"The Nation": هل تسير أوروبا وروسيا ببطء نحو الحرب العالمية الثالثة؟
لقد تصاعدت حدّة الخطاب الخطير لدى كلا الجانبين منذ فترة، وبات من الضروري إنهاء هذه الحرب وتجنّب اندلاع حرب أوسع نطاقاً قد تترتّب عليها عواقب أشدّ خطورة، مهما كان الثمن.
-
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
مجلة "The Nation" الأميركية تنشر تقريراً يتناول تصاعد الخطاب العسكري والتهديدات النووية بين روسيا وحلف "الناتو"، والتوسع في التسلّح الأوروبي، متسائلاً عمّا إذا كانت روسيا تشكّل بالفعل التهديد الأكبر لأوروبا، أم أن المخاطر الحقيقية تنبع من داخلها.
ويرى التقرير أنّ الخطر الأكبر على أوروبا قد لا يكون الغزو الروسي، بل العسكرة المتصاعدة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية التي قد تتفاقم نتيجة سباق التسلّح.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية بتصرف:
يُعدّ تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخير بشأن قدرة روسيا على "استخدام جميع الأسلحة الُمتاحة لنا" أكثر حديث صريح عن حرب نووية يصدر عن قوة عظمى منذ أن طرحت إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان احتمال "خوض حرب نووية يمكن الانتصار فيها" قبل أكثر من 40 عاماً.
إنّ الخطاب التصعيدي الخطير آخذ في التفاقم لدى كلا الجانبين منذ فترة. ولا شك في أن التهديد الروسي يمثل تهديداً حقيقياً لأوكرانيا. لكن في أماكن أخرى، تبدو اللغة المبالغ فيها بشأن التهديد الروسي مثيرة للدهشة، مثل قول القائد الأعلى لحلف "الناتو": "جميعنا دول على الجناح الشرقي الآن"، بينما زعم أحد الباحثين البريطانيين أن "بريطانيا دولة في خط الجبهة الأمامية".
لا شك في أنّ التحذيرات بشأن احتمالية وقوع أعمال حرق أو تخريب يجب أخذها على محمل الجد، إذ يُعتقد أن روسيا قد تُقدم على مثل هذه الأعمال لتقليص الدعم الأوروبي لأوكرانيا. إلا أنّ التاريخ يُظهر بوضوح أن الهجمات على أراضي دولة ما غالباً ما تُؤدي إلى نتائج عكسية، وتُحفّز على اتخاذ إجراءات انتقامية.
فيما يتعلق بـ"الحرب الهجينة"، يحذّر مسؤولو الاستخبارات من "هجوم محتمل على حلف الناتو قد يقع في غضون أشهر". ويكمن الخوف المعلن في أنّ روسيا ستختبر بطريقة أو بأخرى "أقوى تحالف عسكري في العالم"، وكأن مجرد وخزة من الدب الروسي كفيلة بـ"كشف عجز الناتو".
لطالما كان القادة الروس مهووسين بحلف "الناتو". لكن فكرة أنّ الكرملين سيثير الآن مواجهة مباشرة لمعرفة ما إذا كان الحلف الأطلسي سيُفعّل المادة الخامسة، أي اعتبار الهجوم على أحد أعضائه هجوماً على الجميع، تثير الاستغراب. ومع ذلك، تنتشر هذه التصورات الآن في ألعاب الحرب، و"روايات الأكشن"، وفي "مسلسلات تلفزيون الواقع".
وقد بلغ الخطاب التهديدي ذروته لدرجة أنّ حتى قادة دول البلطيق، وهي دول تقع بالفعل على خطوط المواجهة، يدعون الآن القادة الغربيين إلى كبح جماح حديثهم عن الغزو. أما أولئك الذين يروّجون لسيناريو ينتظر فيه الناطقون بالروسية في نارفا في إستونيا تحريرهم بسعادة على يد بوتين، فنادراً ما يكلّفون أنفسهم عناء التحدث إلى السكان الأصليين هناك.
وفي الواقع، يتمثل التهديد الأكثر واقعية في "الحرب الهجينة" الروسية في المحاولة المستمرة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها كجزء من "محاولة شاملة لنشر الخوف وحالة عدم اليقين"، أو، بلغة أكثر حدة استخدمها رئيس الوزراء البريطاني بورنهام في الأمم المتحدة، من خلال المدّ السام الروسي المتمثل في "التضليل الإعلامي". مع ذلك، فإن التضليل الروسي لا يستطيع استغلال سوى شقوق قائمة أصلاً في المجتمع الأوروبي.
