في الطريق إلى "بكين 2"... لبنان ساحة تعاون بدل الصراع بين الرياض وطهران

السعودية وعلاقاتها الثنائية مع إيران، مرشّحة لدخول طور جديد، تزامناً مع إعادة ضبط وتقويم، لمجمل العلاقات والمقاربات في السياستين الخارجية والدفاعية، وما تمليه من إعادة نظر في خرائط التحالفات والأولويات.

  • توّخت السعودية الحذر في مقاربة ملف الحرب.. لم تنزلق إلى أتونها رسمياً وعلناً على الأقلّ.
    توّخت السعودية الحذر في مقاربة ملف الحرب.. لم تنزلق إلى أتونها رسمياً وعلناً على الأقلّ.

خضع "اتفاق بكين" بين السعودية وإيران، لأول وأعنف اختبار له منذ إبرامه في العام 2023، ويمكن القول إنّ الاتفاق نجا من القصف المتبادل، بالصواريخ والاتهامات بين الجانبين، وإن كان تعرّض لإصابات غير قاتلة، قد تستلزم مراجعته وإعادة صياغته، وفقاً لما تكشّفت عنه الحرب من نتائج وتداعيات، وتأسيساً على ما توصّل إليه الفريقان من خلاصات ودروس وعِبر.

حبل الدبلوماسية بين الرياض وطهران، لم ينقطع طيلة أسابيع الحرب والهدنة... ظلّ ممدوداً تحت ستار كثيف من دخان المعارك على ضفتي الخليج وفي مياهه، بخلاف ما ذهب إليه "المُتطيّرون"، الذين نعوا مسبقاً، أيّ شكل من أشكال التعاون المستقبلي بين الدول المتشاطئة... أدرك الجانبان مبكراً، بأنّ للجوار والجغرافيا "قواعد حاكمة"، هيهات أن يفلت من إسارها أحدٌ ممن ما زالت لديهم ذرة من منطق وعقلانية، وما زالوا يخضعون حساباتهم لمصالح أعلى وطنياً وإقليمياً.

وكان لافتاً حقاً، أنّ لبنان سيصبح في مرحلة لاحقة من مراحل تطوّر الحرب الإسرائيلية عليه، ساحة للتعاون بين القوتين الإقليميتين الوازنتين، بدل أن يظلّ ساحة صراع وتسوية حسابات، كما ظنّ بعض اللبنانيين وأَمِلَ... واليوم، يمكن القول إنّ لبنان الذي أُريد له دخول العصر الأميركي-الإسرائيلي وأن يستقرّ فيه، بات بمقدوره أن يتكئ على هذا التعاون الثنائي، للإفلات من غلواء الشروط والمطالب "المفرطة" و"المبالغ بها" وفقاً للتعابير الإيرانية، التي تسعى واشنطن، وبالأخص "تل أبيب" لفرضها عليه.

وإن كانت طهران قد أكّدت، بالقول والفعل، فكرة "تلازم مسارَي" الحرب والتهدئة، إيرانياً ولبنانياً، ووضعت "مضيق هرمز مقابل وقف إطلاق النار في لبنان"، فإنّ الرياض باعتراف عدة أطراف لبنانية، أدّت دوراً إيجابياً داعماً لوقف العدوان ابتداءً، والحدّ من اندفاعة بعض أركان السلطة للتفاوض المباشر رفيع المستوى مع "تل أبيب" في مرحلة لاحقة، والأهم، احتواء حالة الفرز والاحتقان والاستقطاب التي سيطرت على المجتمع اللبناني وقواه السياسية ما أن صمتت المدافع، وربما، بما يسمح بتبديدها، وحفظ السلم الأهلي ومنع لبنان من الانزلاق في أتون احتراب أهلي، لا مصلحة لأحد به، سيما في هذا الظرف الاستراتيجي الحسّاس للغاية.

هي نقاط التقاء ثلاث، شكّلت أرضيّة لتعاون سعودي-إيراني في لبنان، ومن أجله، وقد تكون مدخلاً للانتقال من حالة صراعيّة أو تنافسيّة بالتعبير الدبلوماسي المُلطّف، إلى فضاء لتعاون ثنائي، مرشّح لجذب المزيد من اللاعبين الإقليميين والدوليين إلى ساحته، من بينهم تركيا ومصر وقطر، وربما فرنسا على الضفة الأخرى من المتوسط، وقد يصبح هذا "الإطار" غير المرشّح لبلوغ ضفاف "التحالف" في المدى المرئي والمنظور، شبكة أمان للبنان، في مواجهة نزعات الهيمنة الأميركية ونزوع التوحّش الإسرائيلي.

