"Responsible Statecraft": المزارعون الأميركيون يدفعون ثمن الحرب على إيران
إلى جانب الرسوم الجمركية، يُلقي صراع ترامب مع إيران وما تبعه من اضطرابات في الشحن بظلاله على القطاع الزراعي، ويدفع إلى عمليات إنقاذ قصيرة النظر.
-
"Responsible Statecraft": المزارعون الأميركيون يدفعون ثمن الحرب على إيران
مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر تقريراً يتناول التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية على إيران والسياسات التجارية لإدارة ترامب على المزارعين الأميركيين، مسلّطاً الضوء على الأزمات التي يواجهها القطاع الزراعي نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الصادرات بسبب الرسوم الجمركية.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
يواجه المزارعون الأميركيون أزمة تتجلّى في ارتفاع التكاليف، وتعطّل أسواق التصدير، وتزايد الضغوط المالية. وعلى الرغم من أنّ الزراعة لطالما واجهت تحدّيات لا مفرّ منها، كالأحوال الجوية والآفات وتقلّبات الطلب، فإنّ المشكلات الحالية من صنع واشنطن بالكامل. فقد أضرّت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب بالعلاقات التجارية الحيوية، فيما عطّلت حربها ضدّ إيران تجارة الطاقة والأسمدة عبر مضيق هرمز.
كذلك، جاءت استجابة واشنطن للضغوط التي يتعرّض لها القطاع الزراعي على شكل مساعدات طارئة بمليارات الدولارات، إلى جانب وعود بأن تتيح الاتفاقات التجارية المقبلة متنفّساً إضافياً للمزارعين.
إنّها حلقة تتكرّر على نحو مألوف، إذ تولّد سياسات واشنطن أخطاراً جديدة أمام المنتجين الأميركيين، ثم يتحمّل دافعو الضرائب قسماً من الخسائر الناجمة عنها، فيما تبقى السياسات التي أسهمت في صنع الأزمة على حالها. وهكذا، يحصل المزارعون على دعم مؤقت، لكنهم يظلون مضطرين إلى التعامل مع الأسواق غير المستقرة وتكاليف الإنتاج المرتفعة نفسها التي جعلت هذا الدعم ضرورياً.
وحتى قبل حرب واشنطن الكارثية الأخيرة، كانت هجماتها المتهوّرة بالرسوم الجمركية قد وضعت المزارعين تحت ضغط هائل. ورداً على ذلك، أعلنت الإدارة، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، عن مدفوعات لمرة واحدة بقيمة 12 مليار دولار للمنتجين المؤهّلين.
لكنّ هذا المبلغ لم يكن كافياً، ففي الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الزراعة الأميركية عن مدفوعات إضافية بقيمة تقارب 14 مليار دولار، من خلال برنامجي تغطية مخاطر الزراعة "إي آر سي"، وتغطية خسائر الأسعار "بي آل سي"، لموسم المحاصيل العام الماضي، وهو رقم قياسي.
وتُظهر نظرة إلى الصادرات الزراعية الأميركية سبب تزايد اعتبار هذه الإعانات ضرورية. ووفقاً لخدمة البحوث الاقتصادية التابعة لوزارة الزراعة الأميركية، انخفضت الصادرات الزراعية إلى الصين بنسبة 66% في عام 2025، وهو تراجع حادّ ألحق ضرراً بالغاً بمزارعي فول الصويا الأميركيين.
أما الصادرات إلى شركاء الولايات المتحدة التجاريين الرئيسيين الآخرين، مثل المكسيك وكندا واليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي، فقد سجّلت انخفاضاً أقل حدّة، لكنه ظلّ كبيراً، إذ بلغ 6%. ورغم زيادة الصادرات إلى دول أخرى، ما أسهم جزئياً في التخفيف من حدّة التراجع، فإنّ النتيجة كانت خسارة مليارات الدولارات من المبيعات.
ويمثّل ذلك تفاقماً لاتجاه هبوطي استمر قرابة 10 سنوات في الميزان التجاري الزراعي الأميركي، نتيجة توجّه واشنطن نحو الحمائية التجارية، بدءاً من إدارة ترامب الأولى. وقد تلقّى المزارعون، الذين كانوا يعانون أصلاً من ضغوط مالية شديدة، ضربة قاسية من جرّاء التداعيات الاقتصادية للهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، الذي أدّى، بفعل الاضطرابات وفقدان القدرة الإنتاجية، إلى ارتفاع حاد في أسعار المنتجات البتروكيماوية.
