"Responsible Statecraft": أوروبا من قيادة الدبلوماسية مع إيران إلى التبعية العمياء لواشنطن

أدّت أوروبا دوراً أساسياً في الاتفاق النووي، لكنها تجد نفسها اليوم على الهامش وتدعم الحرب على إيران.

0:00
  • تُظهِر الصورة وزراء خارجية وممثلي دول مجموعة "5+1" (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) إلى جانب الاتحاد الأوروبي وإيران، وذلك في أبريل 2015 بمدينة لوزان السويسرية، قبيل إعلان التفاهم الإطاري بشأن الاتفاق النووي الإيراني. 

مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تراجع الدور الدبلوماسي الأوروبي في التعامل مع إيران، وكيف انتقل الاتحاد الأوروبي من قيادة جهود الحوار والانخراط السياسي مع طهران إلى فقدان نفوذه وتهميش دوره في الأزمات الإقليمية.

ويستعرض الكاتب التحوّل الذي طرأ على السياسة الأوروبية خلال العقد الماضي، انطلاقاً من تقرير البرلمان الأوروبي عام 2016، الذي دعا إلى توسيع العلاقات مع إيران عقب الاتفاق النووي، وصولاً إلى عجز أوروبا عن الحفاظ على الاتفاق بعد انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، وفشلها في أداء دور دبلوماسي مستقل خلال الحربين على إيران عامي 2025 و2026.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

كان هناك وقت كانت فيه أوروبا تأخذ الدبلوماسية على محمل الجدّ، بوصفها عملاً يتطلّب الصبر، وغالباً ما يكون محبطاً، ويقوم على الانخراط مع الخصوم، بدلاً من الاكتفاء بإصدار الإدانات وفرض العقوبات.

قبل عشر سنوات، وتحديداً في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2016، اعتمد البرلمان الأوروبي تقريراً بشأن العلاقات مع إيران، جسّد هذا الفهم الدقيق للسياسة الخارجية. وقد صيغ التقرير بقيادة النائب البريطاني في البرلمان الأوروبي ريتشارد هاويت، وقدّم استراتيجية استشرافية للتعامل مع طهران عقب إبرام الاتفاق النووي عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو إنجاز دبلوماسي أدّى فيه الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، ولا سيما المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، دوراً رائداً.

بصفتي مستشاراً للسياسة الخارجية في البرلمان الأوروبي، تشرّفت بالعمل عن كثب مع هاويت طوال مراحل إعداد التقرير والتفاوض بشأنه، وصولاً إلى اعتماده في نهاية المطاف، بما في ذلك المشاركة في مهمة لتقصّي الحقائق في طهران. وقد اعتُمد التقرير بأغلبية ساحقة، بلغت 456 صوتاً مقابل 174، مع امتناع 67 عضواً عن التصويت.

لكنّ أهمية التقرير تجاوزت بكثير مجرّد الأرقام البرلمانية، إذ مثّل لحظة بدت فيها أوروبا قادرة على التحرّك وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى. وكان الانخراط مع إيران أداة براغماتية لتعزيز الأمن الأوروبي والمصالح الاقتصادية، ودعم الاعتدال في إيران، وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.

بعد عشر سنوات، باتت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران في حالة يُرثى لها. فقدت أوروبا جانباً كبيراً من نفوذها الاقتصادي، وتضاءل تأثيرها الدبلوماسي بصورة ملحوظة، فيما أصبح دورها في معالجة الأزمات الأمنية في المنطقة هامشياً.

ولفهم حجم هذا التراجع، لا بدّ من العودة إلى ما اتّسم به النهج الأوروبي في الماضي من واقعية وطموح.

اقترح تقرير هاويت تطوير العلاقات في مجالات رئيسية، شملت الحوار السياسي والتجارة والتبادل الأكاديمي وحقوق الإنسان والأمن الإقليمي. كما اقترح الاستفادة من الخبرات الأوروبية لمساعدة إيران على استيفاء معايير فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF)، وهي خطوة أساسية نحو الإصلاح الاقتصادي.

