حمود، رصاص يقرع الأجراس

لا يمكن لجريمة بهذا القدر من الوحشية أن تصنّف ضمن الذئاب المنفردة، أو تكون ضمن دوائر وحسابات ضيقة أو محلية، أو مدفوعة باحتقانات غرائزية موتورة بحد ذاتها، فقد تكون هذه أو تلك ولكن في إطار توظيف أكبر وأخطر على مستوى المنطقة والإقليم. 

0:00
  • الأردن.. كيف نواجه الإرهاب التكفيري؟
    الأردن... كيف نواجه الإرهاب التكفيري؟

ابتداءً، كان ردّ الأردن على الجريمة البشعة في قرية حمود – الكرك، رداً غير مسبوق، تمثّل في حشود كبيرة لم يشهد مثلها الأردن منذ استشهاد الطيار معاذ الكساسبة على يد داعش.  الشارع بكل مكوناته، المعارضة بكل أطيافها اليسارية والقومية والمدنية، الدولة بأعلى مستوياتها، وهي لحظة قلما تتكرر في بلد آخر. 

في ساحة الكنيسة وقاعتها خلال الصلاة على الشهداء، اصطف القساوسة مع رجال الدين المسلمين، الوزراء مع المعارضين، المؤمنون مع العلمانيين، الرجال مع النساء، وفي القاعة الكبرى للبلدة (قاعة الروائي غالب هلسا)، تتالت القراءات: التراتيل الكنسية، الفاتحة وآيات من القرآن الكريم، الخطابات السياسية لوزير هنا ومعارض هناك، كما ارتفعت الرايات الحمر للأحزاب اليسارية إلى جانب يافطات للأحزاب الملكية، وكان ملاحظا أن شباباً ارتدوا كوفيات مقلوبة وهو تقليد قديم يدل على أن دم الشهداء لا يُنسى. 

وبعد...

لا يمكن لجريمة بهذا القدر من الوحشية أن تصنّف ضمن الذئاب المنفردة، أو تكون ضمن دوائر وحسابات ضيقة أو محلية، أو مدفوعة باحتقانات غرائزية موتورة بحد ذاتها، فقد تكون هذه أو تلك ولكن في إطار توظيف أكبر وأخطر على مستوى المنطقة والإقليم. 

بالتأكيد، لا يمكن إسقاط كل ما يقال عن استراتيجية صهيونية قديمة – جديدة تقوم على تفريغ الشرق من المسيحيين العرب، وتمزيق المنطقة طائفياً وجهوياً ودفع ممثلين عن القوى الطائفية والجهوية إلى واجهة الأحداث كما في سوريا، ومن ثم إعلان الحماية على بعضها كما فعل العدو مع تيار متصهين في جبل العرب وفشل فشلاً ذريعاً مع الساحل السوري. 

وتكتسب المقولة السابقة وجاهتها بعد إعلان الأردن رعايته للمقدسات المسيحية وليس الإسلامية فقط في القدس، ومن المؤسف القول إن محاولات العدو تسويق هذا النوع من الوصاية ومحاولات اختراق جماعات إثنية هنا وهناك تنهل من نظام الملل والنحل العثماني القديم، بل إإن تياراً قوياً في اسطنبول اليوم يسعى لتسويق تركيا كحامية للمسلمين السنة، بعد تمزيق أوصال العرب إلى ملل ونحل منذ وفاة عبد الناصر وتراجع المشروع العربي وقاعدته المصرية. 

إلا أن المقولة السابقة لا تكفي وحدها لقراءة الجريمة التكفيرية بحق مصلين آمنين في كنيسة، ولا سيما إذا تذكرنا أن الأردن ليس بيئة لأي تناحر مذهبي، وأن العمل السياسي والاجتماعي والثقافي في الكرك كما غيرها ظل عملاً موحداً ومتداخلاً ومتشابكاً بين كل مكوّناته الأساسية، سواء في مؤسسات الدولة المختلفة أم في أوساط المعارضة باستثناء جماعات الإسلام السياسي. 

