Znet: هتلر ذو الرأسين.. ترامب ونتنياهو
هتلر اليوم له وجهان. نتنياهو هو رأس رعب الحرب، بينما ترامب هو رأس رعب السلام. وإذا حللنا خطابات نتنياهو وترامب وممارساتهما، نرى أن أيديولوجيا هتلر حاضرة بقوة بينهما.
-
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
موقع "Znet" ينشر مقالاً يقارب فيه أوجه الشبه بين ممارسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وخطاباتهما وبين هتلر، ليخلص أن أيديولوجيا الأخير حاضرة بقوة بينهما. ما أوجه الشبه إذاً؟ وكيف يبدوان متقاربين معه؟
في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
في كتاب "هتلر دراسة في الطغيان" الذي ربما يكون أفضل ما كُتب عن هتلر، للمؤلف آلان بولوك، فإن فلسفة هتلر هي فلسفة ملاجئ المشردين التي تعلمها أثناء إقامته فيها في فيينا لبعض الوقت. ومع أن بولوك لم يعتذر للمشردين، الذين يتمتعون بأكثر من فلسفة، وبعضها تُناقض الفلسفة التي يُشير إليها الكاتب، لكن هذا لا يقلل من قيمة الفلسفة التي يُشير إليها، إذ يتضح أيضاً في كتاب "كفاحي" وخطابات هتلر وممارساته اللاحقة العناصر الرئيسية لهذه الفلسفة على الشكل التالي، بداية من أن فكرة الصراع قديمة قدم الحياة نفسها التي لا يمكن حفظها إلا بفناء الكائنات الحية الأخرى في سبيل الصراع، حيث ينتصر الأقوى والأكثر كفاءة، بينما يخسر الأضعف والأقل كفاءة.
وفي هذا الصراع، "يُسمح بأي خدعة أو حيلة، مهما كانت عديمة الضمير، واستخدام أي سلاح أو فرصة مهما كانت غادرة، فإن أي هدف حققه البشر يعود إلى أصالتهم المقترنة بوحشيتهم، والقدرة على الكذب والتحريف والخداع والتملق، والقضاء على العاطفة والولاء لمصلحة القسوة كصفات سمحت للبشر بالارتقاء. وفوق كل ذلك، قوة الإرادة، وعدم الثقة بأحد أبداً، وعدم الالتزام بأي أحد مطلقاً، ولا تعترف بأي ولاء، بينما انعدام الضمير يجب أن يفاجئ حتى أولئك الذين يفتخرون بانعدام ضميرهم، حيث الكذب بثبات والتظاهر بالصدق، والازدراء المصاحب لانعدام الثقة، حيث يحرك الناس الخوف والطمع والتعطش للسلطة والحسد، وغالباً لأسباب تافهة وغير مهمة. فالسياسة لهؤلاء هي فن معرفة كيفية استغلال نقاط الضعف هذه لتحقيق غايات المرء، والجماهير موجودة ليتم التلاعب بها من قبل السياسي الكفء، بينما ينظر النازيون إلى الاشتراكيين الديمقراطيين أنهم يستغلون عقول العامة بانتهازية لتحقيق مآربهم الخاصة. واليهود هم أدوات هذا التسميم".
التاريخ لا يُعيد نفسه، وهتلر قد مات. لكن فلسفته حاضرة في سياسيين يُهيمنان على الساحة الدولية اليوم، هما بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، حيث تتجلى هذه الفلسفة بأشكال مختلفة، ويظهر أن هتلر اليوم له وجهان. نتنياهو هو رأس رعب الحرب، بينما ترامب هو رأس رعب السلام. قد يقال إنه من غير المنطقي الحديث عن تكافئهما مع هتلر، لأن جوهر فلسفته كان معاداة السامية، وهتلر اليوم أحدهما يهودي صهيوني والآخر يقف إلى جانبه بلا قيد أو شرط. العلاقة بين الصهيونية واليهودية معقدة للغاية، بينما المعلومات المضللة السائدة في الخطاب العام حول هذا الموضوع، والتضييق الشديد على الأصوات المعارضة لا تسهل معالجة هذه القضية، مع أن معالجتها بالغة الأهمية لبقاء الفكر النقدي، الذي ترتبط به اليهودية الأوروبية ارتباطاً وثيقاً، والذي يدين له المثقفون النقديون بالكثير.