خالف التقرير الخطاب الذي روّجت له، لسنوات طويلة، دوائر متشدّدة في الولايات المتحدة و"إسرائيل" وبعض العواصم العربية، والذي صوّر إيران على أنّها المصدر الوحيد للاضطرابات الإقليمية. وبدلاً من ذلك، أقرّ التقرير بأنّ إيران فاعل لا غنى عنه في معالجة الصراعات في سوريا والعراق واليمن. ودعا إلى بذل جهود دبلوماسية أوروبية لتشجيع التقارب بين طهران والرياض، وهي دعوة لبّتها بيجين بعد سنوات، لا بروكسل.

والأهم من ذلك، أنّ التقرير لم يكن مجرّد خطاب برلماني. فبعد أسابيع قليلة من اعتماده، أيّد مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي النهج البرلماني في التعامل مع طهران، كما دعم إنشاء وفد أوروبي فيها. وهنا برزت مساهمة الدبلوماسية البرلمانية في صياغة الموقف السياسي الأوسع للاتحاد الأوروبي.

كانت ردود الفعل على التقرير كاشفة. فقد رحّب المجلس الوطني الإيراني الأميركي (NIAC)، وهو جماعة تُعنى بالدبلوماسية وتتخذ من واشنطن مقراً لها، بالتقرير بحماس. وأشاد مؤسسه ورئيسه آنذاك، تريتا بارسي، الذي يشغل حالياً منصب نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي، باستراتيجية توسيع العلاقات، محذّراً في الوقت نفسه من تجدّد العزلة والتهديدات العسكرية.

ولعلّ أبرز دليل على تأثير التقرير كان الاستقبال العدائي الذي قوبل به من جانب القوى المتمسّكة بنهج المواجهة. فقد ندّدت جماعات مؤيّدة لـ "إسرائيل"، مثل معهد AJC عبر الأطلسي (TAI)، وهو مكتب بروكسل التابع للجنة اليهودية الأميركية، بالنص، بحجة أنّه لم يتصدَّ لتهديدات إيران ضد "إسرائيل"، ودعمها لحزب الله في لبنان ونظام الأسد في سوريا، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان.

روّج منتقدو التقرير، بلا هوادة، لفكرة وجود خيارين متعارضين: الدفاع عن حقوق الإنسان أو الانخراط مع طهران. ومع ذلك، تضمّن التقرير انتقادات جوهرية لسجلّ إيران في هذا المجال، بما في ذلك مساهمات من منظمة هيومن رايتس ووتش.

اقترحنا إدراج النقاشات المتعلّقة بحقوق الإنسان ضمن إطار حوار أوسع، بدلاً من الاكتفاء بإصدار الإدانات. وكما قال هاويت خلال المناقشة البرلمانية، مخاطباً منتقديه: "إنّهم يعرّضون للخطر، عن قصد، النفوذ الذي نملكه مع إيران، ويجعلون تحسين أوضاع حقوق الإنسان أقل احتمالاً، لا أكثر".

وكانت ردود الفعل الصادرة من طهران مفيدة بالقدر نفسه. فقد أقرّ المتحدث باسم وزارة الخارجية بوجود "عدد من النقاط الواعدة في الوثيقة، التي يمكن أن تساعد في فتح آفاق جديدة وتوسيع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران".

لكنّ هذه العملية واجهت معرقلين من الجانب الإيراني أيضاً. فقد اعترض محمد جواد لاريجاني، الأمين العام آنذاك للمجلس الأعلى لحقوق الإنسان في السلطة القضائية الإيرانية، على إنشاء وفد للاتحاد الأوروبي في طهران، مشيراً إلى احتمال تدخّله في الشؤون الداخلية لإيران.

كان هذا الادعاء سخيفاً، إذ كانت 22 دولة من أصل 28 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي آنذاك، بما فيها المملكة المتحدة، تحتفظ بالفعل بسفارات في طهران، في حين كانت للاتحاد الأوروبي وفود في العديد من البلدان التي كانت حكوماتها على خلافات عميقة مع بروكسل.

عكس اعتراض لاريجاني شكوكاً لدى بعض أوساط المؤسسة السياسية الإيرانية في أنّ توثيق العلاقات مع الغرب قد يؤدّي إلى انقلابات سياسية. وقد عزّز هذا الاعتراض تحديداً مواقف الأصوات الأوروبية التي صوّرت الانخراط مع طهران على أنّه عبثي، بل وخطير أيضاً.