بألتأكيد فإن المسيحية الشرقية مستهدَفة بحد ذاتها، ولا سيما البؤر الوطنية التنويرية المقاومة فيها، وهو استهداف لم يتوقف من أعداء الأمة على مر التاريخ، بل إن ظاهرة الأديرة والرهبنة ولدت في الصحارى العربية هرباً من ملاحقة روما الوثنية (يُشار إلى المواقع المسيحية الكثيرة على امتداد الجغرافيا الأردنية)، بل إن روما عندما تمسحت واختطفت الفكرة المسيحية في القرن الثالث فرضت رواسبها على هذه المسيحية وظلت تحاصر المسيحية العربية قروناً مديدة، وليس بلا معنى أن القبائل العربية المسيحية مثل كندة وتغلب قاتلت إلى جانب المسلمين وهي تحمل صلبانها، وبينها القبائل المسيحية في الكرك خلال معركة مؤتة، والتي حافظت على هذه المكانة وأغنت المكتبة العربية والإسلامية بالعديد من العلماء الكبار مثل الطبيب الجراح ابن القف الكركي. 

ونعرف كذلك أن ما يُعرف بالحملات الصليبية استهدفت الأرثوذكس أكثر من المسلمين ونكّلت بهم، كما نعرف أن المثقفين المسيحيين الذين اصطدموا مع سياسات التتريك العثمانية كانوا جزءاً من المثقفين العرب عموماً، مثل الشيخ عبد الرحمن الكواكبي والمفكر ساطع الحصري، كما نعرف أن غالبية قادة حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الأوروبي تشكلت من مثقفين مسيحيين، مثل قسطنطين زريق، جورج حبش، أنطون سعادة، رئيف خوري، ويوسف سلمان وغيرهم، فيما كانت حركات عديدة من الإسلام السياسي مرتبطة بقلم الاستخبارات البريطانية في شركة الهند الشرقية. 

ولم تكن الأردن ومنها الكرك بمعزل عن هذه المناخات، وكان لبلدة الربة في هذه المحافظة وكذلك جارتها المسيحية الأخرى، بلدة السماكية، مساهمات مميزة فعلاً نابعة أيضاً من موجة المتعلمين الأوائل في الجامعة السورية (دمشق) والجامعة الأمريكية (بيروت) حيث لم يعودوا من هناك بعقل إمبريالي أو ليبرالي أو صهيوني، بل بانتماءات متفاوتة بين الحركة القومية واليسارية، وليس من فراغ أن تقدم هذه القرى البعيدة أسماء كبيرة على الصعيد الأردني والعربي، مثل الروائي العربي غالب هلسا أحد المثقفين العرب الذين قاتلوا على متاريس بيروت عام 1982 ضد العدو الصهيوني، إلى جانب أدباء عرب آخرين مثل سعدي يوسف وعبد الرحمن منيف، ومثل أسماء أردنية مقاومة في صفوف الثورة الفلسطينية مثل تيريز هلسة ومشعل هلسة، ومثل أسماء من السماكية مثل الدكتور يعقوب زيادين ومجلي نصراوين، كما يشار إلى دور أهل المنطقة (السماكية وحمود) بوضع حد للتبشير السبتي في صفوفهم. 

كل ما سبق مهم بالتأكيد، ونحن نبحث عن سبب المجزرة الوحشية المذكورة، لكننا بحاجة إلى مزيد من التمعن والتفكير في الثاوي من أهداف تلك الجريمة في أبعادها التي تتخطى تلك التلال إلى الاستثمار الكامل في كل ما تشهده الأمة والأردن من تفكيك للدول وقواعدها الاجتماعية، وتحويلها إلى أشكال من الدولة الضعيفة والنظام القوي (السلطة الشرطية والسلطة الجابية) وتركيب هذه الأشكال على السيناريوهات المقترحة للشرق الأوسط الابراهيمي المتصهين ضمن مساقاته المتشابكة: جغرافيا لأنظمة على شكل بلديات ومدن كبرى، وطرق وممرات وشبكات للنفط والتجارة، ومن جهة أخرى جغرافيا بشرية تستوعب موجة جديدة من التهجير القسري للفلسطينيين كسكان لا كمواطنين. 

تاريخ الإرهاب في الأردن

ربما بدا أن الأردن أكثر استقرار من دول الإقليم، إلا أن هذه الصورة مبالغ فيها، فهو كغيره عرف الاغتيالات السياسية التي طالت الملك عبد الله الأول في تموز 1951 واثنين من رؤساء الحكومات هما هزاع المجالي في آب 1960 ووصفي التل في تشرين الثاني 1971، كما شهد الأردن العديد من محاولات الانقلاب العسكري أواخر خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي. 

