلياً 401، وأن الحصار حال دون شراء 70% من الأدوية اللازمة، وندّد بالمضاربة في بيعها، مؤكداً أن الصناعة الدوائية الوطنية تستطيع تغطية معظم الحاجة إذا توفّر لها النقد الأجنبي لشراء المواد الخام. ويقدّر تقرير كوبي أخير خسائر القطاع الصحي خلال عام بنحو 121.7 مليون دولار، بعدما رفضت مصارف أجنبية تمرير مدفوعات مجموعة "بيوكوبافارما" الحكومية لاستيراد تلك المواد. وحذّرت الأمم المتحدة في منتصف أيلول/سبتمبر الماضي من تعطّل الحاضنات وأجهزة التنفس الاصطناعي بفعل الانقطاعات، ومن أن اضطراب سلسلة التبريد يهدّد التطعيم الروتيني لنحو 70 ألف طفل.
وتمتدّ العرقلة إلى المساعدات، فقد وصلت إلى ميناء مارييل الكوبي في حزيران/يونيو الماضي حاوية مساعدات من إيرلندا الشمالية، تحمل عُدَد إنعاش وأكياساً طبية لمرضى جراحات الأمعاء بقيمة تتجاوز نصف مليون دولار، فامتنعت شركة "هاباغ لويد" عن تفريغها وأعادتها إلى بنما. وكانت وكالات الأمم المتحدة تنتظر ثلاثين حاوية من أدوات معالجة المياه والمضادات الحيوية، فيما لم تصل آلاف العبوات من دواء "دوكسوروبيسين" لعلاج السرطان بعد توقّف رحلات شركات طيران. وأعلنت حكومة جزر الكناري، في السابع من الشهر الجاري، عجزها عن إرسال حاوية واحدة من الغذاء أو الدواء بعد امتناع مصرفها عن متابعة التحويلات. وفي الثاني من الشهر ذاته، أدرجت الأمم المتحدة كوبا بين أشد اثنتي عشرة أزمة إنسانية نقصاً في التمويل، إلى جانب الأراضي الفلسطينية المحتلة واليمن والسودان.
وفي الثامن من الشهر الجاري، أبقت وزارة الخارجية الأميركية كوبا في الفئة الأدنى من تقريرها عن الاتجار بالبشر، ووصفت البعثات الطبية الكوبية بالعمل القسري، وقدّرت عدد العاملين فيها بنحو 18 ألفاً في 52 دولة مقابل 26 ألفاً قبل عام واحد، ونسبت هذا التراجع إلى ضغوطها الدبلوماسية وقيود التأشيرات، ودعت الدول المضيفة إلى التعاقد مع الأطباء مباشرة بدلاً من الدفع لهافانا. وقبل ذلك بيوم استعادت جامايكا 157 مهنياً كوبياً بعقود مباشرة بعدما أنهت الاتفاق الحكومي في آذار/مارس الماضي. وقررت الأوروغواي في الأسبوع ذاته دفع رواتب أطباء العيون الكوبيين مباشرة بعد أسابيع من إنذار أميركي لوّح بحرمانها من المساعدات. ورأى وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز في الإقرار العلني بالضغط والابتزاز الممارسَين على الحكومات وقاحةً تتجاهل مصير الشعوب المستفيدة من الكوادر الطبية الكوبية.
وفي الاقتصاد، تُظهر البيانات التجارية الأميركية أن صادرات الولايات المتحدة إلى كوبا بلغت 876.5 مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري، متجاوزة مجمل صادرات العام الماضي، بينها 231.7 مليون دولار من الوقود المُباع لشركات خاصة، وسجّل شهر آب/أغسطس وحده 202.5 مليون دولار، وهو أعلى رقم شهري منذ عام 1992. وفي المقابل، دخلت حيّز التنفيذ في الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي إجراءات جديدة ألزمت المصارف الأميركية بتجميد حسابات رواد الأعمال الكوبيين، وحظرت التحويلات المالية العابرة لها بين أطراف أجنبية، وألغت تراخيص رحلات التبادل الشعبي والمؤتمرات المهنية. ويأتي ذلك في وقت توقّعت فيه "اللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية والكاريبي" انكماش الاقتصاد الكوبي 10.3% هذا العام و5.1% العام المقبل، وقد ارتفعت أسعار الغذاء 36% خلال عام حتى آب/أغسطس الماضي.