قناتان دبلوماسيتان، مفتوحتان لإدارة هذا التحرّك: الأولى، واسعة وعريضة، وتختصّ بقضايا الإقليم الأكبر والأخطر، ويقودها وزراء خارجية البلدين، فيصل بن فرحان وعباس عراقتشي، وبينهما سفير إيران النشط في الرياض... والثانية، لبنانية - سعودية، عنوانها الرئيس نبيه بري والأمير يزيد بن فرحان وبينهما المعاون النشط لرئيس حركة أمل علي حسن خليل.

الموقف السعودي، محاولة للفهم

قبل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، كانت المملكة تُجري مراجعة، تقييماً وتقويماً، لما يمكن اعتباره "مهدّدات الأمن القومي" للسعودية، وكانت "إسرائيل" تنتقل بموجب هذه المراجعة، من موقع "الحليف المحتمل"، والتطبيع "المُستحقّ" معه، إلى موقع "التهديد الكامن"، سيما بعد انفضاح فظاعات التوحّش والفاشية في حرب التطهير والإبادة على غزة، وما تخلّلها من استهداف للعاصمة القطرية وقادة حماس فيها، ومع تطاير خرائط "إسرائيل الكبرى" التي تبارى أصحابها من أركان اليمين الفاشي، في توسيع حدودها لتشمل مناطق واسعة في العمق السعودي ذاته.

وجدت المملكة لنفسها "منزلة بين منزلتين"، فلا هي ذهبت حدّ التحالف مع إيران ومحورها، وإن كانت قد شرعت في "تطبيع" العلاقات مع طهران، في إثر اتفاق بكين... ولا هي ظلّت على رهاناتها القديمة حول ما يمكن لواشنطن أن تنجزه من أطر إقليمية للأمن والتعاون، بمشاركة قيادية من "تل أبيب"، أخذت عناوين "ناتو شرق أوسطي" أو تحالف "إسرائيل" مع "عرب الاعتدال"، تحت مظلة "السنتكوم".

وجدت المملكة في كلّ من تركيا ومصر والباكستان، ضالتها، لينشأ هذا الإطار الرباعي (السنّي)، الذي تخطّت العلاقة بين أطرافه أشكال التنسيق المعتاد، من دون أن تبلغ ضفاف التحالف (المحور) بعد... كانت تلك خطوة في الاتجاه الصحيح، وإن كان البعض رأى فيها "دعسة ناقصة"، لن تكتمل إلا بتحويل هذه الرباعي إلى خماسي، بضمّ إيران إليه، في إطار منظومة إقليمية للأمن والتعاون، وإن بعد حين.

أثار سلوك المملكة قلقاً إسرائيلياً، ولم تنظر إليه واشنطن بعين الارتياح، إذ كان ترامب (وما زال) يعطي أولوية قصوى لاستكمال المسار الإبراهيمي بإلحاق الرياض إلى إحدى قاطراته، أما نتنياهو فقد نظر إلى هذا "الرباعي" بوصفه إيذاناً بولادة "محور راديكالي سنّي" لا يقلّ خطورة عن "محور إيران الشيعي"، يستوجب العمل على إنشاء "محور سداسي" مضادّ في المقابل، يضمّ "إسرائيل" والهند وأثيوبيا والإمارات وكلاً من قبرص واليونان.

وإن كان اندلاع الحرب، وما ترتّب عليه من تأزّم في العلاقات بين الرياض وطهران، قد باعد ما بين العاصمتين، إلا أنه كما يتضح حتى الآن على أقلّ تقدير، لم يقرّب المملكة من "إسرائيل" والولايات المتحدة... فالرياض تعرف أنّ "تل أبيب" هي "مُحراك الشرّ" في الإقليم، وهي من قادت واشنطن من قرونها لخوض غمار هذه الحرب، وهي وحدها من يجد لنفسه مصلحة في إشاعة الفوضى والحروب المتناسلة وتفتيت المنطقة من قزوين إلى شرق المتوسط مروراً بدول الخليج.