الصهيونية واليهودية
يلخص المؤرخ ياكوف رابكين التناقضات بين الصهيونية واليهودية بأن الصهيونية كانت في بداياتها حركة هامشية، حيث اتضحت معارضة الفكرة الصهيونية على المستويات الروحية والدينية، فضلاً عن المستويات الاجتماعية والسياسية في رفض معظم اليهود الممارسين لشعائرهم من الأرثوذكس والإصلاحيين على حد سواء للصهيونية، بوصفها مشروعاً أيديولوجياً يتعارض مع قيم اليهودية.
أما اليهود الذين انضموا إلى مختلف الحركات الاشتراكية والثورية، فقد رأوا في الصهيونية هجوماً على المساواة ومحاولةً لصرف انتباه الجماهير اليهودية عن السعي نحو التغيير الاجتماعي. وأخيراً، اقتنع أولئك الذين اندمجوا في المجتمع الأوسع، بفضل التحرر، وأصبحوا ليبراليين ملتزمين، بأن الصهيونية لا تقل خطورة عن معاداة السامية، وتُشكل تهديداً لمستقبلهم، بينما تمت مناهضة "القومية اليهودية" باعتبارها تهديداً، ليس فقط لليهودية، بل أيضاً المكانة الاجتماعية والقيم السياسية لليهود المحررين.
إن بعض الأسباب التي دفعت اليهود وغير اليهود على حد سواء إلى معارضة الصهيونية، لأنها شكل من أشكال القومية التي تتعارض مع فكرة الشتات. كما كان مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل يعتقد أن المعادين للسامية، من خلال سعيهم لطرد اليهود أو تهجيرهم، هم أصدق حلفاء الصهيونية وأكثرهم إخلاصاً. فالصهيونية تستمد جذورها من تجربة يهود أوروبا الشرقية، لا سيما بعد مذابح عام 1881 في روسيا التي أدت إلى هجرة اليهود إلى الغرب، ما خلق توترات بين يهود الشرق والغرب.
كذلك، تُعزز الصهيونية فكرة فصل اليهود في حين أنهم لطالما ناضلوا من أجل الاندماج في المجتمعات التي عاشوا فيها مع التمتع بالاستقلالية لممارسة شعائرهم الدينية بحرية، لأن اليهودية دين لا أكثر، بينما اعتبر الكاتب والصحافي اليهودي النمساوي كارل كراوس أن جوهر الصهيونية هو معاداة السامية، فالصهيونية هي مصالح الإمبريالية الأوروبية (البريطانية) للسيطرة على الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط، حيث صُورت دولة "إسرائيل" كمستعمرة استيطانية أوروبية تضمن الوصول إلى الموارد الطبيعية وحرية التجارة مع الشرق.
وفي كتابه "الدولة اليهودية" (1896)، يقول تيودور هرتزل: "لو أن جلالة السلطان منحنا فلسطين، لكان بإمكاننا في المقابل أن نتولى إدارة الشؤون المالية لتركيا بأكملها. ولشكلنا هناك جزءاً من حصن أوروبا في مواجهة آسيا، وحصناً للحضارة في وجه البربرية. ولحافظنا، كدولة محايدة، على تواصلنا مع أوروبا بأسرها، التي ستكون ملزمة بضمان وجودنا".
كذلك، روج للصهيونية معادون للسامية، مثل آرثر بلفور، الذي سعى إلى تطهير أوروبا من اليهود. وفي عام 1850 لم يتجاوز عدد اليهود في فلسطين 9700 نسمة. واليوم، تتداخل الصهيونية اليهودية مع الصهيونية المسيحية، القائمة على أفكار التفوق العرقي واليمين المتطرف، وهي أفكار ناضل ضدها اليهود ببسالة وقدموا تضحيات جسيمة خلال الـ100 عام الماضية.
