"Tom Dispatch": دور القوّة العظمى إلى انحسار
تُشكّل الحرب المتعثرة مع إيران تراجعاً دراماتيكياً للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
-
يمنيون يدوسون على علمَي أميركا و"إسرائيل".
موقع "Tom Dispatch" ينشر مقالاً يتناول تراجع النفوذ العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، في مقابل تصاعد دور حركة "أنصار الله" في اليمن، على خلفية إخفاقات واشنطن في حروبها ضد إيران وعجزها، بحسب الكاتب، عن حماية قواعدها العسكرية وحلفائها الإقليميين.
يرى الكاتب أنّ صمود إيران وتصاعد قدرات "أنصار الله" كشفا حدود القوة العسكرية الأميركية، وأساهما في تقويض النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، في ما يصفه بأكبر تراجع إقليمي لواشنطن منذ انسحابها من فيتنام عام 1975.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
فور تولّيه منصبه في عام 2025، دخل الرئيس دونالد ترامب في مواجهة مع جماعة "أنصار الله" في اليمن، التي يطلق عليها الأميركيون عادةً اسم "الحوثيين". وقد تلقّى ترامب درساً جديداً حول حدود القوة العسكرية الأميركية؛ وهو درس سبق أن تأكدت صحته في تجارب متعددة، بدءاً من كوريا ولاوس وفيتنام، وصولاً إلى أفغانستان والصومال والعراق. فبينما يمتلك الجيش الأميركي القدرة على إلحاق دمار هائل، فإنه يعجز عن حسم الحروب، ما لم يكن خصمه طرفاً ضعيفاً للغاية - كما كان الحال في غرينادا وبنما. وبعد أن تسببت القوات الأميركية في مقتل الكثير من المدنيين من دون أن تنجح في كسر عزيمة القوات اليمنية، قرر ترامب بعد أن نال نصيبه من خيبة الأمل إنهاء هذه المواجهة.
بعد ذلك، خاض ترامب حرباً قصيرة ضد إيران، زاعماً أنه دمّر منشآتها النووية بشكل كامل، قبل أن يسخّر كامل ثقل الجيش الأميركي لقتل أعداد كبيرة من المدنيين العزّل - الذين كانوا على متن قوارب وُصفت بأنها مخصصة للمخدرات - واختطاف نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، تلك الدولة الفقيرة والضعيفة.
وفي شباط/فبراير، شنّ ترامب حرباً ثانية ضد إيران، وذلك بعد فشل الجيش الأميركي في تحقيق أهدافه. وهو يزعم الآن أنّ إيران، على الرغم من صراع عام 2025، كانت على بُعد أسبوعين فقط من تطوير صاروخ نووي. وقد سارت حرب ترامب الثانية ضدّ إيران وفق نمطٍ متوقّع؛ إذ تمكّنت الولايات المتحدة بسهولة من تدمير مدرسة ابتدائية، وإلحاق دمارٍ واسع بالمستشفيات والمباني السكنية. لكن في المقابل، تعرّضت قواعدها العسكرية الرئيسة في الشرق الأوسط - التي كانت تشكّل ركيزة النفوذ الأميركي في المنطقة لعقود- للتدمير الكامل؛ كما انكشف عجز واشنطن عن حماية نفسها أو حلفائها، وتجلّت بوضوح نقاط الضعف في شبكة قواعدها المنتشرة حول العالم، بما في ذلك تلك الموجودة داخل الأراضي الأميركية ذاتها.
وبعد إخفاقه مرتين في هزيمة إيران، القوة الإقليمية التي تعاني من ضائقة اقتصادية، يدرس ترامب حالياً خوض حرب ثالثة ضدّها. وإذا ما مضى قدماً في هذا المسعى، فمن المرجح أن يؤدي الصراع إلى إشعال حريق أكبر في المنطقة؛ حيث تواصل جماعة "أنصار الله" منذ أسابيع استهداف المطارات والبنية التحتية النفطية في المملكة العربية السعودية، فضلاً عن استهداف وكلائها في اليمن.
ولفهم القوى التي وقفت في وجه ترامب وأوصلت الأمور إلى طريق مسدود في عام 2025، وتلك التي أحجم عن مواجهتها دفاعاً عن حلفائه السعوديين في عام 2026، يقدّم المقال هذا تحليلاً شاملاً يُعدّ الأفضل من نوعه حول هذه الجماعة التي تصرّ وسائل الإعلام الرئيسة على تسميتها "ميليشيا الحوثي". ويوضح كول كيف كشفت هذه الجماعة عن ضعف أميركي لم تشهده الأجيال منذ عقود.