وحسبما ذكرت وكالة "رويترز" مؤخراً، بلغ متوسط سعر الديزل الأميركي مستوى قياسياً قدره 6.28 دولارات للغالون، بزيادة تقارب 70% منذ بدء الحرب في شباط/فبراير 2026. كما أشار التقرير إلى أنّ الحرب الأوكرانية، التي تعهّد الرئيس دونالد ترامب بإنهائها سريعاً فور تولّيه منصبه، شكّلت عاملاً رئيسياً في ارتفاع الأسعار، بسبب استهداف كلا الجانبين البنية التحتية البتروكيماوية، والعقوبات الدولية المفروضة على موسكو، وغيرها من الاضطرابات التي طالت الصادرات.
لكنّ الأمر لا يقتصر على الوقود فحسب، فقد أثّرت الصدمة السعرية الناجمة عن الحرب مع إيران في الأسمدة أيضاً، ما شكّل ضربة مزدوجة للمزارعين الأميركيين. إذ يمرّ ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحراً على مستوى العالم عبر مضيق هرمز، بما في ذلك كميات كبيرة من اليوريا والأمونيا والكبريت، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار مختلف الأسمدة التي تعتمد على هذه المدخلات بنسبة تراوحت بين 10% و50% خلال العام الماضي. ويتوقّع خبراء الصناعة أن تستمر هذه الأسعار المرتفعة حتى عام 2028 على أقل تقدير.
وبالنسبة إلى المزارعين الذين يعملون أصلاً بهوامش ربح ضئيلة، فقد أدّى ذلك إلى تفاقم الضغوط المالية. وتوقّعت وزارة الزراعة الأميركية، في أيلول/سبتمبر 2026، أن يصل إجمالي ديون القطاع الزراعي إلى نحو 605.1 مليارات دولار، بزيادة تقارب 5% عن العام الماضي.
وفيما تتمسّك واشنطن بوعدها بتقديم جولة أخرى من المساعدات، تكشف أبحاث وزارة الزراعة الأميركية أنّ هذه المدفوعات أفادت، تاريخياً، المزارع التجارية الكبيرة أكثر من المزارع الصغيرة. وبفضل سهولة الوصول إلى الائتمان، وتنوّع مصادر الدخل، والقدرة الأكبر على استيعاب الخسائر المؤقتة، والخبرة الأوسع في التعامل مع برامج دعم المزارع، فإنّ الشركات الزراعية الكبيرة أقلّ تأثّراً بتقلّبات التدفّق النقدي وتكاليف المدخلات. أما المزارع الصغيرة والمتوسطة الحجم، فليس لديها هامش كبير للخطأ.
عادةً ما يواجه المزارعون مخاطر فعلية تتعلّق بالطقس والأسعار والإنتاج، ويعتمدون في جانب كبير من تعاملاتهم على العقود الآجلة للتحوّط من تقلّبات السوق. لكنّ ثمّة فرقاً بين مساعدة واشنطن لهم على إدارة هذه المخاطر، وتعويضهم عن اضطرابات كان بالإمكان تجنّبها وخسائر متوقّعة تسبّبت بها حروب تجارية منفلتة وتدخّلات خارجية متهوّرة.
كما تُخفي عمليات الإنقاذ المتكرّرة الكلفة الحقيقية لهذه السياسات، وتُضعف الحوافز التي تدفع صانعيها إلى تغيير المسار. لذلك، ثمّة حاجة إلى نهج أكثر اتساقاً، يبدأ بالعمل دبلوماسياً على إنهاء الحرب ضدّ إيران، وإعادة النظر في الرسوم الجمركية التي أسهمت في خفض الصادرات ورفع تكاليف مستلزمات الإنتاج.
ويحتاج المزارعون أيضاً إلى إطار سياسي واضح المعالم، يركّز على المخاطر الزراعية الحقيقية. فقد انتهت صلاحية قانون تحسين الزراعة الأصلي لعام 2018، ومُدّد العمل به مراراً. وفي الوضع الراهن، لا يُعدّ "قانون الزراعة" أكثر من مجرّد مجموعة من التمديدات والمدفوعات الطارئة.
لا يحتاج المزارعون الأميركيون إلى مزيد من الشعارات التي تزعم وضع مصالحهم في المقام الأول، ولا إلى وعود بمساعدات إضافية مقابل دعم ترامب والجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، وهو احتمال بات مستبعداً أصلاً. فما يحتاجون إليه هو سياسات تحميهم من الوقوع ضحايا جانبيين للحروب التجارية والصراعات العسكرية.
وما لم تواجه واشنطن هذه الحقيقة، فسيواصل صانعو السياسات إرباك الأسواق، وسيتكبّد المزارعون الخسائر، وسيدفع دافعو الضرائب كلفة الإنقاذ، لتتكرّر هذه الحلقة المحزنة التي كان من الممكن تجنّبها.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.