"الغارديان": كيف غيّرت الإمارات وجه مدينة مانشستر في عهد آندي بيرنهام؟

تمتد قصة الوجود الإماراتي في مانشستر من أحداث "الربيع العربي" وصولًا إلى بعض أكثر المناطق حرماناً في إنكلترا، الأمر الذي أفضى إلى نتائج معقدة.

0:00
  • "الغارديان": كيف غيّرت الإمارات وجه مدينة مانشستر في عهد آندي بيرنهام؟

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تحقيقاً يكشف كيف تحوّلت الاستثمارات الإماراتية في مانشستر من ملكية نادٍ لكرة القدم إلى شبكة واسعة من المصالح العقارية والاقتصادية والعلاقات السياسية، مثيراً تساؤلات بشأن مدى استفادة السكان المحليين من هذه الصفقات، وحجم النفوذ الذي اكتسبته أبوظبي في المدينة.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

عندما أُطيح بحسني مبارك، الديكتاتور الذي حكم مصر لفترة طويلة، إبان احتجاجات "الربيع العربي" عام 2011، أحدث سقوطه صدمة في أرجاء الشرق الأوسط. كما ساهم ذلك في تغيير وجه مدينة مانشستر المعاصرة.

كان محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين وخليفة مبارك في الحكم، عدواً لدوداً لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي خشي حكامها من تمدد نهج مرسي الإسلامي. وقد أبدت الإمارات - وهي حليف رئيس للغرب - قلقها من أن حكومة ديفيد كاميرون في المملكة المتحدة لم تكن حازمة بما يكفي تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وحذّرت الوزراء البريطانيين من أنها قد تلغي صفقات تسليح بمليارات الجنيهات الإسترلينية في حال لم تتخذ بريطانيا إجراءات جادة. وفي هذا السياق، أُنشئت وحدة سرية في أروقة الحكومة البريطانية (وايت هول) على عجل، بهدف الحفاظ على تحالف الإمارات الغنية بالنفط. وعُرضت صفقات استثمارية مربحة خلال اجتماعات مغلقة كشفت عنها صحيفة "الغارديان" لاحقاً. وكان من بين هذه الصفقات ما حوّل ملكية أبوظبي لنادي "مانشستر سيتي" لكرة القدم المأزوم حالياً ​​إلى استثمار أعمق وأوسع نطاقاً داخل المدينة ذاتها.

وبعد مرور 15 عاماً على الثورة المصرية، يكشف تحليل أجرته صحيفة "الغارديان" عن زيادة ملحوظة في حجم الأراضي والعقارات التي تمتلكها حكومة الإمارات أو مطورون إماراتيون في مانشستر على مدى العقد الماضي؛ إذ وصلت مساحتها في ذروتها عام 2023 إلى ما يعادل مساحة 260 ملعباً لكرة القدم. فقد بنى الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، مالك نادي "مانشستر سيتي"، محفظة استثمارية واسعة خارج أسوار النادي؛ تشمل أكبر قاعة مغلقة في المملكة المتحدة، وفندقاً فخماً للغاية افتُتح الشهر الفائت، ومجموعة من المجمعات السكنية، بالإضافة إلى استثمارات في أبحاث جامعية رائدة عالمياً عبر شركة يديرها خلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لنادي "مانشستر سيتي".

وقد سلطت فضيحة التلاعب المالي في "مانشستر سيتي" الضوء على النفوذ الأوسع لأبوظبي في المدينة، وهو النفوذ الذي ساهم نموه في تعزيز وصول آندي بيرنهام إلى مراكز صنع القرار. ومن خلال مقابلات مع شخصيات سياسية ومسؤولين محليين سابقين وحاليين، وتحليل بيانات جديدة، ودراسة سجلات عامة تعود لأكثر من عقد من الزمن، تكشف صحيفة "الغارديان" قصة تزايد نفوذ هذه الدولة الغنية بالنفط، وتأثير ذلك على مدينة مانشستر، وكيف أثار هذا النفوذ مخاوف من تحول المدينة إلى "نسخة شمالية من لندن".