حدود القوة الأميركية
لقد أدى فشل "تل أبيب" وواشنطن في تحقيق أهدافهما الحربية المتعلقة بإيران إلى أكبر تراجع أميركي من منطقة ما منذ الانسحاب الأميركي من فيتنام عام 1975. وقد برزت هذه الهزيمة الأميركية المدوية — التي جاءت بعد جيل من الإخفاقات والجمود في حروب لا تنتهي — بشكل جليّ مع تجدّد صراع إقليمي آخر، لم يحظَ إلا بالقليل من الاهتمام مقارنةً بالحرب المتعثّرة التي خاضتها إدارة ترامب ضدّ طهران. ففي خريف هذا العام، شنت القوات التي يعرفها معظم الأميركيين باسم "الحوثيين" هجوماً خاطفاً داخل اليمن، وشرعت في استهداف البنية التحتية للطيران والطاقة في المملكة العربية السعودية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة. وبذلك، سلّطت هذه القوات الضوء على حدود القوة الأميركية، وعلى تقلّص الحضور العسكري للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
وعاد الصراع طويل الأمد بين المملكة العربية السعودية وجماعة "أنصار الله" في شمال اليمن — التي يقودها الحوثيون — إلى الاشتعال مجدّداً في تموز/يوليو 2026، عندما قصفت السعودية مطار صنعاء الدولي لمنع وفدٍ حوثي من الهبوط أثناء عودته من إيران بعد المشاركة في مراسم جنازة آية الله علي خامنئي. وردت حكومة "أنصار الله" بشنّ هجماتٍ خاصة بها، ونجحت في تشرين الأول/أكتوبر في إغلاق أحد المطارات السعودية لفترة وجيزة. بعد ذلك، توسعت دائرة الحرب المتجددة لتتحوّل إلى صراعٍ إقليمي؛ إذ تعهّدت كل من باكستان وتركيا، ومؤخراً مصر، بالدفاع عن المملكة ضد أي هجوم، على الرغم من أنّ أياً من هذه القوى الإقليمية لا يبدو متحمساً لتنفيذ عمليات عسكرية داخل اليمن نفسه. واللافت في هذا الصراع غياب أقوى حلفاء المملكة العربية السعودية، وهي الولايات المتحدة؛ إذ رفض الرئيس دونالد ترامب مراراً التدخّل لصالح حلفائه السعوديين.
يُعدّ التوصيف الشائع في الصحافة الأميركية لحركة "أنصار الله" بأنها "ميليشيا مدعومة من إيران" توصيفاً غير دقيق؛ فالحركة تستند في تحرّكاتها إلى دوافع محلية وقومية عربية، كما أنها تمثّل سلطة حكم متكاملة تسيطر على نحو 80% من سكان اليمن. ومع ذلك، فهي تتلقّى بالفعل دعماً تقنياً وعسكرياً سرياً من إيران، لكنه لا يرقى بأي حال إلى مستوى الدعم الأميركي للسعودية، الذي يشمل أسلحة متطورة تقدّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات — بدءاً من التجهيزات التي تحوّل القنابل "الغبية" (غير الموجّهة) التي تزن 2000 رطل إلى ذخائر دقيقة التوجيه، وصولاً إلى الصواريخ المتطورة "جو-جو". ومن المفارقات أنّ الحرب التي شنها ترامب على إيران بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أدّت إلى إضعاف السعودية وكشفت عن ثغراتها أمام الهجمات العسكرية بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية؛ الأمر الذي دفع الرياض للسعي نحو تحقيق انتصار رمزي على خصم أقل قوة في اليمن المجاور. غير أنّ نقاط الضعف التي كشفت عنها الطائرات المسيّرة الإيرانية شجّعت "أنصار الله" على توجيه ردود قوية وحازمة.
القوى العظمة المتضائلة
يشير رفض الولايات المتحدة الانضمام إلى الحرب التي تقودها المملكة العربية السعودية إلى تراجع عميق في القدرات الأميركية ومكانة واشنطن في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود، هيمن الجيش الأميركي على المنطقة من خلال شبكة تضم نحو 20 قاعدة رئيسة؛ حيث كانت البحرية الأميركية تدير عملياتها انطلاقاً من مقر الأسطول الخامس في المنامة بالبحرين، بينما نفّذت القوات الجوية الأميركية مهامها من قاعدة "العديد" الجوية الضخمة في قطر، التي كانت تضم 10 آلاف فرد من القوات الأميركية. كما تمركزت آلاف القوات البرية في كلّ من الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن. وقد اعترفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بأنّ "الضربات الإيرانية ألحقت أضراراً جسيمة ودمّرت مئات المباني والمنشآت في القواعد الأميركية في كل من الكويت، والبحرين، وقطر، والإمارات، والسعودية، والعراق، وعمان، والأردن خلال الصراع. إضافة إلى ذلك، دُمّرت أو تضرّرت عشرات الطائرات الأميركية".