أما تاريخ الأردن مع الأصوليات التكفيرية فقد تزامن مع التجاذبات الدولية لترسيم الحدود واختراع الدول بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك حين قام الوهابيون بالهجوم على وادي السرحان في محاولة لقطع التواصل بين الأردن والعراق، وقد تصدت قبائل شرق الأردن من بني صخر والحويطات وقبائل أخرى لهذا الهجوم، ولم تتوقف الحملات الوهابية التكفيرية إلا بعد اتفاقية ترسيم الحدود بين الأردن والسعودية، وذلك بحسب دراسة تالية لجريدة الشرق العربي التي كانت تصدر في عمان (الأعداد الصادرة بين 2 – 7 تشرين الثاني 1928). 

ومن اللافت للانتباه أن الطائرات البريطانية ألقت قذائفها في مناطق رملية جرداء وليس على المهاجمين الوهابيين. 

مع تصاعد موجة الإرهاب الأصولي التكفيبري التي صنعتها أقلام المخابرات البريطانية والأميركية والصهيونية، بدءاً من إعلان الجهاد الأميركي من أفغانستان وانتهاءً بفصائل هذا الجهاد وعملياتها المختلفة في سوريا والعراق وضد شعوب المنطقة، كان الأردن كغيره ساحة من ساحات توظيف الإرهاب الأصولي المذكور سواء باستهدافه هو نفسه أم من خلال السيناريوهات الأميركية المعروفة بتوظيف كل الساحات لمواجهة محور المقاومة في عموم المنطقة. 

باستثناء بعض العمليات التي لم تصنّف تكفيرية، والتي استهدفت أميركيين مثل قضية فولي واغتياله عام 2002، والعملية التي شهدتها قاعدة الجفر 2016 حين قام جندي أردني (معارك أبو تايه) بقتل ثلاثة عسكريين أميركيين، كانوا ضمن مراكز تدريب أميركية للمعارضة السورية، فمعظم الأعمال الأخرى مصنّفة كعمليات إرهابية تكفيرية (يُنظر هنا إلى عمليات استهدفت إسرائيليين خلال الأعوام 1997 – 2000 كعمليات غامضة قد يكون العدو الصهيوني خلف بعضها). 

ثمة عمليات أخرى تندرج في الإطار الجرمي الجنائي أكثر منها عمليات ذات صبغة سياسية، مثل قضية الشميساني التي قُتل فيها الدكتور عوني سعد والدكتور حنا ندة عام 1998، وقضية الرابية في العام نفسه التي قُتل فيها رجال أعمال أردنيون وعراقيون. 

في بانوراما الأعمال التكفيرية المنسوبة إلى الجماعات الإرهابية الأصولية: ما يُعرف بقضية الخلايا 2002 وقضية الجيو-سياسي 2004 وتفجيرات الفنادق في تشرين الثاني 2005 ومحاولات استهداف الأسواق التجارية في عبدون 2012، وحملة السيوف التي قام بها إرهابيون في مدينتي الزرقاء والعقبة 2012، واستشهاد الطيار معاذ الكساسبة على يد داعش 2015، العملية الإرهابية في قلعة الكرك 2016، العملية الإرهابية في إربد 2016، واستشهاد الكاتب ناهض حتر في أيلول 2016، العملية الإرهابية في السلط 2018، والفحيص 2018. 

يُشار إلى أن العديد من قادة الجماعات الأصولية خرجوا من الأردن مثل: 

- أبو محمد المقدسي (عصام البرقاوي – نابلس): الذي درس لفترة قصيرة في يوغوسلافيا ثم تأثر بالتيار السروري القطبي قبل أن يلتحق بعبد الله عزام في أفغانستان ويعود ويتم توقيفه أكثر من مرة في الأردن. 

- عبد الله عزام (جنين): وكان إخوانياً فيما مضى كما عمل مدرّساً للشريعة في الجامعة الأردنية ثم جامعة الملك عبد العزيز 1981 قبل أن يذهب إلى الباكستان وأفغانستان وينخرط في الجهاد الأميركي حتى مقتله 1989. 

- أبو مصعب الزرقاوي (أحمد فضيل الخلايلة – من عشائر بني حسن): لم يكمل دراسته وعمل موظفاً في بلدية الزرقاء قبل أن يتعرف على المقدسي ويذهب إلى أفغانستان ثم العراق حتى مقتله عام 2006. 