في عامي 2015 و2016، بدا من غير المرجّح أن ينجح المعرقلون من كلا الجانبين في وقف المسار الإيجابي للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران. وكان هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّ الاتفاق النووي، من وجهة نظر مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي آنذاك، فيديريكا موغيريني، لم يكن سوى الحدّ الأدنى، لا الحدّ الأقصى، للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران.

لكنّ ذلك التفاؤل سرعان ما تبدّد، على نحو مأساوي.

عندما انسحب الرئيس دونالد ترامب من جانب واحد من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018، رغم التحقّق الدولي آنذاك من التزام إيران به، عارض الاتحاد الأوروبي رسمياً قرار واشنطن. لكن سرعان ما برز التناقض بين تصريحات الاتحاد الأوروبي وقدرته الفعلية على التحرّك للحفاظ على الاتفاق.

انسحبت الشركات الأوروبية من إيران تحت وطأة التهديد بفرض عقوبات أميركية ثانوية، ورفضت البنوك إجراء المعاملات. وحاول الاتحاد الأوروبي الحفاظ على التجارة من خلال آليات مثل آلية إنستكس (INSTEX)، لكنّها أثبتت قصورها الشديد. ولم تتحقّق الفوائد الاقتصادية التي وُعدت بها إيران بموجب الاتفاق.

في غضون ذلك، وفي محاولة خاطئة لاسترضاء ترامب، تبنّت الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) موقفاً متشدّداً تجاه إيران، متّهمةً إياها بزعزعة استقرار المنطقة وتطوير صواريخ باليستية. وقد أثار الاتهام الأخير استياءً شديداً في طهران، إذ كانت الدول الأوروبية نفسها تزيد إمدادات الأسلحة المتطوّرة إلى خصوم إيران الإقليميين. ومن وجهة نظر طهران، كانت صواريخها حيوية للدفاع الوطني.

كان الدرس الذي تلقّته طهران واضحاً لا لبس فيه: قد تختلف أوروبا مع واشنطن، لكنّها عاجزة عن حماية الاتفاق النووي. ولعلّ هذا العجز كان عاملاً رئيسياً في تحوّل طهران لاحقاً نحو موسكو، ما أدّى إلى دعمها للغزو الروسي غير الشرعي لأوكرانيا، مقابل التعاون العسكري والتقني، الأمر الذي زاد من حدّة العداء في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران.

برزت عواقب هذا الفشل بوضوح خلال حربَي الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران في عامي 2025 و2026. فبدلاً من أن تؤدّي أوروبا دوراً دبلوماسياً مستقلاً، يمكّنها من التوسّط بين واشنطن وطهران، واجهت صعوبة في تحديد دور فعّال لها.

أيّد المستشار الألماني فريدريش ميرز العدوان الإسرائيلي تأييداً كاملاً، بل وصفه بعبارته الشهيرة بأنّه قيام "إسرائيل" بـ"العمل القذر" نيابةً عن الأوروبيين. وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الزعيم الأوروبي الوحيد الذي عارض العدوان بصورة قاطعة، إذ حظر استخدام القواعد العسكرية الإسبانية في الحرب، رغم محاولات ترامب الضغط على مدريد لإخضاعها.

وبعدما كانت أوروبا تقود الدبلوماسية مع إيران، بات دورها يقتصر على إصدار بيانات باهتة وغير فعّالة، فيما برزت باكستان وتركيا ودول الخليج العربية بوصفها أطرافاً دبلوماسية أكثر تأثيراً.

إنّ التباين مع نهج عام 2016 مذهل. لذا، فإنّ السؤال لا يقتصر على كيفية استبدال أوروبا نفوذها على إيران بالمزايدات الأخلاقية والتهميش الدبلوماسي، بل يتعلّق أيضاً بما إذا كان بإمكانها استعادة فهمها لفنّ الحكم، الذي مكّنها في السابق من امتلاك هذا النفوذ.

نقله إلى العربية: الميادين نت.