وقد دُمّرت القاعدة البحرية في المنامة، التي تُعدّ واحدة من أهم المنشآت البحرية الأميركية ومقراً للأسطول الخامس، من جرّاء الضربات الإيرانية. حتى أنّ القائم بأعمال وزير البحرية، هونغ تساو، اعترف الشهر الماضي بأنّ إيران "دمّرت البحرين تدميراً شاملاً". وقد أدّى فقدان قاعدة المنامة إلى نقص في الإمدادات وتراجع في الروح المعنوية على متن حاملة الطائرات "يو أس أس لينكولن" وغيرها من السفن التي تجري دوريات في مضيق هرمز، الأمر الذي وضع وزير الدفاع بيت هيغسيث في موقف لا يُحسد عليه.
كما تعرّضت مكاتب وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في السفارة الأميركية بالرياض للتدمير الكامل. واستهدفت إيران "مركز العمليات الجوية المشتركة" في قاعدة "العديد" بقطر - وهو المركز الذي كان "البنتاغون" يدير منه على مدى عقود ضرباته ضدّ أعداء متنوّعين، بدءاً من حركة طالبان وصولاً إلى تنظيم "داعش" - مما جعله خارج الخدمة تماماً. وبموازاة ذلك، تمّ سحب جميع القوات الأميركية من العراق؛ وهي عملية تسارعت وتيرتها بسبب عجز أنظمة الاعتراض الصاروخي الأميركية عن حماية هذه القوات من هجمات إيران والحركات الشيعية المتحالفة معها هناك.
لقد أدّى استخدام إيران لأسراب من طائرات "شاهد" المسيّرة إلى استنزاف جزء كبير من مخزون الولايات المتحدة و"إسرائيل" من الصواريخ الاعتراضية، وهي صواريخ يتطلّب استبدالها وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. ففي حين لا تتجاوز تكلفة طائرة "شاهد" الأساسية 20 ألف دولار – على الرغم من أنّ النسخ الأحدث والمحصّنة منها أعلى تكلفة - تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد من طراز "باتريوت" إلى 4 ملايين دولار. ومن بين الأسباب التي قد تجعل إدارة ترامب متردّدة في التدخّل في اليمن، أنه في حال تعذّر على الولايات المتحدة تنفيذ مهام جوية انطلاقاً من قاعدة "العديد"، ومع عدم وجود ضمانات بحماية أيّ أسراب جديدة من الطائرات المقاتلة في المنطقة من التهديدات الإيرانية - ولا سيما في ظلّ النقص في الصواريخ الاعتراضية - فإنّ قدرة "البنتاغون" على إنقاذ أي طيارين أميركيين يتم إسقاط طائراتهم فوق اليمن ستكون محدودة للغاية.
ضعف أميركا الشديد في منطقة الشرق الأوسط
شنّت المملكة العربية السعودية حرباً ضدّ حركة "أنصار الله" الصاعدة في عام 2015، وذلك بعد أن نفّذت الحركة انقلاباً في العاصمة صنعاء. وتستمد حركة "أنصار الله" جذورها من المذهب الزيدي الشيعي في اليمن، وإن كانت أكثر تطرّفاً من الزيدية التقليدية. (يختلف الشيعة الزيديون جوهرياً عن الشيعة الإيرانيين، إذ ليس لديهم مرجعية "آية الله" وتربطهم علاقات جيدة نسبياً بالسنة).
يشكّل الزيديون نحو ثلث سكان اليمن، ويتركّز وجودهم في شمال البلاد. ولطالما أبدى الكثير منهم استياءهم من هيمنة المملكة العربية السعودية - جارتهم السنية الغنية بالنفط - على حياتهم السياسية والثقافية. وتتبنى السعودية رسمياً أيديولوجية "الوهابية" المتشددة، وهي شكل متزمت من الإسلام يصرّ على التفسير الحرفي للقرآن. وقد أثار النشاط الدعوي الوهابي في أوساط الشيعة غضب جماعة الحوثي، التي بدأ أتباعها في التمرد ضد حكومة الديكتاتور العسكري علي عبد الله صالح عام 2004. ولكن بعد الإطاحة بصالح في إثر احتجاجات شعبية خلال "الربيع العربي" عام 2012، تحالف صالح تدريجياً مع الحوثيين؛ وبحلول عام 2015، انضم نحو نصف الجيش اليمني إلى صفوفهم، إلى جانب بعض القبائل السنية الكبرى.
