أحمد نجيب الشابي السياسي المخضرم وراء القضبان: أي تأثير على المشهد التونسي؟
يعتبر أحمد نجيب الشابي من السياسيين المخضرمين في تونس، ويمثل اعتقاله "تجاوزاً لكل الخطوط الحمر" بحسب المعارضين للسلطة، فأي مستقبل ينتظر تونس بعد هذا الاعتقال؟
-
أحمد نجيب الشابي السياسي المخضرم وراء القضبان: أي تأثير على المشهد التونسي؟
عدد كبير من السياسيين التونسيين أدينوا في ما يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة، أغلبهم وزراء سابقون وقيادات حزبية من الصف الأول، لكن اعتقال أحمد نجيب الشابي في هذه القضية نفسها ليقضي حكماً باثني عشر عاماً في السجن، ورغم أنه كان منتظراً، تطبيقاً للحكم القضائي، لكنه أثار حالة من الصدمة والإحباط لدى فئة واسعة من الرأي العام التونسي خاصة الحقوقي والسياسي منه.
لا يتعلق الأمر هنا بالسجال حول فحوى التهم الموجهة للشابي ومدى تسييس هذه المحاكمات، بل بالمكانة الرمزية والاعتبارية لهذا الرجل في المشهد السياسي التونسي، وهو السياسي الثمانيني الذي كان فاعلاً طيلة الحقب السياسية التي عرفتها البلاد بعد الاستقلال.
فقد عارض الشابي الرئيسين الراحلين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، كما اصطف حزبه في المعارضة طيلة أغلب فترات ما بعد الثورة التونسية، قبل أن يؤسس "جبهة الخلاص" المعارضة للرئيس قيس سعيد مباشرة بعد إجراءات الخامس و العشرين من تموز/يوليو 2021.
ما يُحسب للشابي هو نجاحه في توحيد اليساريين والإسلاميين على قاعدة الدفاع عن الحقوق والحريات السياسية وذلك في مناسبتين: الأولى عندما أسهم في تكوين "حركة 18 أكتوبر" (2005) التي تضم أغلب ألوان الطيف السياسي المعارض لنظام بن علي، ومؤخراً تأسيس "جبهة الخلاص الوطني" التي اعتُبرت تكراراً لتجربة 18 أكتوبر.
قال الناشط السياسي والوزير السابق ناجي جلول تعليقاً على سجن الشابي:"كنت أتصور أنه سيجري تغليب صوت العقل وترك نجيب الشابي طليقاً. اعتقال هذا الهرم يدل أننا تجاوزنا كل الخطوط الحمر".
هذا التعليق على الاعتقال يمثل نظرة مشتركة من الطيف السياسي التونسي لرمزية الشابي في تاريخ تونس الحديث كسياسي مخضرم وحقوقي دافع عن الحريات العامة والخاصة لعقود طويلة.
اقرأ أيضاً: السلطات التونسية تعتقل المعارض أحمد الشابي بتهمة "التآمر"
الشابي دعا إلى الحوار... وسعيّد رفضه
لا تزال قضية "التآمر على أمن الدولة" التي حُوكم بسببها الشابي محل جدل قوي في المشهد السياسي التونسي. يكرر أنصار السلطة موقفهم الذي يتحدث عن استقلالية القضاء وأن المتهمين قد قاموا بالفعل بالتواصل فيما بينهم ومع الخارج وبالتخطيط لإسقاط الرئيس قيس سعيد.
لكن المعارضة تتحدث عن تهم ملفقة قامت أجهزة السلطة بحياكتها من أجل إطاحة كل المعارضين لمسار "الخامس والعشرين من جويلية". و بين هذين الموقفين المتباينين برز في الأشهر الأخيرة موقف ثالث يدعو إلى تجاوز أخطاء المعارضة وأخطاء مسار 25 جويلية والدعوة إلى حوار وطني يشمل الجميع.