وزاد الأوروبيون إنفاقهم العسكري بنسبة 20% في العام الماضي، ومقارنة بعام 2024، هذا أكبر ارتفاع سنوي منذ عام 1953. وتقود ألمانيا الطريق، متجاوزة ما حُظر عليها بعد الحرب العالمية الثانية، في أن تكون منزوعة السلاح، ومنضبطة مالياً. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق العسكري الألماني في العام المقبل إلى ما يعادل إنفاق فرنسا وبريطانيا مجتمعتين، في طريقها لبناء أكبر جيش تقليدي في القارة.
يبدو أنّ هذا الحشد العسكري لا علاقة له بأي تهديد حقيقي من روسيا، وإنما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفقدان ألمانيا للوظائف بسبب المنافسة الصينية، حيث تخطط شركة فولكس فاغن وحدها لتسريح 100 ألف عامل. وكما جاء في عنوان صحيفة "وول ستريت جورنال": "ألمانيا تعيد ابتكار نفسها كمصنع أسلحة". حتى أن حزب الخضر الألماني، الذي كان يعلن سابقاً عن نفسه كحزب مسالم ومعارض لحلف "الناتو"، انضم الآن إلى جوقة المؤيدين للعسكرة، حيث روّجت وثيقة حزبية حديثة فوائد "الاقتصاد من خلال التصنيع العسكري".
إنّ احتمال أن تؤدي العسكرة إلى معجزة اقتصادية ألمانية جديدة هو وهم، إضافة إلى أن الإنفاق العسكري سينزع الأموال حتماً عن الرعاية الاجتماعية، في وقت يتزايد فيه فقدان الوظائف، والاقتصاد راكد بالفعل. وهذا بدوره سيوفّر المزيد من الوقود لليمين المتطرف، مثل "حزب البديل" لألمانيا، الذي يكسب دعماً أكبر عندما يبدو أنه الوحيد الذين يطالب بإنهاء الحرب في أوكرانيا، مع أنه ليسوا ضد الحرب، بل لأنه يؤيّد بوتين.
بإيجاز، هل التهديد الأكبر لأوروبا يأتي من روسيا، أم من الداخل؟ في تصريحاته الأخيرة، تساءل الرئيس بوتين عمّا إذا كان القادة الأوروبيون، بسبب "ما يحدث فيما يتعلق بالسياسة الاجتماعية ومستويات المعيشة"، مضطرين إلى "تحويل تركيز انتباه مواطنيهم من القضايا الداخلية نحو قضايا خارجية".
وهذا يعيدنا إلى تهديد بوتين النووي. أي حديث من هذا القبيل عن نشر أسلحة دمار شامل هو حديث متهور. لكن من الضروري ملاحظة اللغة المتصاعدة على الجانبين. فعلى سبيل المثال، لطالما كان مخطّطو الحرب في "الناتو" مهووسين بـ"ممر سوفالكي"، ويتوقعون أن روسيا قد تغزو أوروبا من جيبها في كالينينغراد. وكما هو متوقع، كما يفعل مخطّطو الحرب، عززوا قواتهم وفقاً لذلك.
وكان الرئيس بوتين قد استحضر تحديداً تهديد استخدام الأسلحة النووية في معرض حديثه عن احتمال غزو "الناتو" لإقليم كالينينغراد. وفيما كان سيكون أمراً هزلياً لولا خطورة الرهانات، يزعم بعضهم أن بوتين كان يرد على منشور قناة "سكاي تي في" في برنامج وثائقي درامي بعنوان "لعبة الحرب" عن هجوم بريطاني متخيّل على كالينينغراد.
وقال بوتين إنه، بالنظر إلى التفوق العسكري لحلف "الناتو"، لن تكون لدى روسيا "وسائل كثيرة للتصدي لمثل هذا التهديد"، وأنها ستحتاج إلى استخدام "ميزتها التنافسية" في الأسلحة النووية.
يجب أن تنتهي هذه الحرب، وأن يُتجنّب اندلاع حرب أوسع نطاقاً قد تترتّب عليها عواقب أشد بكثير، مهما كان الثمن. وفي الحد الأدنى، يجب إعادة فتح قنوات الاتصال. يُذكر أن وزير الخارجية الألماني تحدث مؤخراً مع نظيره الروسي للمرة الأولى منذ شباط/فبراير 2022.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.