دولة نتنياهو الإثنية و"إسرائيل الكبرى": أسطورة توراتية أم مشروع جيوسياسي؟

متا هي لخطوات السياسية والعسكرية العملية التي اتخذتها حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلي لتحويل فكرة "إسرائيل الكبرى" إلى مشروع جيوسياسي؟

  • دولة نتنياهو الإثنية و
    دولة نتنياهو الإثنية و"إسرائيل الكبرى": أسطورة توراتية أم مشروع جيوسياسي؟

مجلة "مودرن دبلوماسي" الأميركي تتحدث في مقال عن الخطوات السياسية والعسكرية العملية التي اتخذتها حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلي لتحويل فكرة "إسرائيل الكبرى" إلى مشروع جيوسياسي.

فيما يلي: نص المقال كاملاً منقولاً إلى العربية

عندما يتحدث الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عن "توسيع نفوذ إسرائيل حتى دمشق"، أو عندما يعبر بنيامين نتنياهو عن تعلق شخصي بطموحات إقليمية واسعة أو بأن "إسرائيل ليست فقط "قوة إقليمية عظمى"، بل "من بعض النواحي، قوة عظمى عالمية"، وهذه ليست مجرد أحلام "ميسيانية"، بل تعكس عقيدة استراتيجية موضوعة وراسخة في زعزعة الاستقرار.

ولسنوات، كان يُنظر إلى فكرة "إسرائيل الكبرى" من قبل المحللين الغربيين على أنها مجرد خطاب لبعض المتشددين الإسرائيليين، بينما الآن لم يعد بالإمكان الاستمرار بهذا الموقف المتجاهل.
 
المفاوض الإسرائيلي السابق للسلام ورئيس مشروع الولايات المتحدة/"الشرق الأوسط" حالياً دانيال ليفي يقدم رؤية تحليلية حادة لفهم أحداث اليوم. ويشير إلى أن "إسرائيل الكبرى" ليست مجرد مسألة أرض، بل تتعلق بسعي "إسرائيل" لترسيخ نفسها كقوة صلبة مهيمنة في جميع أنحاء "الشرق الأوسط".

ويضيف ليفي أن الأمر يتعلق برؤية إلى أي مدى يمكن "إسرائيل" من توسيع نفوذها وترسيخ دورها كقوة لا منافس لها في المنطقة.
 
كما أن السيطرة الإقليمية واحتلال الجولان، وإعادة ترسيخ الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، والمضي قدماً في ضم الضفة الغربية، ليست سوى الطبقة الأكثر وضوحاً، حيث إن اللعبة الأعمق تتمحور حول بناء تحالفات إقليمية جديدة، وإضعاف الدول المنافسة بشكل منهجي، وتكوين شبكات من التبعية بالقوة الصلبة تضع الحكومات المجاورة في فلك "إسرائيل".
 
ولقد كان التوطيد الأيديولوجي لهذا المشروع هو قانون "الدولة القومية اليهودية الأساسي" لعام 2018، الذي عرّف "إسرائيل" دستورياً بأنها "الوطن القومي للشعب اليهودي".

وبالنسبة للكثيرين، بمن فيهم صائب عريقات من منظمة التحرير الفلسطينية، شكَّل هذا القانون اللحظة التي تحوّل فيها الطموح الصهيوني إلى واقع قانوني رسمي، وبالنسبة للنقاد، كان تقنيناً لتعزيز نظام الفصل العنصري. فما كان طموحاً في السابق أصبح الآن جزءاً لا يتجزأ من الأسس القانونية للدولة.
 
الباحث البارز في تاريخ الإبادة الجماعية والتاريخ الإسرائيلي عومير بارتوف، يتتبع هذا التحول بشعور عميق بالخسارة. ففي كتابه "إسرائيل، ما الخطأ الذي حدث؟" يُظهر كيف تحولت الصهيونية، التي كانت متجذرة في المثل الإنسانية لتحرير اليهود في القرن 19، إلى مشروع دولة قائم على القومية العرقية والإقصاء، والعنف، وما بدأ كنضال من أجل تحرير اليهود أصبح آليةً للهيمنة على الفلسطينيين، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مآسي. 
 
