"Responsible Statecraft": سعي ترامب إلى "انتصار" كبير في إيران سيقوده إلى الخسارة

من المرجح أن تنتهي الحرب عبر وقف إطلاق نار محدود، يمهّد الطريق أمام التوصل إلى اتفاق أوسع.

  • "Responsible Statecraft": سعي ترامب إلى "انتصار" كبير في إيران سيقوده إلى الخسارة

مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يتناول استمرار الحرب الأميركية على إيران، وسعي الرئيس دونالد ترامب إلى تحقيق ما يمكن تقديمه بوصفه "انتصاراً"، رغم غياب أهداف واضحة للحرب وصعوبة تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة.

ويرى كاتب المقال أنّ الولايات المتحدة لن تتمكّن بالضرورة من إنهاء الحرب عبر فرض استسلام إيراني أو تغيير النظام، وأنّ المخرج الأكثر واقعية يتمثّل في التوصّل إلى وقف لإطلاق النار، وتأجيل القضايا الخلافية إلى مفاوضات لاحقة، بدلاً من مواصلة الحرب بحثاً عن انتصار قد لا يتحقّق.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

يرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ضوء نجاح العملية التي نفّذتها البحرية الأميركية في مضيق هرمز في منع معظم واردات إيران وصادراتها النفطية، مع استعادة جزء من حركة تجارة النفط غير الإيراني عبر المضيق، على ما يبدو، أن الصراع مع إيران لم يصل إلى حالة من الجمود.

في الواقع، فإن الوضع الراهن المتعلّق بتدفّق النفط وتوزيع الأضرار الاقتصادية أكثر تعقيداً، ولا يمثّل تفوّقاً أميركياً من جانب واحد. لكن ترامب يعتقد بوضوح أن مواصلة الضغط على إيران، من خلال إجراءات مثل الحصار البحري، الذي يُعدّ عملاً حربياً، ستزيد من النفوذ التفاوضي للولايات المتحدة وتؤدي إلى نتيجة أفضل.

لطالما نظر ترامب إلى العالم بوصفه لعبة محصّلتها صفر. وسواء تعلّق الأمر بالصراعات العسكرية، أم بالاتفاقيات التجارية، أم بالصفقات العقارية، فإنه يرى أن معظم النتائج تنطوي على طرف رابح وآخر خاسر. كما أنه لا يعترف أبداً بارتكاب الأخطاء، ومن المؤكد أنه لن يفعل ذلك علناً في ما يتعلّق بالحرب الحالية. وهكذا، يستمر الصراع في إطار البحث عن شيء يستطيع ترامب وصفه بأنه "انتصار".

أظهر كتاب ألّفته قبل أكثر من أربعة عقود أن أفضل طريقة لفهم كيفية انتهاء الحروب هي النظر إليها بوصفها صفقات يجري التفاوض عليها. فحتى حالات الاستسلام التي يُفترض أنها غير مشروطة، ليست غير مشروطة بالكامل، بل تنطوي على صفقات يوافق فيها الطرف المستسلم على عدم استخدام قدرته المتبقية على المقاومة، مقابل إنهاء الطرف الآخر هجومه. وقد طبّق باحثون آخرون مؤخراً المفهوم نفسه على الصراعات المعاصرة. وأحد الدروس المستخلصة من ذلك هو أن صياغة الاستراتيجية الحربية الأميركية أساساً بمنطق الانتصارات والهزائم تحجب القضايا المطروحة، وكيفية تأثيرها في المصالح الأميركية، وما سيكون مطلوباً لإنهاء الحرب وإرساء سلام مستقر.

يمكن أن يتخذ ما سيرحّب به ترامب بوصفه "انتصاراً" أحد شكلين أساسيين: إما أن يعلن النظام الإيراني استسلامه بطريقة ما، ويقدّم تنازلات تتجاوز بوضوح وبدرجة كبيرة أي شيء عرضه سابقاً، وإما أن ينهار النظام. وهناك تناقض بين هذين الاحتمالين، لأن النظام الذي يعتقد أن الولايات المتحدة مصمّمة على تدميره لن يكون لديه أي حافز لتقديم تنازلات، ولن يرى بديلاً عن مواصلة القتال. لكن حتى عند النظر إلى كل احتمال على حدة، فإن كلاً من هاتين الصيغتين لما يُفترض أنه "انتصار" تثير تساؤلات كبرى.