قبل 10 سنوات، كان رؤية مياه قناة "روشديل" ذات اللون الأخضر العكر علامةً على أنك ابتعدت كثيرااً عن منطقة "نورثرن كوارتر" (Northern Quarter) النابضة بالحياة في مانشستر، وأنه يجدر بك العودة أدراجك. أما اليوم، فقد أصبحت المنطقة وجهةً يقصدها الرواد لتناول المشروبات والطعام، حيث تجذبهم الحانات العصرية المطلة على القناة - التي تقدم المشروبات بأسعار تصل إلى 6.90 جنيه إسترليني للكأس - ومخبز حرفي يبيع قطعة الكرواسون الواحدة بسعر 7.50 جنيه إسترليني.

"كنا نسعى للحصول على استثمار ضخم للغاية"

بدأ ذلك التحول في صيف عام 2013، حين سعت حكومة ديفيد كاميرون إلى نزع فتيل التوترات مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وطلبت من مجلس مدينة مانشستر إعداد 3 مقترحات استثمارية موجهة للإمارة الخليجية الثرية. وقد أثمر أحد هذه المقترحات عن صفقة بلغت قيمتها مليار جنيه إسترليني، عُرفت باسم "مانشستر لايف" (Manchester Life)؛ وبموجبها باع المجلس قطعة أرض متميزة في وسط المدينة لأبوظبي مقابل 5 ملايين جنيه إسترليني، بهدف بناء 6 آلاف وحدة سكنية، إلى جانب منح أبوظبي "حق الأولوية" (حق الرفض الأول) في مشاريع أخرى. وفي تصريح لصحيفة "الغارديان"، قال ريتشارد ليس، الذي كان يرأس مجلس مدينة مانشستر آنذاك: "أُنجزت هذه الصفقة بواسطة الحكومة البريطانية، وكنا نسعى بوضوح إلى الحصول على استثمار ضخم لمشروع بلغت قيمته الإجمالية مليار جنيه إسترليني. وكانت مشاريع التطوير السكني في وسط المدينة ومحيطها - وفي منطقة ’أنكوتس‘ (Ancoats) على وجه الخصوص – متوقفة تماماً لسنوات. وفي ذلك الوقت، لم يكن هناك أي مطورين آخرين مستعدين أو قادرين على تنفيذ مثل هذا المشروع".

وفي بيان صحفي، أشاد ليس بهذه الشراكة واصفاً إياها بأنها "نموذج عالمي المستوى للتجديد العمراني" و"منصة لتوفير أكثر من 6 آلاف وحدة سكنية جديدة". ومع ذلك، لم ينجح مشروع "مانشستر لايف" سوى في تسليم 2039 وحدة سكنية - أي ثلث العدد الموعود به - في حين يجري تطوير 2839 وحدة أخرى من قِبل مطورين عقاريين آخرين. وبذلك، يبلغ إجمالي الوحدات السكنية الجديدة 4878 وحدة، وهو رقم يقل بنحو 20% عن العدد المستهدف البالغ 6 آلاف وحدة. وعلى الرغم من السياسة التي يتبناها المجلس منذ فترة طويلة، والتي تنص على تخصيص ما لا يقل عن 20% من المشاريع السكنية الجديدة للإسكان الاجتماعي والميسور التكلفة، إلا أن 8% فقط من هذه الوحدات البالغ عددها 4878 وحدة تندرج ضمن هذه الفئة، علماً بأن مشروع "مانشستر لايف" لم يوفر أياً منها.

بنوك الطعام والشقق الفاخرة

على بُعد 5 دقائق سيراً على الأقدام من مجمّع سكني جديد - مموَّل من أبوظبي ويضم أول مطعم في المدينة حائز على نجمة "ميشلان"- تقع كنيسة ميثودية سابقة، تكدست في صحنها كميات كبيرة من المساعدات الغذائية الطارئة المخصصة لسكان الشوارع المحيطة. يمر الطريق المؤدي إلى ملعب "الاتحاد" عبر بعض أكثر المناطق فقراً في ثاني أكثر السلطات المحلية حرماناً في إنكلترا. وفي نطاق لا يتجاوز نصف ميل، توجد 4 مراكز خيرية لتوزيع الطعام؛ يحمل أحدها لوحة تذكارية تشير إلى افتتاحه على يد بيرنهام عام 2021. ويقول مارك بليك، المدير التنفيذي لبنك طعام "مانشستر سنترال" (Manchester Central Foodbank)، تعليقاً على الانتشار المفاجئ للشقق الفارهة والمطاعم باهظة الثمن والمستأجرين ذوي الدخل المرتفع: "من الطبيعي أن يثير هذا الأمر الاستياء والسخط. فعندما يكون التباين صارخاً أمام أعين الناس في ظل أزمة غلاء المعيشة، فإنه قد يؤدي حتماً إلى اندلاع نوع من الاضطرابات؛ وأعتقد أن هذا الأمر ينبغي أن يكون موضع قلق حقيقي".