تكشف هذه الوقائع أن واشنطن تعيد ترتيب الحصار، فتُغلق القنوات التي تمرّ عبر الدولة وتفتح قنوات بديلة تمرّ عبر وسطاء تقبلهم وتبقى رهن إذنها. فالغذاء يوزَّع عبر الأبرشيات، والطبيب يتقاضى أجره بعيداً عن المؤسسة التي أعدّته، والمستورد الخاص يشتري من الموانئ الأميركية في حين تُجمَّد حسابات أمثاله في المصارف. وتُظهر الأرقام حجم "المساعدة"، إذ باعت الشركات الأميركية للسوق الكوبية في ثمانية أشهر نحو تسعة أضعاف المئة مليون الموعودة، التي قال رودريغيز إنها لا تكاد تعادل وقود التوليد المحدود لأسبوعين فقط لا غير، في حين بلغت خسائر الجزيرة من الحصار 8.08 مليارات دولار خلال عام واحد فقط. ويعني تجميد حسابات القطاع الخاص، وقد ربطه رودريغيز بعرقلة التحوّلات الاقتصادية الجارية داخلياً، أن المطلوب منع أي تعافٍ في ظل السلطة القائمة، أياً كان من يقوده.
ويتضرّر القطاع الصحي من جهتين، إذ تُقتطَع عائدات التعاون الطبي التي بلغت 4.8 مليارات دولار في عام 2024 وأسهمت في تمويل مجانية العلاج داخل الجزيرة، بينما تُحرَم المستشفيات من المواد الخام والكهرباء. وقدّر "مركز أبحاث الاقتصاد والسياسات" في واشنطن أن نحو 1800 رضيع كانوا سينجون لو بقي معدل وفيات الرضّع عند مستواه في عام 2018، قبل أن يرتفع إلى نحو 10 وفيات لكل ألف مولود. وتذهب المئة مليون الأميركية إلى قناة كنسية تختارها واشنطن، في حين لم تتلقَّ خطة الطوارئ الأممية سوى 42 مليوناً من أصل 94 مليون دولار. وفي مواجهة ذلك تحمي هافانا أولوياتها، فقد زوّدت 99% من العيادات الشاملة ودور الأمومة و47% من المستشفيات بمصادر طاقة متجددة، وتدير 1445 مطعماً اجتماعياً تخدم أكثر من 76 ألف مستفيد.
يرتبط توقيت هذه الخطوات بموعدين، أولهما التصويت على قرار رفع الحصار في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، بعدما أيّدته العام الماضي 165 دولة مقابل سبع تتقدّمها الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وقد اتّهم رودريغيز روبيو بالضغط على قادة دول وابتزازهم لتغيير أصواتهم، فيما تدرس الخارجية الأميركية تقييد حركة الوفد الكوبي القادم إلى نيويورك. وثانيهما الانتخابات النصفية الأميركية بعده بأيام. وقد قدّم ترامب روبيو في احتفال بشهر التراث اللاتيني بعبارة "راقبوا ما سيفعله بكوبا"، بعدما تحدّث عن "صفقة" تفتح الجزيرة أمام "شعبنا". وفي ميامي، اجتمعت عائلات كوبية أميركية ثرية لبحث مستقبل الجزيرة، وقال رئيس "الغرفة الوطنية الكوبية الأميركية للتجارة" خوان عمر سيكستو إن الهدف "أن نكون في كوبا حين يسقط النظام".
يتّضح بذلك معنى إعادة هندسة المجتمع الكوبي من خارجه، إذ يُراد أن يحصل الكوبيون على غذائهم ودخلهم من جهات تختارها واشنطن، فيما تُحرَم دولتهم من الدواء والوقود والعملة الصعبة اللازمة لعلاجهم. وقد لاحظ الاقتصادي الكوبي ريكاردو توريس أن الإجراءات الأميركية تخلق "تبعيات جديدة"، وأن ذلك يجري الآن "بشكل مباشر جداً وعن قصد تام". وتُظهر "الصفقة" التي تحدّث عنها ترامب، وخطط عائلات ميامي الثرية، الغاية من هذه التبعية، وهي جزيرة مفتوحة أمام رأس المال الأميركي بعد إزاحة الحكومة التي بنت نظاماً صحياً أرسل أكثر من 600 ألف مهني إلى 165 دولة خلال ستة عقود، ويعجز اليوم بفعل الحصار عن تأمين الدواء لمرضاه في الداخل. وفي المقابل، أعلن رودريغيز أمام الأمم المتحدة الشهر الماضي استعداد بلاده للحوار على أساس المساواة في السيادة ودون شروط، لكن واشنطن تقرن وصول المساعدات وفتح التجارة بإقصاء الحكومة الكوبية عن المشهد برمّته.