منطق الاستعجال
 
تستدعي وتيرة وتزامن العمليات العسكرية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تحليلاً دقيقاً. ففي غضون عامين فقط، قصفت "إسرائيل" غزة وإيران وسوريا والعراق ولبنان واليمن، واحتلت مرتفعات الجولان وقطاع غزة والضفة الغربية وأجزاء من جنوب لبنان، بل نجحت "تل أبيب" في جرّ الولايات المتحدة إلى صراع مباشر مع إيران، كما أقرّ وزير الخارجية ماركو روبيو دون قصد، وقال إنها كانت مدفوعة بأولويات إسرائيلية أكثر منها أميركية.

أما نتنياهو، فهو مقتنع بأن فرصة إعادة تشكيل المنطقة تضيق بسرعة، وعازم على التحرك قبل فوات الأوان.
 
يصف دانيال ليفي الوضع الراهن بأنه عصر "سلام إسرائيل الكبرى"، وهو عصر تلاشت فيه القيود القديمة للقوة الأميركية، أو ما يُعرف بـ"السلام الأميركي".

ومع إدارة أميركية أكثر مرونة، اتسعت مساحة المناورة أمام "إسرائيل". وما تزال إيران تحاول استعادة قدرتها على الردع التي كانت تتمتع بها قبل الهجوم الأميركي الإسرائيلي في العام الماضي، في حين بات التوازن الاستراتيجي في المنطقة أكثر خللاً وهشاشةً مما كان عليه منذ جيل.
 
ولم تُعاقب "إسرائيل" رغم الغضب الدولي إزاء أفعالها في غزة وإيران ولبنان. بينما الاتحاد الأوروبي، الذي يُنصّب نفسه حامياً للأخلاق والقيم الغربية، لم يتخذ أي إجراء وهو يشهد تقويض هذه القيم على يد "إسرائيل".

كما أن نتنياهو الذي قاد السياسة الإسرائيلية لما يقرب من عقدين، لن يُضيع فرصة كهذه، وهي ليست مجرد مسألة استراتيجية بالنسبة له، بل أيضاً ذات أبعاد شخصية وسياسية عميقة. فهو يواجه اتهامات جنائية، واستياءً شعبياً واسع النطاق حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن معظم الإسرائيليين كانوا يريدون رحيله حتى قبل حرب غزة، والانتخابات المرتقبة في عام 2026.

ولقد بات بقاؤه الشخصي ومشروعه السياسي متشابكين، بينما يعلمنا التاريخ أن الحرب غالباً ما تؤخر المساءلة، ونتنياهو يدرك أنه نجا من خلال ويلات الحروب، وبإبقاء "إسرائيل" في حالة أزمة مستمرة، يستطيع تأجيل محاسبته الشخصية تحت غطاء طموحاته الإقليمية الأوسع، حيث يكمن الخطر على الدوام عندما يتلاعب القادة المحاصرون بأجهزة الدولة.
 
انهيار إجماع الإفلات من العقاب
 
لعقود طويلة، استفادت "إسرائيل" من إجماع غربي غير معلن منحها استهتاراً غير مسبوق بالقانون الدولي. فقد كان بإمكانها تجاهل قرارات الأمم المتحدة، وتوسيع المستوطنات، وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضد الفلسطينيين، كما أن ذكرى ""المحرقة" التي غالباً ما استُخدمت كغطاء دبلوماسي، وفرت لها نوعاً من الحصانة الأخلاقية التي لم تتمتع بها أي دولة أخرى. لكن هذا الإجماع يتلاشى الآن، حتى وإن بقيت آثاره المؤسسية راسخة.
 
كذلك، أدى بروز حرب غزة وعنفها المروع إلى انقسام غير مسبوق بين الأجيال وانهيار هذا الإجماع.

وبحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو" في الشهر الماضي، أبدى 60% من الأميركيين آراءً سلبية تجاه "إسرائيل"، بينما أظهر 37% آراءً إيجابية. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لكونها الأولى من نوعها في التاريخ. كما أظهر الاستطلاع نفسه أن نسبة تأييد إدارة نتنياهو بلغت 27% مقابل 59% من معارضيها.
 