وقد تحولت مواقف السيارات إلى بؤرة توتر؛ بحيث وردت تقارير عن تعرض سيارات للتخريب بعد أن تركها أصحابها - من القاطنين في المجمعات المموّلة من أبوظبي أو رواد مطاعمها - في شوارع المجمعات السكنية التابعة للمجلس المحلي. في المقابل، يُشجَّع سكان هذه الشقق الفاخرة على التبرع بالطعام لصالح بنوك الطعام المحلية، من خلال صناديق مخصصة للتبرعات وُضعت في كل مبنى من هذه المباني الراقية. وفي هذا الصدد، يقول آلان غود، عضو مجلس المدينة عن حزب الديمقراطيين الأحرار (Lib Dems) ممثلاً لمنطقتي "أنكوتس" و"بيسويك": "يشعر الناس بوجود انقسامات ثقافية تتجلى في قضايا مثل السكن، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية كمواقف السيارات. ويخبرني السكان بأنهم حين ينظرون إلى الأبراج الجديدة البراقة، ينتابهم شعور بالاستياء؛ إذ يشعرون بأنهم لا ينالون نصيباً من المكاسب التي تجنيها مدينة مانشستر". ويرى غود أن مانشستر تتحول تدريجياً إلى "نسخة شمالية من لندن"، في ظل أزمة عقارية يصفها بـ"الجنونية"، وهي أزمة تزيد من معاناة نحو 20 ألف شخص في المدينة ممن ينتظرون الحصول على سكن اجتماعي.

من جانبه، يشير الدكتور ماثيو ستالارد، الباحث في كلية لندن الجامعية (UCL) ورئيس مجلس أمناء بنك الطعام المركزي في مانشستر، إلى وجود فجوة مقلقة بين سمعة المدينة على المستوى الوطني، بحيث أصبح مصطلح "مانشستريزم" (Manchesterism) مرادفاً لنموذج المدينة المزدهرة التي تضع المنافع الاجتماعية الأوسع نصب عينيها، وبين الواقع الذي يعيشه الكثير من سكانها. ويقول: "إذا نظرت إلى وسط مانشستر بناطحات سحابه الشاهقة، ثم اتجهت لمسافة ميل ونصف أو ميلين في أي اتجاه، ستجد نفسك في بعض أكثر الأحياء حرماناً على مستوى البلاد. ففي منطقة ’أنكوتس‘، يبدو الفاصل واضحاً تماماً بين المناطق التي تتركز فيها الثروة وتلك التي تغيب عنها".

أسئلة مُحرجة

في صيف عام 2016، كان بيرنهام على دراية تامة بأزمة الإسكان في منطقة مانشستر الكبرى. وقد صرّح لصحيفة "سالفورد ستار" بأنه في حال انتخابه، سيعمل على منع شركات العقارات الكبرى من الاستفادة من قروض بملايين الجنيهات الإسترلينية ممولة من دافعي الضرائب عبر سلطة العمدة. وأشار إلى وجود مخاوف من أن صندوق "سلطة مانشستر الكبرى المشتركة" (GMCA) قد استُخدم "لتقديم قروض لشركات كبرى كان ينبغي عليها الاعتماد على تمويلها الخاص، كما أن الصندوق يركز بشكل مفرط على مشاريع في وسط المدينة وأخرى فاخرة". وبعد عام واحد فقط، وافق بيرنهام على منح قرض بقيمة 55 مليون جنيه إسترليني لشركات عقارية مسجلة في جزيرة "جيرسي"، يملكها الشيخ منصور، أحد أفراد واحدة من أغنى العائلات في العالم التي تُقدر ثروتها بنحو 300 مليار جنيه إسترليني.