لكي تؤدي التنازلات الإيرانية هذا الدور، ينبغي أن تُعزّز المصالح الأميركية بدرجة كبيرة، وأن تكون من النوع الذي يمكن واقعياً توقّع أن يقدّمه حتى نظام إيراني يتعرّض لضغوط شديدة. وتتمثّل إحدى الصعوبات في تقييم قيمة التنازلات الإيرانية في أن ترامب وإدارته لم يحدّدا أهداف الحرب بوضوح قط. فقد أدليا بتصريحات مختلفة في أوقات مختلفة، شملت حتى المطالبة بـ"الاستسلام غير المشروط"، وهو أمر من غير الواقعي توقّعه من أي نظام إيراني.

يُذكر البرنامج النووي الإيراني في معظم الأحيان، وكان نائب الرئيس جي دي فانس الأقرب إلى طرح مطلب محدّد، عندما صرّح الأسبوع الماضي بأن التوصّل إلى السلام يتطلّب خفضاً "ملموساً" لتخصيب إيران لليورانيوم. ويكتسب البرنامج النووي الإيراني أهمية بالنسبة إلى المصالح الأميركية بقدر ما يثير احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وفي هذا الصدد، فإن استمرار الحرب لن يكون مفيداً. فقد أدّت الهجمات السابقة بالفعل إلى تعطيل البرنامج النووي الإيراني إلى حد كبير، وأصبحت النيات الآن لا تقل أهمية عن القدرات. ومن شأن استمرار تعرّض إيران لهجمات من قوة أجنبية أن يعزّز الأصوات في طهران التي ترى أن إيران بحاجة إلى قوة ردع نووية، في وقت يدور فيه بالفعل حديث عن الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ويُعدّ الاتفاق المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة"، أو الاتفاق النووي الإيراني، الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2015، مثالاً على ما هو ضروري للتوصّل إلى اتفاق ذي مغزى بشأن المسائل النووية. فقد أغلق هذا الاتفاق فعلياً جميع المسارات المحتملة أمام إيران لامتلاك سلاح نووي، إلى أن تخلّى عنه ترامب عام 2018، وكان مصمّماً على تدمير ما كان يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أهم إنجاز للرئيس باراك أوباما في السياسة الخارجية. وتتألف خطة العمل الشاملة المشتركة من 159 صفحة، وكانت ثمرة مفاوضات صعبة ومفصّلة امتدّت سنوات عدة، وشارك فيها العديد من الخبراء النوويين وغيرهم من المتخصصين. وهي ليست من نوع الاتفاقيات التي يمكن لستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إنجازها في جلستين تفاوضيتين.

وسيتطلّب أي اتفاق نووي جديد بين الولايات المتحدة وإيران مستوى مماثلاً من التفاصيل، جزئياً لضمان أن تكون التخفيضات ذات مغزى، وقابلة للتنفيذ والتحقّق منها من خلال عمليات التفتيش الدولية. وإذا جُعل إنجاز مثل هذا الاتفاق الشامل شرطاً لإنهاء الحرب، بدلاً من ربط وقف إطلاق النار بالتزام الانخراط بجدية في مفاوضات مستقبلية، فإن ذلك سيعني استمرار الحرب لأشهر، وربما لسنوات.

وقد جعلت إدارة ترامب مهمة التفاوض على اتفاق نووي جديد مع إيران أكثر صعوبة وتعقيداً، من خلال سعيها إلى إبرام اتفاق نووي حديث مع السعودية، أثار مخاوف مبرّرة لدى خبراء منع الانتشار النووي، لأنه لا يشترط تطبيق أكثر أشكال التفتيش الدولي صرامة، ويفتح الباب أمام تخصيب السعودية لليورانيوم، حتى إلى مستوى 20%. وأي نظام في إيران سيرفض فرض قيود على برنامجه النووي تجعله دون المستوى الذي سيُسمح لمنافستها على الجانب الآخر من الخليج الفارسي بالتمتّع به، بموافقة الولايات المتحدة ومساعدتها.