ويتفاقم الانقسام بين الأجيال بشكل أكبر بين الشباب، الذين يرفض الكثير منهم أي تواطؤ فيما يسميه باحثون بارزون، بمن فيهم بارتوف، إبادة جماعية.

ولم يكن قيام نتنياهو بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة في الجمعية العامة، وما تلاه من انسحاب جماعي، مجرد رمزية، بل كان بمثابة نهاية حقبة لكل من نتنياهو و"إسرائيل". فلم يعد يُنظر إلى انتقاد "إسرائيل" أو الصهيونية على أنه معاداة للسامية، خاصة بين الأجيال الشابة.
 
ومع ذلك، فإن التخلف المؤسسي شديد. فالاتحاد الأوروبي الملتزم بالمادة الثانية من اتفاقية الشراكة مع "إسرائيل"، والتي تشترط صراحةً احترام حقوق الإنسان، يرفض باستمرار العمل وفقاً لإطاره القانوني.

ولا يقتصر ثمن هذا الجبن على الجانب الأخلاقي فحسب، بل إن الاتحاد الأوروبي يسعى، بعد أن فقد قدرته التنافسية الصناعية، إلى تعزيز نفوذه الدولي كقوة تنظيمية ومعيارية عظمى.

ويستند هذا الادعاء إلى المصداقية. فالتكتل الذي يعتزم مراقبة الممارسات الرقمية لشركات التكنولوجيا، ولكنه عاجز عن إنفاذ بند حقوق الإنسان في اتفاقية تجارية خاصة به مع دولة صغيرة، يواجه صعوبات في فرض نفسه كقوة معيارية، وقد استنتج الجنوب العالمي هذا الأمر بسبب غياب السلطة الأخلاقية وازدواجية المعايير.
 
ولقد استجابت جماعات الضغط المؤيدة ل"إسرائيل" في الولايات المتحدة، بعد أن استشعرت تغير الأوضاع، بتصعيد أنشطتها بدلاً من تهدئة الوضع.

فقد ازداد الإنفاق، وتزايدت الضغوط على الدول، وتزايدت التهديدات التي تواجه المسيرة السياسية، وتزايدت عمليات الاستحواذ على منصات التواصل والإنترنت، وفُرضت الرقابة، لا سيما على منصات مثل فيسبوك ويوتيوب، كما يجري "إعادة برمجة" الخوارزميات، كما صرّح السيد لاري إليسون عند استحواذه على منصة "تيك توك".

وبحسب موقع "ذا إنترسبت" ، فقد تحوّلت جماعة الضغط الرئيسية "أيباك" إلى حد كبير إلى علامة تجارية ذات دلالات سياسية سلبية.
 
لكن ليفي محق في الإشارة إلى القيود الهيكلية لهذا النهج، حيث يكون الضغط السياسي أكثر فعالية عندما يتماشى مع تيار الرأي العام أو عندما يعمل في الخفاء. ويكون أقل فعالية عندما يعمل علناً ضد أغلبية ساحقة من الجمهور، وضد المصلحة الوطنية المتصورة للبلاد، وضد قيم الجيل الصاعد الذي يخوض في معركة دفاعية ضد طرف قوي، وممول جيداً، لكنه يائس بشكل متزايد.
 
إيران القادمة والنظام الإقليمي
 
ليس من قبيل المصادفة أن بدأ المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون، من نفتالي بينيت وصولاً إلى المؤسسة الحالية، بتصنيف تركيا على أنها "إيران الجديدة". وهذا ليس مجرد خطاب، بل هو جزء من استراتيجية "إسرائيل الكبرى".

وقبل 3 عقود، زعمت "إسرائيل" أن إيران تمثل تهديداً وجودياً يجب احتواؤه قبل أن تزعمها المنطقة. واليوم يتم تطبيق المنطق واللغة ذاتها على تركيا، كقوة إقليمية قادرة على بناء نظام أمني جديد خارج النفوذ الإسرائيلي، لذلك تُعتبر تهديداً يجب عزله أو مواجهته قبل أن التمكن من ترسيخ حضوره.
 