من جانبها، أوضحت "سلطة مانشستر الكبرى المشتركة" أن صندوق القروض متاح لجميع المطورين الذين يستوفون معايير الإقراض، مؤكدة أنه تم سداد القروض بالكامل. ومع ذلك، تخضع هذه القرارات حالياً للتحقيق من قبل أعضاء في لجنة الرقابة التابعة للسلطة. كما يواجه بيرنهام نفسه أسئلة محرجة؛ فقبل أسابيع من الموافقة على تلك القروض، حظي بضيافة ورعاية من مالكي نادي "مانشستر سيتي" في اجتماع لم يخرج إلى العلن إلا الأسبوع الماضي بعد اختفائه من السجلات العامة. وكان بيرنهام قد ذكر في البداية أنه عقد اجتماعاً "مهماً" واحداً فقط مع مسؤولي النادي في عام 2021، لكن تبين لاحقاً وجود 5 اجتماعات أخرى. 

وقال بيرنهام الأسبوع الماضي إنه طلب من" سلطة مانشستر الكبرى المشتركة" إجراء "تفتيش ومراجعة يدوية شاملة لكل شيء، لأنني أرغب في طرح كل المعطيات الممكنة أمام العلن. وأضاف: "لا مجال للشك في ذلك؛ نحن نلتزم بالشفافية المطلقة".

ومع ذلك، بدا أن هناك غياباً للشفافية في ما يتعلق بالعلاقة طويلة الأمد بين المجلس المحلي ومُلّاك نادي "مانشستر سيتي". ففي كانون الأول/ ديسمبر 2015، وقّع المجلس "اتفاقية تعاون" مدتها 10 سنوات مع أبوظبي، تمنح الإمارة حق الأولوية في الحصول على الأراضي الواقعة بالقرب من وسط المدينة. وتضمنت الاتفاقية بنداً يقيّد فعلياً الساسة المنتخبين ديمقراطياً في المجلس، ويمنعهم من الإعلان عن الصفقة من دون الحصول على موافقة خطية من الشركة التابعة للشيخ منصور. ولم يكتشف المطورون العقاريون الآخرون في مانشستر هذا الأمر إلا بعد مرور سنوات؛ بحيث علّق أحد مستشاري القطاع العقاري قائلاً: "هذا تحيّز صارخ على نطاق واسع. إنه أمر مريب للغاية". في المقابل، دافع متحدث باسم المجلس عن هذا البند، واصفاً إياه بأنه "اتفاق قياسي بين طرفين يضمن الموافقة المتبادلة بين جميع الأطراف قبل نشر أو إصدار أي بيانات ومعلومات".

وتعود ملكية هذه العقارات - التي تُقدر قيمتها حالياً بنحو 350 مليون جنيه إسترليني- في نهاية المطاف إلى الشيخ منصور عبر شركات تابعة مسجلة في جزيرة "جيرسي"؛ إذ يحصل الشيخ الإماراتي الثري على عوائد الإيجارات التي يدفعها مئات السكان، ومعظمهم من المهنيين الشباب الذين يعيشون في تلك العقارات.

لقد أعلن المجلس أنه تلقى نحو 3 ملايين جنيه إسترليني كجزء من اتفاقية لم يُكشف عن تفاصيلها تتعلق بتقاسم الأرباح، بالإضافة إلى 17.6 مليون جنيه إسترليني أخرى من ضرائب المجلس. ومع ذلك، لا يزال العائد الدقيق الذي يعود على دافعي الضرائب - والشروط التي أُبرمت بموجبها هذه الصفقات – مجهولاً. وقد تنحى ليس، البالغ من العمر 75 عاماً، عن منصبه كرئيس للمجلس في كانون الأول/ ديسمبر 2021 بعد 25 عاماً من الخدمة، ليصبح بعد ذلك بعامين رئيساً فخرياً لنادي "مانشستر سيتي". وفي رده على استفسار من صحيفة "الغارديان"، نفى ليس أن تكون صفقة أبوظبي قد أُحيطت بالسرية لتجنب الرقابة، كما دافع عن قرار تعيينه في نادي "مانشستر سيتي". وقال: "لقد حدث هذا الأمر بعد تقاعدي من المجلس. أما في ما يتعلق بما إذا كان ذلك سيكون ملائماً خلال فترة وجودي في المجلس، فأعتقد أنني كنت سأطرح تساؤلات حوله".