- قيادات أخرى تنقلت بين القاعدة وداعش وحراس الدين وجبهة النصرة وبينها قيادات من الكرك نفسها.

كما يُشار إلى أن الأردن عرف العديد من الجماعات الأصولية مثل: جيش محمد، بيعة الإمام، إضافة إلى القاعدة وتنظيم الدولة (داعش). 

كما عرف الأردن العديد من القوى الإسلامية التقليدية مثل: جماعة الإخوان المسلمين (تأسست في الاسماعيلية 1928 وتأسس فرعها في الأردن عام 1945 على يد الشيخ عبد اللطيف أبو قورة وظلت حليفا للنظام عقوداً طويلة)، ومثل حزب التحرير الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني عام 1952، ومثل الحركة السلفية بتياراتها المتناقضة، ومثل جمعية المشاريع الخيرية (الأحباش). 

كيف نواجه الإرهاب التكفيري

نذكر ابتداء أن من بين أسباب انتشار الظاهرة الأصولية في الأردن، سطوة الخطاب الرجعي على المناهج، حتى أن كتاباً لأبي الأعلى المودودي حول الإسلام كان يدرّس في المناهج، ومن العوامل الأخرى تراجع البعثات التعليمية الحزبية اليسارية والقومية إلى دول المعسكر الاشتراكي قبل انهياره وإلى مصر الناصرية وسوريا والعواصم القومية وغيرها، وما يحمله المتخرجون من جامعاتها من وعي وطني وثقافي، وانعكاس هذا التراجع على الوعي العام. 

راهناً وأولاً، المطلوب حشد القوى والأوساط المدنية من أجل قوانين تجرّم التكفير وتؤسس لمناخات تحترم التعددية الفكرية والعقل النقدي وترجمة ذلك في المناهج الدراسية أيضا. 

ومن المهم الانتباه إلى الخطاب غير المرئي وأوجه وأشكال الهيمنة الخطابية المختلفة، فاستمرار ذلك على النحو السائد يعزز الأنماط الأولية الثاوية ويغذيها ويحولها إلى بيئة خطرة للاحتقانات المسلحة. 

ثانيا، إعادة الاعتبار للتراث التنويري في الفكر الإسلامي نفسه، مثل ابن رشد وابن باجه وابن طفيل مقابل ابن تيمية والمودودي الذي كان يدرّس في المدارس الأردنية وإعداد خطباء على هذا القدر من الثقافة والفكر والمعرفة النقدية. 

ثالثاً، قراءات سياسية للإرهاب باعتباره محصلة تاريخ طويل من صناعة أقلام الاستخبارات البريطانية والأميركية ضد حركات التحرر وبرنامجها الوطني الاجتماعي، إضافة إلى دخول الدوائر الصهيونية على هذا الإرهاب منذ تأسيس الكيان، والمساهمة في تعميمه (ما يُقال عن الكلية الإسلامية في تل أبيب لإعداد المستعربين المتأسلمين للتشويش الأيديولوجي وتسويق خطاب الإزاحة عن التناقض الرئيسي التناحري مع العدو الصهيوني). 

رابعاً، قراءات اجتماعية اقتصادية لبيئة الإرهاب، فما من خطابات أيديولوجية وسياسية بلا روافع اجتماعية، فالفضاء العام للإرهاب يتغذى من فقدان الأمل والفقر والفساد الذي أسسه وقاده البنك وصندوق النقد الدوليان ومدرسة شيكاغو، منذ تفكك الاتحاد السوفياتي وتراجع كثير من البلدان عن الرعاية الاجتماعية والحد الأدنى من دعم السلع والخدمات الأساسية. 

ومن المفيد جداً التوقف عند الاستنتاجات المهمة في كتابات مهدي عامل حول العلاقة بين الطائفية والكولونيالية التابعة، وكتابات عبد الله العروي حول الفوات الحضاري، فالبنية الاجتماعية للكيانات القطرية غير مؤهلة للتقدم نحو دولة حديثة مدنية، بل إنها وهي تدخل في أزمة تلو الأزمة تعجز عن بناء الحد الأدنى من شروط المواطنة التي تحتاج إلى تحولات اجتماعية تنقل المجاميع الطائفية والعشائرية إلى تشكيلات طبقية حيث تتشكل المواطنة والعقل التعددي.