"ذا إيكونوميست": السعودية تواجه حصاراً متزايداً

لا تملك السعودية خيارات فعّالة للتعامل مع الضربات المميتة التي يشنها اليمنيون.

0:00
  • "ذا إيكونوميست": الحوثيون يسيطرون على مساحات واسعة من اليمن

مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية تنشر تقريراً يتناول تصاعد هجمات القوات المسلحة اليمنية على السعودية، ولا سيّما استهداف مطار الرياض ومنشآت الطاقة، وانعكاسات ذلك على أمن المملكة واقتصادها ومستقبل الحرب في اليمن، في ظلّ محدودية الخيارات العسكرية والسياسية المتاحة أمام الرياض.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

أصبحت الهجمات على مطار الرياض أمراً شبه يومي؛ إذ وقع ما لا يقلّ عن أربع هجمات خلال الأسبوع الماضي. وكان الهجوم الثالث، والأكثر دموية، قد وقع في 10 تشرين الأول/أكتوبر، حين استهدفت جماعة الحوثي (وهي ميليشيا شيعية مدعومة من إيران) المطار بالصواريخ. وأفاد شهود عيان بأنّ الصواريخ أصابت بشكل مباشر "المبنى رقم 3" المخصّص للرحلات الداخلية، ما أدّى إلى انهيار جزء من السقف. وأسفر الهجوم عن مقتل 13 شخصاً على الأقل، أربعة مواطنين سعوديين وتسعة مقيمين أجانب، وإصابة 309 آخرين، إصابات بعضهم حرجة. وقد أُغلق المطار لنحو 48 ساعة، ولا يزال موعد إعادة فتحه غير محدّد. وبعد ذلك بيوم واحد، شنّ الحوثيون هجوماً جديداً استهدف "المبنى رقم 4"، ما تسبّب في اندلاع حريق ومقتل أحد العمال.

يُعدّ هجوم 10 تشرين الأول/أكتوبر الأسوأ الذي تتعرّض له المملكة منذ أكثر من عقد، وقد جاء قبل أسبوعين فقط من الموعد المقرّر لاستضافة البلاد مؤتمراً استثمارياً بارزاً. ويثير هذا الهجوم تساؤلات حول كلٍّ من الدفاعات الجوية السعودية ومستقبل الحرب في اليمن، التي عادت وتيرتها إلى التصاعد مؤخراً بعد فترة من الهدوء استمرّت سنوات.

لا يزال الحوثيون يسيطرون على مساحات واسعة من اليمن، وذلك رغم الغزو الذي قادته السعودية عام 2015 بهدف إزاحتهم عن السلطة. ورغم أنّ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 2022 قد جمّد خطوط المواجهة، فإنّ الحرب الخليجية الأوسع نطاقاً، التي بدأتها أميركا و"إسرائيل" في شباط/فبراير، جعلت استمرار الهدنة أمراً غير مضمون؛ إذ بحلول الصيف، كان كلا الطرفين يستعدّان لتجدّد القتال. وفي الشهر الماضي، شنّ الحوثيون هجوماً مكّنهم من السيطرة السريعة على أجزاء كبيرة من الساحل الجنوبي الغربي لليمن، بما في ذلك مدينة وميناء المخا.

وقد بدأ السعوديون وحلفاؤهم اليمنيون هجوماً مضاداً هذا الشهر، إلا أنّ التقدّم كان بطيئاً؛ فبينما نجحوا في استعادة شريط ساحلي، يبدو أنّهم توقّفوا حالياً عند بلدة ذوباب، الواقعة على بُعد 40 كيلومتراً جنوب المخا. وكما هي الحال دائماً في اليمن، تبدأ العمليات العسكرية بقوة، لكنّها سرعان ما تتعثّر لتصل إلى طريق مسدود. وفي غضون ذلك، يواصل الحوثيون محاولاتهم لتطويق مدينة تعز، ثالث أكبر مدن اليمن ومعقل المقاومة المناهضة لهم، كما استأنفوا شنّ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت البنية التحتية السعودية، بما في ذلك مصافي النفط والقواعد العسكرية.

جعل المتمرّدون المطارات هدفاً رئيسياً لهجماتهم، وحذّروا المسافرين من دخول المجال الجوي السعودي. فعلى مدى ثلاثة أسابيع، شنّوا هجمات متصاعدة الحدّة على مطار الرياض؛ إذ أسفر هجوم صاروخي وقع في 8 تشرين الأول/أكتوبر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم طيّار، وتدمير طائرة تابعة لشركة طيران مملوكة للدولة السعودية، مما دفع شركات الطيران الأجنبية إلى إلغاء مئات الرحلات. ومع ذلك، أبقت السلطات السعودية المطار مفتوحاً، وهو قرار يبدو الآن متهوّراً في نظر الكثيرين داخل العاصمة.