ورداً على صعود الحوثيين، بدأ تحالف تقوده السعودية - بمشاركة الإمارات العربية المتحدة - في قصف اليمن عام 2015. وحتى عام 2022، قدّمت الولايات المتحدة - التي كانت تتمتع حينها بهيمنة عسكرية في المنطقة - للسعوديين مشورة استراتيجية وأسلحة، ووفّرت خدمة التزوّد بالوقود جواً لطائراتهم المقاتلة المشاركة في الحرب. ومع ذلك، تسبّبت نزعة الرياض لقصف البنية التحتية المدنية، بدلاً من الاكتفاء باستهداف المواقع العسكرية، في نشوء توترات بين الحليفين. وعلى الرغم من تمكّن السعودية وتحالفها من طرد الحوثيين من أجزاء واسعة من جنوب البلاد، بما في ذلك مدينة عدن، إلا أنهم فشلوا في إخراجهم من الشمال. وقد أقرّت السعودية ضمنياً بفشلها من خلال قبول هدنة - برعاية الأمم المتحدة – في نيسان/أبريل 2022، وهي الهدنة التي ظلت قائمة إلى حدّ كبير حتى الصيف الماضي.
تأثير الحروب الأبدية
ساهمت الحروب الأبدية التي تشنها الولايات المتحدة ضد دول الشرق الأوسط، التي ترفض المشروع الإسرائيلي أو الاستعمار الجديد للشركات الأميركية، في إشعال فتيل الصراع السعودي- اليمني مجدداً. وتُعدّ إيران آخر دولة رئيسة في المنطقة ترفض "إسرائيل" وتغلق أبوابها أمام استثمارات الشركات الأميركية؛ وهو موقف يغذي جزءاً كبيراً من العداء الذي تكنّه واشنطن لها. وبناءً على ذلك، تمكّن نتنياهو - بصفته زائراً يحظى بامتياز دخول "غرفة العمليات" في البيت الأبيض- من إقناع ترامب بسهولة بشنّ هجوم على إيران في شباط/فبراير.
وقد ثبت أنّ التوقّعات السطحية لنتنياهو ورئيس جهاز "الموساد" آنذاك، ديفيد برنيع - بأنّ الجمهورية الإسلامية ستنهار إذا ما اغتالت "إسرائيل" آية الله السيد علي خامنئي ونحو 50 شخصية رفيعة المستوى في النظام - لم تكن سوى أوهام واهية. كما انقلبت الفكرة القائلة بأنّ إيران ستكون عرضة للانهيار تحت وطأة حصار نفطي مشدّد؛ فبعد استشهاد السيد علي خامنئي، صعد إلى الحكم تيارٌ من المتشدّدين، معظمهم من قدامى المحاربين الذين خاضوا الحرب العراقية-الإيرانية الضارية في ثمانينيات القرن الماضي. وقد انتهج هؤلاء القادة الجدد سياسة "تقويض" النفوذ الأميركي، مستهدفين القواعد العسكرية الرئيسة للولايات المتحدة في المنطقة.
وقد تسبّبت إيران في أزمة طاقة عالمية أعادت إلى الأذهان ذكريات أزمة السبعينيات. وكان من الممكن أن تكون هذه الأزمة أكثر تدميراً لولا تدخّل الصين، التي طرحت كميات من النفط من احتياطياتها الضخمة (الخاصة والعامة)، وخفضت وارداتها النفطية من 11.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من 9 ملايين برميل؛ وهو إجراء ساعد عليه جزئياً توجّه الصين نحو المركبات الكهربائية، مما وفّر استهلاك 1.5 مليون برميل يومياً. وعلى الرغم من أنّ ارتفاع أسعار البنزين والديزل ألحق ضرراً بالقارة الآسيوية أكبر مما ألحقه بالولايات المتحدة، إلا أنّ الأسعار ارتفعت على مستوى العالم. كما تأثرت إمدادات الهيليوم الذي يُعدّ عنصراً أساسياً لتبريد رقائق الحاسوب أثناء عمليات التصنيع، بحيث يأتي ثلث الإنتاج العالمي من منطقة الخليج، ما أدّى بدوره إلى ارتفاع أسعار الأجهزة الإلكترونية.