ووصف أحد المسؤولين السابقين رفيعي المستوى في المجلس، ممن عملوا ضمن فريق العقارات والتطوير، بيئة العمل في تلك الفترة بأنها كانت أشبه بـ"الكرملين" أو "بلاط ملكي في العصور الوسطى"، بحيث لم يكن يُسمح للمسؤولين بإبداء "أي شكل من أشكال معارضة" تجاه قرارات قيادة حزب العمال. وقال: "عندما يكون المجلس خاضعاً بنسبة 99% لحزب واحد، فإنه لا يتبقى مجال يُذكر للنقاش"، مضيفاً أنه شعر بأن بعض كبار المسؤولين قد "أُغويوا بأساليب التقرب والمجاملة" من قِبل مسؤولين تنفيذيين من أبوظبي وآخرين.

من جانبه، نفى ليس أن يكون قد اقترب أكثر من اللازم من نادي "مانشستر سيتي" - الفريق الذي يشجعه - أو أنه منحه معاملة تفضيلية بحكم منصبه كرئيس للمجلس، قائلاً: "هناك الكثير من الجهات الفاعلة في مانشستر التي تربطها علاقة وثيقة بمجلس المدينة؛ هكذا تدار الأمور في هذه المدينة؛ من خلال الشراكة". وقد نفى مجلس مدينة مانشستر بشدة المزاعم التي تتحدث عن إبرام "صفقة تفضيلية" مع أبوظبي، وذلك بعد أن خلص باحثون في جامعة "شيفيلد" إلى أن المجلس قد "فرّط في ممتلكاته الثمينة وباع أصوله بأبخس الأثمان"؛ من خلال منح الأراضي لأبوظبي بأسعار أقل من تلك المعتمدة في مشاريع تنموية مماثلة.

المقر "رقم 10 الشمالي" المستقبلي

في عام 2017، وبعد مرور 3 سنوات على أول صفقة مع أبوظبي - وهو العام الذي تولى فيه بيرنهام منصب عمدة مانشستر الكبرى- أقدم قادة المجلس المحلي على خطوة جريئة أخرى تمثلت في دفع 42 مليون جنيه إسترليني لشراء مجمع تجاري شاغر يقع بجوار مشروع "مانشستر لايف" (Manchester Life) الذي بلغت تكلفته مليار جنيه إسترليني. وقد وُصفت تلك الصفقة حينها بأنها أكبر عملية شراء للأراضي في وسط مدينة مانشستر على الإطلاق.

وكان سعر الشراء - لكل فدان - أعلى بـ6 أضعاف على الأقل من سعر الأرض المجاورة التي بيعت للشيخ منصور مقابل 5 ملايين جنيه إسترليني. وفي وقت لاحق، تبيّن أن هذا الموقع سيكون المقر الدائم المستقبلي لمكتب بيرنهام، الذي أُطلق عليه اسم "رقم 10 الشمالي" (No 10 North). وقد جاء هذا الاستحواذ على المجمع التجاري السابق في إطار شراكة أخرى مع أبوظبي. وكما حدث في المرات السابقة، ظلت بنود الاتفاق بعيدة عن الرقابة العامة، بحيث مُنع الجمهور من حضور جلسات المجلس؛ لكن داخل أروقة البلدية، كانت التداعيات كبيرة. ففي آذار/ مارس 2018، قدّم دومينيك هايز، وهو مسؤول بارز في قسم العقارات بالمجلس، استقالته بشكل مفاجئ؛ بسبب مخاوفه بشأن الصفقات التي كان يبرمها المجلس مع مجموعة الشيخ منصور. وقد أورد هايز سلسلة من الشكاوى في رسالة بريد إلكتروني وجّهها إلى جوان روني، الرئيسة التنفيذية للمجلس، التي كانت قد خلفت في العام السابق هوارد بيرنشتاين - صاحب النفوذ الواسع - عقب تقاعده بعد 29 عاماً قضاها في منصبه.

