"فايننشال تايمز": زيلينسكي وأوروبا ونهاية سياسة استمالة ترامب

تبدو هذه الأزمة الجديدة مختلفة، فيما يستعدّ قادة الاتحاد الأوروبي للتحدّث مباشرة إلى بوتين.

0:00
  • "فايننشال تايمز": زيلينسكي وأوروبا ونهاية سياسة استمالة ترامب

صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر مقالاً يتناول التحوّل في مواقف أوكرانيا والدول الأوروبية تجاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظلّ تصاعد الخلافات بين واشنطن وكييف بشأن الحرب مع روسيا، وتراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا.

ويسلّط المقال الضوء على تخلّي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تدريجياً عن سياسة مهادنة ترامب واسترضائه، وانتقاله إلى انتقاده علناً، على خلفية تقليص الدعم الأميركي، ولا سيّما خدمات الأقمار الاصطناعية التي تعتمد عليها أوكرانيا في عملياتها العسكرية.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

تحمل الأزمة الأخيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا أصداءً قوية لأحلك أيام عام 2025. فقد جسّدت المواجهة الشهيرة التي بُثّت تلفزيونياً من المكتب البيضاوي بين جي دي فانس ودونالد ترامب وفولوديمير زيلينسكي المخاوف من أنّ أميركا باتت تقف إلى جانب روسيا. وعادت هذه المخاوف إلى الواجهة مع القمة التي جمعت ترامب وبوتين في ألاسكا.

وردّ القادة الأوروبيون على هذه الأزمات السابقة باتّباع سياسة حثيثة لاستمالة ترامب. فقد احتضنوا زيلينسكي، وقدّموا له النصائح بشأن كيفية إظهار الامتنان واتّباع نبرة تصالحية في تعاملاته مع الرئيس الأميركي. كما أغرقوا ترامب بالمكالمات الهاتفية والإطراء، في محاولة للتخفيف من حدّة الجوانب الأكثر تشدّداً في السياسة الأميركية.

لكن الأمور تبدو مختلفة هذه المرّة. فقد أصبح زيلينسكي أقلّ تحفّظاً بكثير في تصريحاته بشأن ترامب. واتّهم الولايات المتحدة مباشرةً بتقييد خدمات الأقمار الاصطناعية في أوكرانيا، وألمح إلى أنّ ترامب ينجذب إلى الحكّام المستبدّين.

كما تحدّى الأوكرانيون مطلباً أميركياً بوقف استهداف منشآت الطاقة الروسية. وشهدت عطلة نهاية الأسبوع بعضاً من أكبر الضربات حتى الآن على المنشآت النفطية في سان بطرسبورغ.

وقد تكون تصريحات زيلينسكي الصريحة مدفوعة، إلى حدّ كبير، بالغضب والاستياء الشديد. لكن من المرجّح أيضاً أن يكون وراء تغيّره في النبرة قدر من الحسابات السياسية.

فمع تراجع شعبية ترامب في استطلاعات الرأي، واتّجاه الجمهوريين، على ما يبدو، نحو الهزيمة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، قد يكون من المجدي مخاطبة الأميركيين مباشرةً، متجاوزاً الرئيس والمقرّبين منه.

وحتى بعض المرشّحين الجمهوريين شكّكوا، خلال حملاتهم الانتخابية، في خطة ترامب لشراء الديزل الروسي. وتشير استطلاعات الرأي إلى أنّ الأميركيين لا يشاركون ترامب إعجابه بفلاديمير بوتين.

ويجري أيضاً تحوّل مهم في النهج الأوروبي تجاه روسيا. فهناك توافق متزايد في العواصم الأوروبية على أنّ قادة القارة لم يعودوا قادرين على تقبّل وضع يكون فيه الأميركيون وحدهم من يتحدّثون إلى بوتين.

وقد فُتحت بالفعل قنوات اتصال مع الروس، ومن المحتمل إجراء اتصال هاتفي بين القادة الأوروبيين وبوتين قريباً.

ويعكس هذا التغيّر في النهج اعتقاداً بأنّ سياسة استمالة ترامب أصبحت أقلّ فاعلية بصورة متزايدة، ولا سيّما في ظلّ انشغال الرئيس بانتخابات التجديد النصفي وغضبه مما يعتبره إخفاقاً أوروبياً في مساعدته في إيران.

ويخشى الأوروبيون أيضاً أن تكون السياسة الأميركية مدفوعة إلى حدّ كبير بالرغبة في إبرام صفقات تجارية مع روسيا، بدلاً من الاستناد إلى رؤية أمنية متماسكة.

ويرتكز النهج الأوروبي الحالي على دعامتين أساسيتين: دعم أوكرانيا وفرض العقوبات على روسيا.