وقد كان نجيب الشابي من بين الداعين إلى هذا الحوار ورد عليه الرئيس قيس سعيد بشكل غير مباشر، رافضاً الحوار ومعتبراً أن أي حوار لا يتم إلا تحت قبة البرلمان، في إشارة إلى رفضه أي لقاء مع معارضيه، معتبراً أنهم أجرموا خلال العشرية التي تصدروا خلالها المشهد إثر الثورة "عندما شرعوا للفساد السياسي والمالي"، بحسب الرئيس التونسي.
سجن الشابي.. "إنهاء قوس الانتقال الديمقراطي في تونس"
حوكم الشابي في بداية نشاطه السياسي، أواخر ستينيات القرن الماضي، مرتين بـأكثر من عشرين عاماً سجناً، قضى منها سنتين فقط، ولكنه لم يُسجن بعد ذلك رغم معارضته الشرسة، خاصة لنظام بن علي حيث ترشح الشابي مرتين للانتخابات الرئاسية وكان النظام في كل مرة يغير قوانين الترشح من أجل إقصائه.
وفُتح مقر حزبه "الحزب الديمقراطي التقدمي" أمام كل المعارضين من مختلف المشارب الفكرية، وكانت الجريدة الناطقة باسم الحزب ملاذاً لكل الآراء المعارضة لنظام بن علي في زمن كانت فيه الفضاءات التعددية شبه منعدمة.
لكل ذلك تداعت الأقلام والأصوات للتعبير عن صدمتها وحزنها لسجن أحمد نجيب الشابي باعتبار أنه يُعد رمزاً للعمل السياسي السلمي والعقلاني والهادئ، حتى أن البعض اعتبر أن تاريخ دخول الشابي السجن يُعتبر إنهاءً رمزياً للقوس الديمقراطي في تونس نظراً لما يمثله هذا الرجل من قيمة اعتبارية في تاريخ الحركة السياسية المدافعة عن الديمقراطية والعمل السلمي.
اقرأ أيضاً: اعتقال المعارض التونسي العياشي الهمامي لتنفيذ حكم بالسجن 5 سنوات بتهمة "التآمر"
كيف يبدو المشهد التونسي بعد سجن الشابي؟
الحديث عن رمزية سجن الشابي لا يحسم الجدل المحتدم والقائم في تونس حول تحميل المسؤوليات لسياسيي ما قبل الخامس والعشرين من تموز/يوليو 2021 الذين ما زال طيف كبير من التونسيين يحمّلونهم مسؤولية الفشل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهنا من المهم الإشارة إلى أن الشابي وحزبه لم يكونا من بين الفاعلين الرئيسيين في هذه الحقبة من تاريخ البلاد، حيث اقتصر الحكم وقتها على حزبي "النهضة" و"نداء تونس"، وبعض الأحزاب الصغيرة الأخرى، فيما كان الشابي معارضاً للتوجهات السياسية لتلك الفترة، وله تصريحات يشير فيها إلى أن البلاد لا تسير في طريق صحيح وهي التصريحات نفسها التي أعادها بعد "الخامس والعشرين من جويلية" ضد توجهات الرئيس سعيد. وهو موقف أقليةٍ خلال الفترة الأولى التي تلت هذا المسار، ولكنه تصاعد مؤخراً وأضحى طيفاً حقوقياً وسياسياً ونقابياً واسعاً يشترك مع الشابي في تقييمه للوضع العام في البلاد.
لذلك لاحظنا أنه ومنذ صدور الأحكام القضائية ضد المتهمين في "قضية التآمر" تنازل بعض الأحزاب المعارضة عن الخطوط الحمر التي سطّرها مسبقاً كالحزب "الدستوري الحر" الذي كان يرفض أي التقاء مع الإسلاميين، لكنه خرج معهم في التظاهرات التي شهدتها العاصمة مؤخراً في تطور بارز ولافت يطرأ على الطيف المعارض الذي ظل متشرذماً وتنخره الخلافات الأيديولوجية التي عمل الشابي على تبديدها وتجاوزها في كل العهود.
لذلك يرى البعض أن سجن أحمد نجيب الشابي برمزيته، قد يكون رجة نفسية ستدفع المعارضة بكل تنويعاتها إلى التقارب أكثر من أي وقت مضى.