وفي اجتماع مشحون بالتوتر عُقد بعد أيام من الاستقالة، قيل إن إيدي سميث، وهو مسؤول بارز في المجلس، أخبر زملاءه بأن هايز قد "ضحّى بهم" (بمعنى أنه ورّطهم في موقف صعب أو تخلّى عنهم)، وأن القيادة في حالة غضب عارم. ووفقاً لملاحظات دوّنها أحد الزملاء في ذلك الوقت واطلعت عليها صحيفة "الغارديان"، فقد ذكر سميث أن هايز وجّه انتقادات "غير مقبولة، وربما خطيرة" لعضو في مجلس إدارة نادي "مانشستر سيتي"، كان شخصية محورية في صفقة "مانشستر لايف". ويُقال إن سميث علّق قائلاً: "لا يمكنك انتقاد علاقة المجلس بنادي كرة القدم في هذه المؤسسة وتأمل في النجاة". من جانبه، نفى سميث، الذي غادر المجلس عام 2020، التصريحات المنسوبة إليه.

ومع ذلك، كانت المخاوف التي أبداها هايز جدية بما يكفي لتستدعي إجراء تحقيق داخلي حول أسلوب الإدارة في المجلس. وقد كشف التحقيق أن القلق بشأن الصفقات التي يبرمها المجلس لم يكن مقتصراً على مسؤول واحد فقط. فقد ذكر موظف بارز آخر للمدققين أنه قلق من أن المجلس قد "دفع مبالغ زائدة" مقابل مجمع تجاري متهالك، وذلك وفقاً لسجل رسمي للاجتماع. كما أثار ذلك المسؤول مخاوفه من أن المشروع الذي تقوده جهات من أبوظبي كان "يوجه المخطط الشامل لموقع لا يملكونه أساساً". وعندما تولى بيرنهام منصبه في تموز/ يوليو، طُرح الموقع كخيار دائم لمقر "رقم 10 الشمالي" (No 10 North). لكن مع تزايد التدقيق في علاقة أبوظبي بالمشروع خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر، جرى تجميد هذه الخطط بهدوء.

"هشاشة نموذج مانشستر"

لاحظت مصادر في المجلس البلدي تغيراً في النهج في عهد بيف كريغ، التي خلفت ليس في قيادة المجلس في كانون الأول/ ديسمبر 2021. وفي تصريح لإذاعة "بي بي سي مانشستر" هذا الشهر، ذكرت كريغ أنها أمرت بإجراء مراجعة لصفقة "مانشستر لايف" للتأكد من أنها "قانونية بالكامل وتتم بكل بشفافية" قائلةً: "لقد كانت النتيجة إيجابية، وكل شيء قانوني". 

وفي تموز/ يوليو، نُشرت إحدى المراجعات التي طلبتها كريغ - التي خلفت بيرنهام هذا العام في منصب عمدة مانشستر الكبرى- وخلصت إلى أنه على الرغم من أن الاتفاقيات المبرمة مع مطورين عقاريين - مثل أولئك القادمين من أبوظبي- قد حققت "فوائد كبيرة"، إلا أنها شابتها "نقاط ضعف في التوثيق والمراقبة والضمانات"، لا سيما في ما يتعلق بطبيعة تقاسم الأرباح في هذه الصفقات. وأشار البروفيسور جوناثان سيلفر، الباحث في جامعة "شيفيلد" الذي حلل صفقة "مانشستر لايف"، إلى أن توسع المستثمرين الإماراتيين في شراء الأراضي والعقارات يثير "مخاوف جدية بشأن هشاشة ’نموذج مانشستر‘ واعتماده على جذب تدفقات التمويل الدولي، مهما كانت التكلفة". كما طرح سيلفر "تساؤلات مُلحة" حول مصير مئات المنازل ضمن مشاريع "مانشستر لايف" في حال اضطر الشيخ منصور إلى بيع نادي "مانشستر سيتي"، أو قرر القيام بذلك، في ظل فضيحة التلاعب المالي.

نقلته إلى العربية: زينب منعم.