والرياض كذلك، خاب ظنها في "شبكة الأمان والحماية" التي طالما وعِدَت بها من واشنطن، ودفعت ثمنها ترليونات الدولارات، لا "تل أبيب" معنية بأمن المملكة ورفاهها وسلامة أراضيها، ولا واشنطن تنظر إلى كلّ الخسائر السعودية في هذه الحرب، إلا بوصفها "أضراراً جانبية"، يتعيّن على العرب دفعها، ذوداً على الدور الأميركي المهيمن وحمايةً لـ "إسرائيل".

توّخت السعودية الحذر في مقاربة ملف الحرب، لم تنزلق إلى أتونها رسمياً وعلناً على الأقلّ، وسعت، بالذات بعد أن أدركت صعوبة تحقيق واشنطن لمراميها وأهدافها، إلى تقصير آجالها والحدّ من تطاير شراراتها، واحتواء ذيولها وتداعياتها... وما يجري في لبنان من حراك على قاعدة "تفاهمات الحدّ الأدنى" مع إيران وحلفائها، ليس سوى "بعضٍ من كلّ" من هذه المقاربة.

بكين 2

صمتت المدافع على ضفتي الخليج، لكنّ الحرب لم تضع أوزارها، وهي مرشّحة لمعاودة أعمالها العدائية بضراوة أشدّ وكُلَفٍ أعلى... وفي ظني أنّ صمود إيران فيها، وخروجها منها باتفاق سياسي متوازن مع واشنطن، يتوّج مسار إسلام آباد، سيدفع المملكة للسير على مسارات ثلاثة:

أوّلها؛ مراجعة اتفاق بكين، الذي قد تراه غير صالح للتعامل مع دروس الحرب وخلاصاتها، وهنا يدور حديث عن ضمانات والتزامات أقوى وأوضح بعدم الاعتداء، تقابله مطالب إيرانية، بعدم السماح للأميركيين الاحتفاظ بقواعد لهم على أرض المملكة، والأهمّ عدم استخدامها للاعتداء على إيران... هذا ملف سيكون ثقيلاً على المفاوضين والوسطاء (الصينيين أو غيرهم) سواء بسواء، سيما وأنه سيشمل أيضاً مسائل تتعلّق بحرية الملاحة وأمن الطاقة وغيرها.

ثانيها؛ أنّ المملكة ستكون بصدد تعزيز علاقاتها على لاعبين إقليميين، أكثر من اعتمادها على واشنطن واللاعبين الدوليّين في حفظ أمنها وسلامة أراضيها، "الرباعي السنّي" مرشّح لتأدية دور أكبر في علاقات المملكة الخارجية والدفاعية، الذاهبة نحو مزيد من التنوّع والتعدّد بدل الاعتمادية المفرطة على واشنطن... ستعزّز التركيز على الاعتماد على الذات في قضايا الأمن والدفاع الوطنيين، من دون إدارة الظهر لواشنطن بالكامل، فالولايات المتحدة إن لم تكن ضامناً موثوقاً للأمن السعودي، إلا أنها على الأقل، ستظلّ مورّداً رئيساً لأفضل ما أنتجته الترسانة والتكنولوجيا العسكرية بالنسبة للرياض.

ثالثها؛ أنّ المملكة ستولي اهتماماً أكبر لمعالجة "خطوط التماس" بينها وبين إيران، ليس على المستوى الثنائي المباشر، فهذه وظيفة "بكين 2"، بل على مستوى الإقليم، بدءاً بلبنان، وليس انتهاء باليمن، وربما تنتقل مناخات التعاون بين الطرفين التي أطلّت برأسها من بيروت، إلى صنعاء، سيما إن انتهت الحرب من دون حاجة لتدخّل من العيار الثقيل في فعّالياتها من قبل أنصار الله الحوثيين.

خلاصة القول، إنّ السعودية وعلاقاتها الثنائية مع إيران، مرشّحة لدخول طور جديد، تزامناً مع إعادة ضبط وتقويم، لمجمل العلاقات والمقاربات في السياستين الخارجية والدفاعية، وما تمليه من إعادة نظر في خرائط التحالفات والأولويات، ما لم يطرأ ما ليس في الحسبان، في إقليم لطالما وصف بـ"الرمال المتحرّكة"، وفي ظلّ نظام دولي، يكتسب من سمات ساكن البيت الأبيض، بعضاً من سماته، وأهمّها الاضطراب والتقلّب وضعف القدرة على التوقّع وسلامة التقدير.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.