"ذا تلغراف": نتنياهو يقوّض مبرّرات إقامة "وطن قومي لليهود"
غزة أصبحت فيتنام هذا العصر، والطريقة التي أدار بها نتنياهو هذا الصراع نفّرت جيلاً كاملاً من الصهيونية.
-
"ذا تلغراف": نتنياهو يقوّض مبرّرات إقامة "وطن قومي لليهود"
مجلة "ذا تلغراف" البريطانية تنشر مقالاً يتناول كيف أسهمت سياسات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ولا سيما حربه على قطاع غزة، في تقويض المبرّرات السياسية للصهيونية وفكرة إقامة "وطن قومي لليهود"، وفي تراجع صورة "إسرائيل" على المستوى الدولي.
ويرى الكاتب أنّ نتنياهو، الذي يقدّم نفسه حامياً لأمن "إسرائيل"، بات يشكّل خطراً على مستقبلها، بعدما أدّت سياساته العسكرية وتحالفاته مع اليمين المتطرّف إلى تعميق الانقسامات الداخلية وزيادة عزلتها الدولية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:
تتوجّه "إسرائيل" إلى صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء، ولذلك أجريتُ أحد تلك الاختبارات المتاحة عبر الإنترنت لمعرفة الحزب الذي يُرجّح أن أصوّت له، لو كنتُ يهودياً متديّناً بقدر ما أنا مسيحي متديّن. وجاءت النتيجة مفاجئة: حزب إسلامي يُدعى "راعم" (القائمة العربية الموحدة).
كانت معظم إجاباتي محافظة، بدءاً من معارضة زواج المثليين، وصولاً إلى تأييد زيادة الإنفاق الدفاعي، فضلاً عن حظر الخبز المختمر خلال عيد الفصح اليهودي. لكنّني وضعتُ علامة في خانة "الانسحاب من غزة"، فتحوّل اختيار الخوارزمية إلى حزب عربي. وهذا يذكّرنا بأنّ اليهود والمسلمين المتديّنين يشتركون ثقافياً في أمور أكثر ممّا يرغبون في الاعتراف به. كذلك، فإنّ غياب حزب يهودي جاد يدافع عن إقامة وطن قومي للفلسطينيين يشير إلى أنّ حلّ الدولتين قد انتهى. فهناك إجماع في "إسرائيل" بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر على أنّ الأمن يأتي أولاً.
إذاً، عمّ تدور هذه الانتخابات؟ عن بنيامين نتنياهو، تأييداً أو معارضةً. فالائتلاف الذي يسعى إلى إعادته إلى منصب رئيس الوزراء يرى أنّه أنقذ "إسرائيل" في أحلك ساعاتها، فيما يرى معارضوه أنّه يعرّضها للخطر. والتحليل الموضوعي يدعم الرأي الثاني.
فبدايةً، كان نتنياهو في السلطة يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر. وينفي "بيبي" المزاعم المقلقة التي تفيد بأنّه تلقّى تحذيرات مسبقة. لكن، في كلتا الحالتين، فقد أخفق في منع أسوأ كارثة أمنية في تاريخ "إسرائيل"، وهو ما كان ينبغي أن يكون سبباً كافياً لاستبعاده تلقائياً من الحكم. ثم شنّ حرباً على حماس، أدّت إلى مقتل الآلاف وأثارت اتهامات خطيرة بارتكاب جرائم حرب. ويقول "بيبي" إنّه يخوض معركة أخيرة دفاعاً عن الحضارة الغربية، في حين يريد جزء كبير من الغرب إيداعه السجن.
ومع ذلك، يؤيّد الناخبون بقوة حملته لقمع غزة. أمّا الأكثر إثارةً للجدل، فهي محاولاته تقليص صلاحيات السلطة القضائية، إلى جانب تحالفه مع الفاشيين، ومن بينهم إيتمار بن غفير، الذي يضع رمز حبل المشنقة على طيّة سترته، تعبيراً عن دعمه تطبيق عقوبة الإعدام بصورة انتقائية بحق الفلسطينيين. وينطبق الأمر أيضاً على تحالفه مع أقلية الحريديم، التي يشكّل رفضها التجنيد العسكري إعفاءً يبدو لطيفاً، لكنّه يثير الاستياء في زمن الحرب.
وخلاصة القول إنّ الدستور يمنح الأحزاب الصغيرة نفوذاً لا يتناسب مع حجمها، ما يسمح للمصالح الفئوية بالتحكّم بالقرارات. وقد حاولت لجنة الانتخابات المركزية، المنحازة سياسياً، بالفعل منع حزب "راعم" من خوض الانتخابات، رغم أنّه حزب سلمي ويرشّح يهوداً على قوائمه. لكنّ المحكمة العليا تدخّلت لإبطال قرار المنع.
"بيبي" قدّم بقاءه السياسي على المدى القصير على مستقبل بلاده. فـ"إسرائيل" لا تعيش في سلام تحت قيادته، بل تخوض حروباً على جبهات عدّة. والصراع مع إيران، الذي دعمه "بيبي"، ألحق ضرراً بالاقتصاد الأميركي وشوّه سمعة "إسرائيل"، حتى داخل صفوف الجمهوريين. ومن المرجّح أن تتحوّل معارضة غزو غزة إلى اختبار حاسم للمواقف في الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي.
لطالما جادل نتنياهو بأنّ "إسرائيل" تتحدّث باسم جميع اليهود، وأنّه هو وحده يتحدّث باسم "إسرائيل". وهذه حجّة زائفة يدرك زيفها كلّ صاحب عقل، لكنّها مادّة مغرية لمعادين للسامية.
فقد بات أصحاب المدوّنات الصوتية المنتمون إلى اليمين المتطرّف يزعمون علناً أنّ اليهود يسيطرون على السياسة، ويشيرون إلى عدوانية نتنياهو بوصفها دليلاً على وجود نفوذ خفي، متسائلين: "كيف يمكنه الإفلات من عواقب أفعاله، إن لم يكن ذلك بفعل مؤامرة؟".
وفي وقت تتنامى فيه معاداة السامية في أوساط متعدّدة، يسارية ويمينية، إسلامية ومسيحية، يمكن تقديم حجّة مأساوية مفادها أنّ حرب غزة جعلت المجتمعات اليهودية حول العالم أكثر عرضة للخطر، لا أقل.
وقد تصدّى سياسيون غربيون من التيار السائد لهذه الموجة، لكنّ مصداقيتهم تضرّرت بفعل المشاهد المصوّرة من ساحات القتال. فعندما يقف سياسي أمام كاميرا التلفزيون ليقول إنّ "إسرائيل تبذل قصارى جهدها في وضع صعب"، بينما يستطيع الناس أن يشاهدوا على هواتفهم الركام والأشلاء، وأمهات يبكين أطفالهن القتلى، فإنّه يضع العقل في مواجهة القلب. وقد خسر العقل هذه المعركة قبل نحو ثلاث سنوات.
لا مفرّ من حقيقة أنّ غزة أصبحت فيتنام هذا العصر، وأنّ الطريقة التي أدار بها نتنياهو هذا الصراع قد نفّرت جيلاً كاملاً من الصهيونية.
واليوم تراجعت قضية إنشاء وطن قومي لليهود أمام المطالبة بإقامة دولة فلسطينية.
لقد غيّرتني غزة بالتأكيد. فقد جعلتني أكثر تعاطفاً مع النزعة الأممية والحقوق المدنية، وأكثر رفضاً للعنصرية بكلّ أشكالها، وأشدّ نفوراً من الحروب التي لا تحصد سوى ثمار مسمومة.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.