أما في ما يتعلّق بتحقيق "انتصار" مفترض من خلال تغيير النظام، فإن أول ما ينبغي الإشارة إليه هو أن ترامب سبق أن أعلن تحقيق مثل هذا التغيير بعد اغتيال كبار القادة الإيرانيين في الأيام الأولى من الحرب. وما حدث بعد ذلك يقدّم درساً في ضرورة الحذر مما يتمناه المرء: فقد أصبح المتشدّدون الإيرانيون أكثر قوة مما كانوا عليه عندما كان المرشد الأعلى علي خامنئي لا يزال على قيد الحياة. وقد يدفع أي تغيير آخر في القيادة خلال الحرب إيران أكثر نحو التشدّد، كأن تتحوّل إلى ديكتاتورية عسكرية تُسكت الأصوات المعتدلة المتبقية داخل النظام.

وحتى لو اتجه تغيير القيادة في مسار يبدو أكثر ملاءمة للولايات المتحدة، فإن تحقيق مكاسب للمصالح الأميركية يتطلّب أن يكون من يتحدث باسم إيران قادراً على التفاوض بشأن اتفاقيات تصمد وتُنفّذ. وستكون أي حكومة مستقبلية مضطرة إلى التعامل داخلياً مع فصائل إيرانية تتبنّى وجهات نظر مختلفة، ولن تختفي حتى مع تغيير القيادة. لكن القدرة على التأثير في تلك الفصائل لا تكون بالضرورة في أيدي الأشخاص الذين قد تبدو أيديولوجياتهم وتوجّهاتهم الأكثر وداً تجاه الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، شكّل اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بغارة جوية إسرائيلية بعد أسبوعين من اندلاع الحرب، خسارة. فقد كان لاريجاني من نتاج نظام خامنئي، لكنه كان أيضاً براغماتياً يمتلك الحنكة السياسية والعلاقات التي تمكّنه من تقديم التزامات موثوقة نيابةً عن مجمل بنية السلطة في طهران.

وفي ظل المصاعب الاقتصادية التي يعانيها الشعب الإيراني، لا يمكن استبعاد اندلاع انتفاضة شعبية تؤدي إلى اضطرابات سياسية أوسع نطاقاً، لكن لا بدّ من إبداء ملاحظات عدة بشأن هذا النوع المحتمل من تغيير النظام.

أولاً، شهد تاريخ الجمهورية الإسلامية انتفاضات شعبية عدة، لكنها لم تؤدِّ إلى تغيير النظام.

ثانياً، لا توجد حالياً حركة معارضة متماسكة مماثلة لتلك التي قادها روح الله الخميني خلال الثورة التي أطاحت الشاه عام 1979.

ثالثاً، تقلّ احتمالات اندلاع انتفاضة شعبية في ظل استمرار الحرب، التي ولّدت حالة ملحوظة من الالتفاف حول الراية الوطنية بين الإيرانيين، الذين يرون، لأسباب مفهومة، أن الهجمات العسكرية والاقتصادية الأميركية تستهدف إيران ككل، وليس النظام وحده.

رابعاً، وهو أمر مرتبط بالنقطة السابقة، ستخلّف الحرب استياءً واسع النطاق وطويل الأمد تجاه الولايات المتحدة، بسبب المعاناة التي فرضتها على الإيرانيين. وسيزداد هذا الاستياء كلما طالت الحرب. ولا يستطيع أي نظام جديد تجاهل هذا الشعور.

خامساً، ستُظهر السياسات التي سيتبنّاها أي حكّام جدد كيف عكست السياسة الإيرانية السابقة المخاوف الأمنية الإيرانية والنزعة القومية، بقدر لا يقل عن تأثير الطابع الأيديولوجي لأي نظام كان يتولّى السلطة.

والخلاصة هي أنه ينبغي للولايات المتحدة ألّا تعوّل على تقديم تنازلات كبيرة مسبقاً، أو على تغيير النظام، بوصفهما مناسبة لإنهاء هذه الحرب. ويتمثّل المخرج الأكثر قابلية للتطبيق في التوصّل إلى اتفاق أولي محدود لوقف إطلاق النار، يؤجّل معظم المفاوضات الجوهرية، على غرار مذكرة التفاهم التي اتفق عليها الطرفان في حزيران/يونيو، ولكن من دون الصياغات الملتبسة المتعلّقة بمضيق هرمز، التي أدّت إلى انهيار مذكرة التفاهم.

أما الرئيس الذي يبحث عن "انتصار"، فسيتعيّن عليه الاعتماد على قدرته الخطابية لتصوير وقف إطلاق النار هذا، والدمار الذي أُلحق بالفعل بالقوات الإيرانية، بوصفهما انتصاراً.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.