لكن تركيا تمثل تحدياً من نوع مختلف. فبصفتها عضواً في حلف "الناتو"، وتمتلك أكبر جيش في أوروبا، واقتصاداً قوياً، وركيزة أساسية لتحالف يضم السعودية ومصر وباكستان، يصعب تهميش أنقرة.

وتشير الاتفاقيات الأخيرة إلى وجود كتلة إقليمية تهدف إلى بناء أطر أمنية خارج نطاق الهيمنة الإسرائيلية وبالتالي الغربية. لكن هذا لم يُرض "إسرائيل"، وسرعان ما وصل نبأ تشكيل التحالف إلى الاتحاد الأوروبي، وقد علقت أورسولا فون دير لاين عن ذلك بقولها، "لا نريد أن نعيش تحت تأثير الصين أو روسيا أو تركيا".
 
لقد تغيرت خريطة التهديدات الإقليمية. فبالنسبة لجزء كبير من العالم العربي، وللرئيس التركي أردوغان، باتت "إسرائيل" لا إيران، المُزعزع الرئيسي للاستقرار في المنطقة.

وهذا التحول له تداعيات جيوسياسية حقيقية، وليس بالأمر الذي تستطيع القوة الجوية الأمdركية أن تغيره بسهولة. فهل وصلنا إلى نقطة اللاعودة؟

من بعض النواحي، نعم. وحل الدولتين، مهما كثر التذرع به في البيانات الدبلوماسية، بات عملياً ميتاً، ولم يُقض عليه بفعل واحد، بل عبر عقود من بناء المستوطنات غير الشرعية، والتمييز القانوني، والعنف المفرط، والتفتيت الممنهج للأراضي الفلسطينية.
 
والدولة العرقية الإسرائيلية واقع قائم بالفعل على الأرض، وتقييم بارتوف مثير للتأمل، ولكنه مباشر، فإن لم يكن هناك ضغط وتحركات هيكلية مستمرة من المجتمع الدولي، فمن غير المرجح حدوث تصحيح حقيقي للمسار، وحتى الآن، لم يتحقق هذا الضغط.

لكن من جهة أخرى، لم نتجاوز بعد نقطة اللاعودة لمشروع نتنياهو الطموح. فالظروف التي مكّنت استراتيجية "إسرائيل الكبرى" بدأت تتلاشى، حيث يتغير الرأي العام الأميركي بوتيرة أسرع من قادة البلاد السياسيين، وبات الدعم لفلسطين أعلى من الدعم لـ"إسرائيل"، بينما يُشكّل قيام تحالف إقليمي جديد يضم تركيا والسعودية وغيرهما ثقلاً موازناً حقيقياً.
 
 أما إيران، فرغم كل انتكاساتها، ما تزال تمتلك موارد استراتيجية كبيرة وتحظى بدعم الصين وروسيا. وفي "إسرائيل" تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن أغلبية كبيرة بحدود 71% تؤيد استبدال القوانين الأساسية الحالية بدستور رسمي.

وبعيداً عن ضجيج السياسات المتشددة، ثمة دلائل على أن المجتمع الإسرائيلي لم يستسلم تماماً للرؤية القومية العرقية حسب وصف بارتوف.
 
وهناك أمرٌ واحدٌ واضح، هو أن هذا المسار الحالي من الحرب الدائمة والعنف المستمر وإذلال الفلسطينيين لا يمكن أن يدوم.

وكما يُشير ليفي، فإن نتنياهو يغامر بمخاطرة كبيرةٍ مُعتمداً على مبدأ "إما أن تستخدمه أو تخسره".

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه اللحظة ستنتهي بالتأكيد ستنتهي، بل كيف ستكون تداعياتها. فهل ستُعاد صياغة المنطقة قسراً على صورة "إسرائيل الكبرى"، أم سيظهر نظام جديد مُصاغ من رحم مقاومة مؤلمة مكانها؟ فالمخاطر بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين والشرق الأوسط عموماً في غاية الخطورة.

نقله إلى العربية: حسين قطايا