وتُعدّ السياستان بالغتَي الأهمية، ولا سيّما مع تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا. لكن الانخراط الأوروبي المباشر في جهود صنع السلام بات يُنظر إليه أيضاً بصورة متزايدة بوصفه ضرورة، خصوصاً أنّ الأموال الأوروبية هي التي تُبقي أوكرانيا قادرة على الصمود، بعد توقّف المساعدات المالية الأميركية.

ويبدو الأوروبيون واثقين من أنّ بوتين سيكون مستعدّاً للحوار. لكن يُعتقد أنّ الزعيم الروسي نفسه يطرح فكرة عقد قمة ثلاثية تجمعه بترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.

ومن شأن قمة كهذه أن تخدم تطلّعات روسيا إلى الظهور بمكانة قوة عظمى، وأن تُبقي أوكرانيا وأهمّ داعميها خارج غرفة المفاوضات.

وقد يزداد حذر روسيا من التعامل مع الأوروبيين بسبب طبيعة المقترحات التي يمكن طرحها على طاولة المفاوضات.

فإذا جرت المحادثات الأوروبية مع بوتين، أو عندما تجري، فمن المرجّح أن يُعرض على الزعيم الروسي مساران محتملان لتحقيق السلام.

يتمثّل الخيار الأول في تجميد الصراع عند خط السيطرة الحالي، مقابل الحصول على ضمانة بأنّ أوكرانيا لن تنضمّ أبداً إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو".

أما الخيار الثاني، فيقضي بأن تتنازل أوكرانيا لروسيا عن بقية منطقة دونباس، مقابل انضمامها بعد ذلك إلى حلف الناتو.

وسيعتبر بعض الأوكرانيين كلا الخيارين خيانة. لكن في ظلّ الرغبة القوية في تحقيق السلام داخل بلاده، قد يتمكّن زيلينسكي من إقناع شعبه بأيّ من الفكرتين.

في المقابل، فإنّ الأوروبيين أقلّ ثقة بكثير في استعداد بوتين لقبول أيّ منهما. ومع ذلك، لا يزالون يرون أنّ من المهم البدء بالتحدّث مباشرةً إلى الروس.

وإلى جانب إعادة النظر في النهج الدبلوماسي، يتزايد أيضاً تصميم الأوروبيين على تقليص اعتمادهم على أميركا في ما يتعلّق بالقدرات الحيوية، ولا سيّما تغطية الأقمار الاصطناعية التي توفّرها منظومتا "ستارشيلد" و"ستارلينك".

وقد أعلنت شركتان فنلنديتان، هما "نوكيا" و"آيس آي" (Iceye)، هذا الشهر، شراكة لتطوير شبكات اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية للأغراض العسكرية والمدنية.

لكن من غير المتوقّع تنفيذ عمليات الإطلاق الأولى قبل عام 2028، ولذلك لا يمكن لهذا المشروع أن يحلّ مشكلات أوكرانيا الفورية.

وفي الوقت الراهن، لا تزال حكومة زيلينسكي تعتمد اعتماداً كبيراً على القدرات الأميركية في مجال الأقمار الاصطناعية، سواء للدفاع في مواجهة الهجمات الواردة، أو لتوفير المعلومات اللازمة لتنفيذ العمليات الهجومية.

وفي الواقع، لم يفقد الأوكرانيون الأمل في إقناع الولايات المتحدة بتوسيع نطاق المساعدة عبر الأقمار الاصطناعية، بما يتيح لهم استهداف مواقع إطلاق الصواريخ في عمق الأراضي الروسية.

وقد توحي حقيقة أنّ أوكرانيا لا تزال تعتمد إلى هذا الحدّ على القدرات الأميركية بأنّ من مصلحة زيلينسكي مواصلة التملّق لترامب وإيلون ماسك إلى أقصى درجة ممكنة، على أمل أن يتراجعا عن موقفهما ويقدّما لكييف المساعدة التي تحتاج إليها.

لكن الزعيم الأوكراني اتّجه بدلاً من ذلك في المسار المعاكس. فقد ناقش حتى احتمال أن تنحاز الولايات المتحدة مباشرةً إلى روسيا ضد أوكرانيا.

وقال أحد كبار المسؤولين الأوروبيين، في توصيفه لموقف زيلينسكي: "لقد أصبح كارني بكل معنى الكلمة"، في إشارة إلى تبنّيه نهجاً مماثلاً لنهج رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في التعامل مع ترامب.

وهذه بالتأكيد استراتيجية تنطوي على مخاطر. لكن ترامب لم يترك للأوكرانيين خيارات أفضل كثيرة.