ولا يزال السبب وراء عجز السعوديين عن اعتراض تلك الصواريخ غير واضح؛ فهم يمتلكون أنظمة دفاع جوي متطوّرة، تشمل بطاريات "ثاد" (THAAD) و"باتريوت" (Patriot) أميركية الصنع. غير أنّهم، شأنهم شأن العديد من دول المنطقة، يشعرون بالقلق إزاء تناقص مخزون الصواريخ الاعتراضية بعد حرب استمرّت قرابة ثمانية أشهر.

وقبل ساعات من وقوع الهجوم الأخير، صرّح المنظّمون بأنّهم ماضون قدماً في عقد مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" في 26 تشرين الأول/أكتوبر. ويستقطب هذا الحدث السنوي، الذي ينظّمه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ويُطلق عليه غالباً لقب "دافوس الصحراء"، نخبة من أبرز الشخصيات في عالم المال والأعمال العالمي؛ لذا فإنّ إلغاءه سيشكّل حرجاً كبيراً. ومع ذلك، ليس من الواضح عدد المديرين التنفيذيين المستعدّين للحضور، أو حتى كيف يمكنهم الوصول إلى المملكة؛ إذ قد لا يكون السفر جوّاً إلى مدن أخرى خياراً متاحاً، نظراً إلى أنّ الحوثيين استهدفوا أيضاً مطار الدمام، الذي يقع على بُعد أربع ساعات بالسيارة شرق الرياض.

وهنا تبرز معضلة سعودية أكبر؛ فالحوثيون لا يكترثون لشؤون الحكم والإدارة، بل يتعاملون مع المناطق الخاضعة لسيطرتهم وكأنّها إقطاعيات خاصة، ويموّلون آلتهم الحربية بفرض ضرائب ورسوم باهظة على سكان يعانون أصلاً من أوضاع معيشية مزرية. ورغم أنّ الحرب المستمرّة منذ عقد قد أورثت اليمن بؤساً شديداً، فإنّ المتمرّدين يملكون الإرادة والقدرة على مواصلة القتال. وفي المقابل، فإنّ الحكومة السعودية تواجه مخاطر أكبر؛ إذ إنّ استمرار الحرب لفترة طويلة، وما يصاحبها من هجمات متكرّرة على المطارات ومنشآت الطاقة، من شأنه أن يعرقل خططها الرامية إلى تنويع الاقتصاد.

يصرّ "جنرالات المقاهي" (أو المحلّلون العسكريون الهواة) على منصات التواصل الاجتماعي السعودية على أنّ المملكة ستقاتل حتى تحقّق نصراً حاسماً على الحوثيين. غير أنّ مصادر التقت بقادة المملكة مؤخراً تحمل وجهة نظر مغايرة؛ إذ تقول إنّ ولي العهد عازم على استعادة الأراضي التي خسرها لصالح الحوثيين الشهر الماضي. ويقول مسؤول غربي: "لا أعرف ما إذا كانت لديهم أهداف واضحة تتجاوز ذلك".

لقد نجح السعوديون في حشد بعض الدعم الدولي؛ ففي هذا الشهر، فعّلوا اتفاقية للدفاع المشترك مع كلٍّ من باكستان وتركيا، كانت قد وُقّعت في شهر آب/أغسطس. ورغم أنّ باكستان نشرت آلاف الجنود، فإنّها تؤكّد أنّهم لن يشاركوا في العمليات داخل اليمن. كما أرسلت بريطانيا طائرة للتزوّد بالوقود جوّاً، ووعدت فرنسا بإرسال قوات لحماية ميناء نفطي حيوي على البحر الأحمر. وعلى الرغم من أنّ دونالد ترامب رفض مراراً طلبات الأمير محمد بشنّ غارات جوية أميركية، فإنّ الرئيس الأميركي صرّح بأنّه قد يعيد النظر في موقفه عقب الهجوم على المطار. ومع ذلك، لن يكون لأيٍّ من هذه الخطوات أثر حاسم في مواجهة الحوثيين.

أما الخيار الآخر، فيتمثّل في التوصّل إلى اتفاق، وهو أمر سيطلب الحوثيون مقابله ثمناً باهظاً؛ إذ سيتوقّعون الحصول على مكاسب اقتصادية، وإنهاء الحصار السعودي للمجال الجوي اليمني، فضلاً عن تنازلات أخرى. كما أنّ ذلك سيخلق سابقة خطيرة؛ إذ سيدرك الحوثيون أنّ شنّ هجمات على البنية التحتية المدنية يُعدّ وسيلة فعّالة للابتزاز. وهكذا، يجد السعوديون أنفسهم بلا خيارات جيدة بعد حرب استمرّت لأكثر من عقد من الزمان.

نقله إلى العربية: الميادين نت.