"Unherd": نتنياهو لن يرحل بهدوء
أولوية نتنياهو القصوى هي تجنّب خسارة السلطة، لأنّ ذلك قد يعرّضه لخطر السجن. ولهذا، يخشى سياسيون في كتلة التغيير ما قد يفعله تجاه إيران، فالرجل السياسي المحاصر يكون في أخطر حالاته.
-
"Unherd": نتنياهو لن يرحل بهدوء
موقع "Unherd" البريطاني ينشر مقالاً يتناول المأزق السياسي الذي يواجهه بنيامين نتنياهو بعد خسارة أغلبيته البرلمانية، والدور الحاسم الذي قد تؤدّيه الأحزاب العربية في تشكيل حكومة بديلة وإنهاء حكمه.
ويناقش المقال السيناريوهات التي قد يلجأ إليها نتنياهو للبقاء في السلطة، من عرقلة تشكيل حكومة بديلة والتحريض ضد الأحزاب العربية، إلى محاولة تشكيل حكومة وحدة، أو استغلال التصعيد العسكري مع إيران لإعادة توحيد القوى السياسية خلفه.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
من المقلق أن نستعيد هذا الصباح ما كتبه مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل في فيينا عام 1902، عن وضع يشبه ما تواجهه "إسرائيل" اليوم. ففي روايته "التنوي لاند"، أو "الأرض الجديدة القديمة"، التي كُتبت بلغة فاقعة ومباشرة، يتخيّل هرتزل مجتمعاً يخوض انتخابات محتدمة بشأن هوية "الدولة اليهودية".
رواية هرتزل شبه منسية اليوم، وقليلون يعرفون أنّ جوهرها يدور حول صراع انتخابي بين معسكرين: الأول يتزعّمه الدكتور الحاخام غاير، ويسعى إلى تقييد حقّ العرب في التصويت، فيما يضمّ المعسكر المقابل الصهاينة الليبراليين الذين يدافعون عن حقّ العرب في التصويت.
وليس ثمة شكّ في المعسكر الذي يؤيّده هرتزل، إذ يقول أحد أبطال الرواية، في دعوة إلى التمسّك بالقيم التي صنعت "عظمة الدولة": "أقول لكم: عليكم التمسّك بالأشياء التي جعلتنا عظماء، وبالكرم والتسامح وحب الإنسانية، وعندها فقط تكونون صهاينة فعلاً".
في عالم "التنوي لاند" المتخيّل، يُمنى حزب الدكتور الحاخام غاير العنصري بهزيمة ساحقة، فلا يتمكّن من تقديم مرشحين في معظم المناطق التي كان يأمل الفوز فيها. أما في "إسرائيل" اليوم، فتشير النتائج الأولية، بعد فرز أكثر من 60% من الأصوات، إلى حصول كتلة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 56 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لكتلة التغيير التي يقودها غادي آيزنكوت، مع توقّع ارتفاع عدد مقاعدها قليلاً بعد استكمال الفرز.
ويُرجّح أن تذهب المقاعد المتبقّية من أصل 120 مقعداً في الكنيست إلى حزبين عربيين. وقد استيقظ الإسرائيليون أمام سؤال وجودي تطرحه هذه النتائج غير الحاسمة، في ظلّ احتمال أن تصبح الأحزاب العربية صاحبة الكلمة الفاصلة: أي نوع من الديمقراطية تمثّله "إسرائيل"؟
ثمة أمر واحد يبدو واضحاً، وهو أنّ الانتخابات تحوّلت إلى استفتاء على نتنياهو نفسه، وأنه خسر هذا الاستفتاء. فقد تراجعت كتلته من أغلبية بلغت 68 مقعداً في الكنيست السابق إلى أقلية، وفق النتائج الأولية. وتشير الأرقام إلى أنّ معظم الناخبين الإسرائيليين رفضوه هو وحلفاءه، وإن كان ينبغي انتظار النتائج النهائية يوم الخميس، التي قد تحمل بعض التغييرات.
لكنّ خسارة نتنياهو أغلبيته لا تعني بالضرورة إبعاده عن السلطة. ففي السباق الحقيقي، أي تشكيل الحكومة الجديدة، لم تتمكّن كتلة المعارضة المؤلفة من أربعة أحزاب من بلوغ الأغلبية.
ويشكّل العرب نحو خُمس السكان، وقد ارتفع تمثيل أحزابهم في هذه الانتخابات. وتضع النتائج الحالية هذا الادّعاء أمام اختبار حقيقي. فمع أنّ نتنياهو قد يخسر أغلبيته، يبدو أنّ غالبية الناخبين اليهود صوّتوا لكتلته. وهذا يعني أنّ الأحزاب المناهضة له قد لا تتمكّن من تشكيل أغلبية في الكنيست إلا بتحالف كتلة التغيير، المؤلفة من أحزاب يهودية وصهيونية، مع الأحزاب العربية. غير أنّ عدداً من قادة أحزاب المعارضة الأربعة استبعدوا التعاون مع العرب.