من خلال توجيه ضربات ناجحة إلى المملكة العربية السعودية، أثبتت إيران أنّ قدرة المملكة على حماية نفسها ليست تامة، وأنّ بنيتها التحتية عرضة للاختراق. كما أظهرت إيران - عبر فرض حصار على مضيق هرمز بطريقة واجهت الولايات المتحدة صعوبة في إنهائها - مدى هشاشة الممرات البحرية العالمية الحيوية؛ وهو أمر سبق أن سلّطت جماعة "أنصار الله" الضوء عليه من خلال استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، احتجاجاً على الإبادة الجماعية في غزة.
حصارٌ مقابل حصار
عندما قصفت القوات السعودية مطار صنعاء في تموز/يوليو 2026، خلصت قيادة "أنصار الله" إلى أنّ الرياض تشكّل خطراً وجودياً مستمراً على كيانها، وأنها تسعى إلى خنق الاقتصاد اليمني، على غرار ما فعلته "إسرائيل" في قطاع غزة. إضافة إلى ذلك، استشعرت إمكانية تقليص نفوذ المملكة في أعقاب فشل الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران. وكما أضعفت إيران دول الخليج العربية من خلال فرض حصار على مضيق هرمز، اعتقد الحوثيون أنّ بإمكانهم إلحاق ضرر جسيم بالاقتصاد السعودي عبر منع حركة الملاحة المتجهة إلى الرياض عبر مضيق باب المندب —أو "مضيق الدموع"— الواقع بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وقد شهدت الصادرات السعودية عبر مضيق هرمز تراجعاً كبيراً، لكنّ المملكة امتلكت متنفّساً بديلاً، تمثّل في خط أنابيب "الشرق-الغرب" الممتد إلى مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر؛ حيث كانت السفن التي تشحن نفطها من ينبع تتجه نحو الأسواق الآسيوية الرئيسة للمملكة عبر مضيق باب المندب. ومن ثم، أدرك "أنصار الله" أنهم إذا نجحوا في بثّ الرعب في نفوس قادة ناقلات النفط العابرة لهذا الممر، فسيتمكّنون من تقليص إيرادات المملكة بشكل أكبر. وفي هذا السياق، حذّر المتحدّث باسم الحوثيين، محمد عبد السلام، من أنّ منع الملاحة السعودية ليس سوى خطوة أولى ضمن استراتيجية قائمة على مبدأ "حصار مقابل حصار". لم تكن هذه الفكرة وليدة اللحظة؛ فقد سبق للسعودية والولايات المتحدة، خلال الحرب التي استمرت 7 سنوات بين السعودية واليمن، أن حاولتا مراراً فرض حصار على واردات الوقود المتجهة إلى شمال اليمن.
وخلال الأشهر الـ3 التي تلت ذلك، نشرت حركة "أنصار الله" صواريخ وطائرات مسيّرة صُنعت استناداً إلى نماذج إيرانية، وبأيدي مهندسين عسكريين— كانوا يعملون سابقاً في ظل الحكومة الوطنية للرئيس علي عبد الله صالح، وانضم كثير منهم لاحقاً إلى الجناح العسكري لـ"أنصار الله"—في ما بات يُعرف بـ"المجمع الصناعي العسكري" اليمني.
وكما أثبتت أنظمة الاعتراض التابعة للمملكة عجزها عن منع الضربات الإيرانية التي استهدفت مواقع مثل قسم وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في السفارة الأميركية بالرياض، فقد فشلت أيضاً في بعض الأحيان في التصدي لوابل الصواريخ والطائرات المسيّرة المقبلة من اليمن. وقد تعرّضت مصافٍ ومنشآت نفطية - بما في ذلك المقر الرئيس لعملاق النفط السعودي "أرامكو" في الظهران- للقصف. وفي تشرين الأول/أكتوبر، تمكّنت جماعة "أنصار الله" من إغلاق مطار الرياض الدولي، في خطوة تماثل محاولة السعوديين إغلاق مطار صنعاء في تموز/يوليو. كما توسّعت "أنصار الله" خارج معاقلها الجبلية وتقدّمت بقوة نحو الساحل الجنوبي الغربي لليمن، حيث سيطرت على ميناء المخا الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب. وبالتوازي مع ذلك، تحرّكت الجماعة نحو مدينة تعز - وهي مدينة صناعية داخلية يبلغ عدد سكانها قرابة مليون نسمة، وتُعدّ واحدة من آخر التجمّعات السكانية الكبرى التي لم تكن خاضعة لسيطرتها - في حملة وضعت الحكومة اليمنية الصغيرة المدعومة من السعودية، بقيادة رشاد العليمي في عدن، أمام اختبار صعب لقدرتها على الصمود والمقاومة.