الصهيونية المسيحية تعتبر شكلاً مُقنعاً من أشكال معاداة السامية، بينما تتحمل الصهيونية الأصولية، التي تُهيمن على السياسة الإسرائيلية اليوم، مسؤولية كبيرة عن تصاعد معاداة السامية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك من خلال انتقادها لليهود المُعادين للصهيونية، حيث تُعزز كل هذه الحجج فكرة أن الصهيونية، بدلاً من أن تخدم قضية الديانة اليهودية في العالم، قد تُوجه في نهاية المطاف ضربة قاسية لها.
نتنياهو: أهوال الحرب
منطق الإبادة هو ما يحكم فلسفة "إسرائيل" الأمنية والتوسعية. فالحرب ضد الإسلام حرب دينية، وبالتالي لا يمكن أن تنتهي إلا بفناء الطرف الأضعف أو استسلامه غير المشروط. كما يجب اختلاق عدو جديد باستمرار، من فلسطين إلى سوريا، ومن إيران إلى لبنان. والأهم من ذلك كله، يجب ألا ينهض العدو من الرماد، ولهذا السبب تعتبر "إسرائيل" أن قتل النساء والأطفال أمر بالغ الأهمية، والسلام مرفوض، حيث تتجذر النزعة التوسعية في عنصر "مسياني" يمكن تتبع أصوله في كتاب موسى هيس "روما والقدس" (1862) عن انتصار الفكرة اليهودية الوشيك، و"سبت التاريخ" كما يسميه.
واليوم، لدى "المسيانية" الجديدة أداة في خدمتها، وهي الذكاء الاصطناعي، "الإله الجديد" غير المسؤول كآلهة "إسرائيل" بالأخص عندما يرتكب خطأً فادحاً بالخلط بين مدرسة وثكنة عسكرية، كما حدث مؤخراً في إيران. ومثل هتلر، نتنياهو متسرع وغير قادر على التوقف. ومثل هتلر، يختلق أو يبالغ في أعمال العدوان لتبرير استمرار الحرب وتصعيدها. وقليل من التاريخ يُساعد في توضيح ذلك.
لقد كان تسرع هتلر ما دفع إلى بدء الحرب العالمية الثانية بغزوه بولندا، في حين أن القادة والجنرالات وغيرهم نددوا بهذا التسرع، كما حذر غورينغ من أن الاقتصاد كان يتأثر بالفعل بالجهود المطلوبة للاستعدادات للحرب، ناهيك بأن البريطانيين بقيادة تشامبرلين، الذين لم تكن لديهم استراتيجية سوى مفاوضات السلام، حيث أرسل موسوليني مذكرة سرية إلى حليفه هتلر في 30 أيار/ مايو 1939، يطلب فيها تأجيل بدء الحرب حتى نهاية عام 1942، لكن هتلر لم يرد، في حين فسر موسوليني صمت هتلر على أنه موافقة. ولكن بينما كان يتظاهر بتفضيل المفاوضات، حث هتلر قادته في 22 آب/ أغسطس: "أغلقوا قلوبكم عن الشفقة. تصرفوا بوحشية".
واقترح معاهدة سلام مع بولندا لم تكن سوى بنود استسلام تام لألمانيا. ووقع معاهدة عدم اعتداء مع عدوه المعلن، الاتحاد السوفياتي، لمجرد كسب الوقت، إذ كان هدفه غزو "المجال الحيوي" في الشرق، ويخطط لنقض المعاهدة حالما تسنح له الفرصة، أي بعد عام.
ووصف غزو بولندا بالحرب الخاطفة، وهي حرب مُصممة لتدوم لوقت قصير، وبررها باختلاق عدوان بولندي مزعوم. وفي عملية مُضللة، هاجمت قوات الأمن الخاصة محطة الإذاعة في بلدة غلايفيتز الألمانية الصغيرة، قرب الحدود البولندية، وألبست مجرمين ألمانيين زياً عسكريًا بولندياً، ثم قتلتهم، ثم غزا هتلر بولندا. أعقب ذلك 6 سنوات من المجازر التي بدأت ضد المقاتلين الأعداء وانتهت ضد ملايين المدنيين الأبرياء الذين كانوا ضحايا المحرقة.