والنتيجة أنّ نتنياهو يملك أكثر من طريق للبقاء في السلطة، ما لم يتراجع قادة المعارضة عن تعهّداتهم ويستجيبوا للحسابات الانتخابية. وإذا انتهت الانتخابات إلى كنيست معلّق، فقد تضطر "إسرائيل" إلى إجراء انتخابات جديدة، ما يتيح لنتنياهو التشبّث بالسلطة عبر حكومة تصريف أعمال حتى موعدها. وهذا ما حدث من قبل، ففي عامي 2019 و2020، أجرت "إسرائيل" انتخابات ثلاث مرات في أقلّ من عام، وبقي نتنياهو رئيساً للوزراء طوال تلك الفترة.
لقد حمّلت المعارضة نتنياهو مسؤولية هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، واعتبرته خطراً على مستقبل "إسرائيل". و"إسرائيل" الآن أمام خيارين: إما تشكيل حكومة أقلية تضمّ حزباً عربياً في الائتلاف، وتحصل على دعم حزب عربي آخر من خارجه لإقصاء نتنياهو، مع الاعتماد على السياسيين العرب، وإما السماح باستمرار حكمه عبر رفض التعاون معهم.
ثمة سابقة لهذا التعاون، حين شارك حزب "رعم"، بقيادة منصور عباس، في الحكومة القصيرة التي ترّأسها نفتالي بينيت بين عامي 2021 و2022. وعلى الرغم من أنّ "رعم" حزب إسلامي الجذور، فإنه يتحدّث عن التعايش مع اليهود. بل إنّ نتنياهو نفسه حاول استمالة الحزب إلى ائتلاف خاصّ به. لكنّ الأمر أصبح أكثر تعقيداً بعد عام 2023، بعدما اتهمت كتلة نتنياهو عباس بالمراوغة في موقفه من اعتبار "حماس" منظمة إرهابية ينبغي "تدميرها".
ولتعزيز فرص حزبه في المشاركة بالحكومة، اختار عباس يوآف سيغالوفيتش، وهو مسؤول سابق في الشرطة الإسرائيلية، ليشغل المرتبة الثانية على قائمة الحزب. ويبدو أنّ "رعم" وكتلة التغيير لن يحصلا وحدهما على المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل أغلبية في الكنيست. وقد يحتاجان أيضاً إلى أصوات القائمة العربية المشتركة، وهي ائتلاف يضمّ أحزاباً قومية فلسطينية صريحة، وحزب "حداش" الشيوعي العريق. ومن غير المرجّح أن ينضمّ هؤلاء إلى ائتلاف التغيير، لكنهم أعلنوا استعدادهم لتوفير الأصوات اللازمة لتمكين حكومة أقلية من إزاحة نتنياهو.
ويتمثّل المطلب الأهم للعرب في اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الجريمة المنظمة المستشرية، التي تفاقمت بشدة خلال تولّي القومي المتطرف إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي وإشرافه على الشرطة. وقد وضع عباس سيغالوفيتش في المرتبة الثانية على قائمة حزبه، أملاً في أن يحلّ محل بن غفير، وأن يؤدي دور الوسيط بين اليهود والعرب.
كما أبدى عباس رغبته في اتخاذ إجراءات ضدّ العنصرية، وتغيير السياسة الإسرائيلية التي تسمح بهدم المنازل العربية المبنية من دون تراخيص. ويريد الحزبان العربيان أيضاً استثمارات في التنمية المحلية والمرافق التعليمية.
اقرأ أيضاً: "972+": كيف رفع بن غفير وسموتريتش مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات إلى مستوى تاريخي؟
أما القضية الفلسطينية، التي تهيمن على المشهد، فمطالب "رعم" بشأنها محدودة نسبياً، فيما يتجنّب عباس الخوض فيها. ويعكس هذا الاعتدال، بحسب المقال، تنامي مشاركة العرب في المجتمع الإسرائيلي، مع ارتفاع معدلات الالتحاق بالجامعات والانخراط في المهن، ولا سيما في قطاع الرعاية الصحية. ولدى الحزبين العربيين قاعدة صغيرة من الناشطين اليهود الذين يؤمنون بإمكان بناء شراكة اجتماعية متعددة الأعراق.
وفي "إسرائيل"، دعت أصوات مؤيّدة لمعارضة آيزنكوت إلى التحرّك بثقة وحزم لبناء هذه الشراكة اليهودية العربية، كما كان نتنياهو سيفعل لو كان في موقعهم. فقليل من أنصار كتلة التغيير يعتقدون أنّ انتخابات جديدة ستمنحهم نتائج أفضل. ومن غير المرجّح أن تتكرّر مجموعة الظروف التي ساعدتهم هذه المرة، ومنها ارتفاع المشاركة العربية، والاضطراب داخل الأحزاب اليهودية الحريدية المتشددة، والحشد الكبير للناخبين الليبراليين الإسرائيليين، إضافة إلى عودة ناخبين من الخارج للمشاركة في التصويت.