سكان المرتفعات وشيوخ النفط
تماماً كما كانت حرب فيتنام صراعاً واحداً من بين صراعات كثيرة دارت في العالم الثالث خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، فإنّ الحرب السعودية-اليمنية عام 2026 تُعدّ جزءاً من صراع أوسع بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع ذلك، فمثلما كانت حرب فيتنام تتعلّق في جوهرها بمناهضة الاستعمار والقومية والسيادة الفيتنامية، أكثر من تعلّقها بالشيوعية أو بملكية وسائل الإنتاج؛ فإنّ الحرب السعودية-اليمنية تدور حول الاستقلالية اليمنية أكثر من كونها مرتبطة بتحالف الحوثيين الفضفاض مع إيران. فالصراع ليس في المقام الأول مواجهة بين الزيدية والوهابية، على الرغم من أنّ التوترات الدينية تشكّل جزءاً من المشهد، بل هو متجذّر بعمق في صراع بين سكان المرتفعات اليمنية الذين يعانون من فقر مدقع، وبين شيوخ سعوديين يتمتعون بثراء فاحش.
ترتبط النخبة الحاكمة السعودية -التي تمثّل حكماً قائماً على الثروة- ارتباطاً وثيقاً بواشنطن، وتجري صفقات سرية مع الإسرائيليين؛ الذين تشاركهم الشكوك تجاه المقاومة الفلسطينية المعدمة. كما تنظر هذه النخبة إلى جماعة "أنصار الله" باعتبارها أداة في يد إيران داخل شبه الجزيرة العربية، وبأنّ جمهوريين راديكاليين يسعون للإطاحة بالأنظمة الملكية النفطية في المنطقة لصالح نهج شعبوي. من جانبها، تتبنّى حركة "أنصار الله" فكراً قومياً عربياً مناهضاً للولايات المتحدة، وتسعى إلى توظيف الموارد النفطية لخدمة أهداف شعبوية. كما أبدت استعدادها لمهاجمة "إسرائيل" دفاعاً عن الفلسطينيين في غزة ضد الإبادة الجماعية.
وفي الأسبوع الماضي، شنّت جماعة "أنصار الله" هجمات مكثّفة على أهداف في أنحاء المملكة العربية السعودية، مما دفع واشنطن إلى إجراء انسحاب إضافي من المنطقة. فقد استهدفت القوات اليمنية مطار الملك فهد الدولي في الدمام. وذكر متحدّث باسم "أنصار الله" أنّ الجماعة استهدفت أيضاً وزارة الدفاع السعودية في العاصمة الرياض، إضافة إلى منشأة تابعة لشركة "أرامكو" في ينبع، ومطاراً في مدينة أبها الجنوبية. كما وردت تقارير عن هجوم استهدف حقلاً نفطياً آخر تابعاً لشركة "أرامكو".
وفي منشور له على منصة "إكس" بتاريخ 21 تشرين الأول/أكتوبر -عقب موجة الهجمات هذه- كتب تومي بيغوت، المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية، أنّ "الحوثيين صعّدوا من أعمالهم العدائية ضد المملكة العربية السعودية، بما في ذلك شنّ هجمات على مطارات مدنية وبنية تحتية حيوية أخرى". وعلى أثر ذلك، صدرت توجيهات بمغادرة الموظفين الحكوميين الأميركيين - ممن لا تندرج مهامهم تحت فئة الطوارئ - وأفراد عائلاتهم، للأراضي السعودية.
ولا يعدّ هذا سوى أحدث دليل على أكبر تراجع إقليمي للولايات المتحدة منذ نصف قرن، ومؤشر على تدهور عسكري أميركي عميق. وعلى الرغم من أنّ نتيجة الحرب الدائرة بين "أنصار الله" والسعوديين لن تحسم الصراع الأميركي- الإسرائيلي مع إيران، إلا أنّ قدرة "أنصار الله" بحد ذاتها على خوض هذه المواجهة تكشف عن ضعف شديد في الموقف الأميركي في منطقة الشرق الأوسط.
نقلته إلى العربية: زينب منعم.