دونالد ترامب: رعب السلام
دونالد ترامب هو في الوقت نفسه حليف نتنياهو المطلق، و"ملاك السلام" الذي يُنصب نفسه بنفسه. ففي ولايته الثانية وحدها، يتباهى ترامب بالتوسط في 10 معاهدات سلام أو اتفاقيات لوقف إطلاق النار، بين "إسرائيل" ولبنان، و"إسرائيل" وحماس، وأرمينيا وأذربيجان، وبين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، والهند وباكستان، و"إسرائيل" وإيران، وبين كمبوديا وتايلاند، وبين صربيا وكوسوفو، ومصر وإثيوبيا. لكن الواقع يقول إن كل هذا النشاط باسم السلام لم يكن سوى مسرحية سياسية، ولم يحقق أي نتائج دائمة، وفي أحسن الأحوال، لم يُسفر إلا عن هدنات مؤقتة. أما غرب آسيا، فهي إما تحترق أو في حالة خراب.
لكن الأمر الأكثر خطورة هو أنه عندما يكون أحد هدفين على المحك في الوصول إلى الموارد الطبيعية أو مصالح حليفته "إسرائيل" غير المشروطة. كما أن مقترحات ترامب للسلام تعني تماماً كما كان الحال مع هتلر في استسلام "الطرف الآخر"، وهو تعبير ملطف لـ"العدو الذي لا يمكن التوفيق بينه وبين الآخر". فبدلاً من مقترح سلام، هناك إنذار نهائي، مثل أن إيران أمام خيارين، إما المصادرة وإما التدمير. لا تشمل المصادرة النفط فحسب، بل تشمل أيضاً 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بينما ينطوي التدمير على اختفاء حضارة عمرها 6000 عام.
وهذا ليس مقترح سلام، بل هو استفزاز أو مطالبة بالاستسلام. نعلم أن تاريخ الولايات المتحدة يحفل بتدمير الحضارات، وعلى هذا نشأت. ولكن بما أن التاريخ لا يعيد نفسه، وأحياناً يكون خبيثاً بشكل قاس، فمن الممكن أن نتصور أن من يولدون من رحم تدمير الحضارات قد يموتون أيضاً بالتدمير عينه. وعلى أي حال، فإن السلام المقترح هو "السلام القوي" الذي يتحدث عنه نتنياهو في كتاباته، وهو ليس إلا سلام الأقوى، سلام الأمر الواقع"، ولذلك هو سلام عنيف، سلام مروع في خدمة حرب مهولة.
لماذا رأسان لهتلر؟
إذا حللنا بدقة خطابات وممارسات نتنياهو وترامب السياسية، نرى أن النقاط التي عددناها لأيديولوجيا هتلر حاضرة بقوة بينهما. لكنها حاضرة بطرق مختلفة، وبالأخص بأساليب متباينة، وهذا الاختلاف ليس من قبيل المصادفة، بل يهدف إلى تعزيز فعالية كليهما. فبينما تولى هتلر بنفسه مع ريبنتروب وغورينغ وغيرهما اقتراح معاهدات السلام ومقاطعتها متى ما سنحت له الفرصة، بهدف تصعيد الحرب، نجد اليوم تقسيمًا للعمل بين هتلرين، أحدهما يقترح المفاوضات وخطط السلام وهو ترامب، والآخر يقاطعها ويصعد الحرب وهو نتنياهو.
وحدهم السذج لا يظنون أنهما ليسا متواطئين، أو على الأقل، أنه لا يوجد اتفاق بينهما على قبول ما يفعله الآخر، ما دام أنه يخدم الهدف المشترك المتمثل في تدمير الشعوب الإسلامية في الشرق الأوسط، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وتحييد الصين، بينما مأساة ومفارقة عصرنا تكمن في أن هتلر واحد يحتاج إلى هتلرين برأسين، هما وحش عصرنا.