ومن المؤكد أيضاً أنّ حزب آيزنكوت قد يخسر مقاعد في انتخابات جديدة. فقد ضمّ إلى قائمته جنرالات سابقين في "الجيش" الإسرائيلي دخلوا السياسة بهدف الإطاحة بنتنياهو، لكنهم اكتشفوا أنّ الخبرة العسكرية والانضباط لا يكفيان لخوض المعارك السياسية. وهم يشبهون في ذلك بيني غانتس، الضابط السابق الذي ارتفع حزبه إلى 35 مقعداً، قبل أن ينسحب من هذه الانتخابات بعدما فقد حتى الحد الأدنى من الدعم. وكان خطؤه الكبير دعم حكومة نتنياهو، على أساس وعد بمنحه دوراً رئيسياً في رئاسة الوزراء لم يتحقّق.
هذه هي، إذاً، فرصة التحالف المناهض لنتنياهو. فإذا بقيت النتائج قريبة من التوقّعات الحالية، فسيتوقّف ما يحدث لاحقاً على شخصية آيزنكوت وقدرته على المناورة. فهل يمتلك هذه القدرة؟ أم أنه، كما يقول منتقدوه، رجل عسكري جامد اعتاد إصدار الأوامر والعمل ضمن عالم الجيش المنضبط، ويجد نفسه اليوم في مواجهة أحد أشرس السياسيين في العالم؟
في الوقت الراهن، يبدو أنّ أمام آيزنكوت طريقاً لتشكيل حكومة أقلية مدعومة من الأحزاب العربية، وتشكيل لجنة تحقيق طال انتظارها لكشف إخفاقات نتنياهو في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وقد يسعى بعد ذلك إلى توسيع تحالفه عبر استقطاب منشقّين عن اليمين، أو حتى تشكيل حكومة وحدة مع "حزب الليكود" في مرحلة ما بعد نتنياهو.
ستكون هذه الحكومة هشّة، وربما لا تبقى طويلاً، لكنها قد تنهي مسيرة نتنياهو السياسية، وتتركه في مواجهة محاكمة الفساد وتداعيات الإخفاقات الأمنية، من دون الحماية التي يوفّرها له موقعه في السلطة.
اقرأ أيضاً: "المونيتور": كيف قد تساهم المكاسب الانتخابية للأحزاب العربية في الإطاحة بنتنياهو؟
أما استراتيجية نتنياهو للمستقبل، فتبدو واضحة. سيحاول تشويه شرعية الأحزاب العربية والأصوات العربية، وتأجيج الكراهية والتحريض، لردع المعارضة عن التحالف معها والاستفادة من المقاعد التي يمكن أن تطيح به. ومن المرجّح أن يسعى خصوصاً إلى الضغط على معارضين من اليمين، مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، وتخويفهم من شراكة يهودية عربية تهدف إلى التغيير.
وفي الوقت نفسه، سيحاول نتنياهو تكرار ما فعله سابقاً، أي توحيد أغلبية صهيونية حوله في حكومة يبقى رئيساً لها. وقد يعرض التخلّي عن الأحزاب الصهيونية الدينية المتطرفة، بقيادة إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، التي ترفضها المعارضة ولا تحظى بقبول عدد من الدول الغربية.
ومن المتوقّع أن يستعين بدونالد ترامب لدعم هذا المسعى، وأن يطرح ضرورة استئناف الحرب على إيران. وتخشى المعارضة أن يستغل نتنياهو موقعه، حتى لو كان رئيساً لحكومة مؤقتة، لبدء مواجهة واسعة جديدة مع طهران، ما يضع آيزنكوت، بوصفه جنرالاً سابقاً، تحت ضغط الوقوف خلفه.
وقد يؤدّي ذلك إلى إرباك المشهد السياسي، بالتزامن مع عودة صواريخ حرس الثورة الإيراني إلى السقوط على "إسرائيل". فأولوية نتنياهو القصوى هي تجنّب خسارة السلطة، لأنّ ذلك قد يعرّضه لخطر السجن. ولهذا، يخشى سياسيون في كتلة التغيير ما قد يفعله تجاه إيران، فالرجل السياسي المحاصر يكون في أخطر حالاته.
أما حلم نتنياهو النهائي، فهو دفع عدد كافٍ من أحزاب المعارضة إلى قبول اتفاق لتشكيل حكومة وحدة وتناوب على رئاستها، على أن يتولى هو رئاسة الوزراء أولاً، مقابل إسقاط محاكمته في قضايا الفساد، ثمّ الانتقال إلى رئاسة "الدولة" في عيد ميلاده التاسع والسبعين بعد عامين، عندما تنتهي ولاية الرئيس الحالي.
وقد يوافق، لإتمام الصفقة، على عدم البقاء في المنصب لفترة أطول. وبهذا، قد ينجو من تحمّل المسؤولية عن هجوم "حماس" وما أعقبه.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.