"Black Agenda Report": هل استسلم ممداني للابتزاز الصهيوني؟
لا يُعد زهران ممداني استثناءً، لكن استسلامه للصهيونيين في نيويورك أغضب مؤيديه، ولا يزال الأشخاص الذين كان يأمل في استرضائهم يعملون على جعله عمدة لفترة واحدة فقط.
-
زهران ممداني
موقع "Black Agenda Report" ينشر مقالاً ينتقد فيه مواقف عمدة نيويورك زهران ممداني تجاه الاحتلال الإسرائيلي، واتهامه بالتراجع عن مبادئه التقدمية ومحاولة استرضاء الجماعات الصهيونية النافذة في المدينة، رغم استمرار معارضتها له وسعيها إلى تقويض إدارته.
ويرى الكاتب أنّ زهران ممداني وقع في فخّ تقديم تنازلات للجماعات الصهيونية التي عارضت وصوله إلى منصب عمدة نيويورك، معتبراً أنّ هذه التنازلات لن تضمن له دعمها، بل قد تقوّض شعبيته لدى القاعدة التقدمية التي أوصلته إلى السلطة.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
نادراً ما يحافظ المرشحون التقدميون على نهجهم التقدمي بعد الفوز بمنصب عام. ولا يُعدّ زهران ممداني استثناءً من هذه القاعدة؛ إذ أثار رضوخه للصهيونيين في نيويورك غضب مؤيديه، في حين لا تزال الأطراف التي سعى إلى استرضائها تعمل على ضمان ألّا تتجاوز فترة ولايته في منصب العمدة دورة واحدة.
"لقد كان الأمر في غاية الوضوح: لا يتحمّل أي يهودي في مدينة نيويورك مسؤولية أفعال دولة إسرائيل؛ وإذا أردنا محاسبة أحد، فيجب محاسبة صنّاع القرار، أي رئيس الوزراء ودولة إسرائيل، وكذلك محاسبة أنفسنا بصفتنا دافعي ضرائب أميركيين، نظراً إلى أنّنا نعلم حجم المليارات التي أرسلناها، ولا نزال نرسلها، لتمويل عمليات القصف". – زهران ممداني، عمدة مدينة نيويورك.
يُعدّ الصعود السياسي لزهران كوامي ممداني حدثاً تاريخياً بامتياز؛ فهو عضو في جمعية ولاية نيويورك يبلغ من العمر 34 عاماً، ويمثّل جناح "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" (DSA) داخل الحزب الديمقراطي، وهو مسلم من أصول جنوب آسيوية وُلد في أوغندا، ويشغل الآن منصب العمدة الـ112 لمدينة نيويورك. لقد أحيا فوزه الانتخابي أملاً في إحداث تغيير تقدمي في إدارة المدينة، وفي إظهار التضامن والدعم لقضية فلسطين. وكان حجم هذا الأمل كبيراً إلى درجة دفعت الكثيرين إلى تبرير تصرفاته وتصريحاته المثيرة للجدل، في حين لا يزال هدفاً لحملة ممولة بسخاء تهدف إلى تقويض إدارته. وقد جاءت الهجمات قاسية بشكل خاص من طبقة المليارديرات في نيويورك عندما تبنّى سياسات مثل تجميد زيادات الإيجار لمليون شخص يقيمون في شقق تخضع لضوابط الإيجار. ومع ذلك، ظلّت الصهيونية، ولا تزال، في صلب الهجمات الموجّهة ضدّه، وقد تكون سبباً في سقوطه السياسي؛ إذ يحاول استرضاء أشخاص يضمرون له الكراهية، ولن يهدأ لهم بال حتى يزيحوه عن منصبه.
لقد كانت قصة ممداني مثيرة وملهمة، ولكن، كما هي الحال دائماً، غالباً ما تؤدي الضغوط الممارسة على التقدميين في المجال السياسي إلى تبنّي سياسات تبتعد تماماً عن النهج التقدمي بمجرد فوز هؤلاء المرشحين بالمناصب. فالطبقة الحاكمة لا تتلاشى لمجرد فوز شخص تعارضه رغم كل جهودها؛ بل تعيد ترتيب أوراقها وتكثّف ضغوطها، لضمان عجز الشخص الذي لم ترغب في وصوله عن تحقيق وعوده الانتخابية على أرض الواقع. لقد أثبتت الطبقة الحاكمة في نيويورك، بكل تأكيد، وفاءها لهذا التقليد المشين عقب أداء ممداني اليمين الدستورية في الأول من كانون الثاني/يناير 2026، إذ دأبت منذ ذلك الحين على إبداء معارضة صريحة وشديدة له. لقد كانت التوقعات المعقودة على ممداني هائلة إلى درجة جعلت الشعور بخيبة الأمل حتمياً؛ إذ نُظر إليه، بشكل يفتقر إلى الواقعية، باعتباره زعيماً لحركة سياسية تقدمية، لا بصفته عمدةً لعاصمة الرأسمالية الأميركية؛ تلك المدينة التي يقرّر فيها أباطرة "وول ستريت" ومديرو صناديق التحوّط من يحقّ له الترشّح للمناصب، ومن يُسمح له بالبقاء في منصبه حينما تتعرّض خياراتهم للعرقلة.
لكن في الآونة الأخيرة، أقدم زهران ممداني على خطوة جعلت من المستحيل على أي شخص ذي توجّهات تقدمية الدفاع عنه. فقد حاول العمدة استرضاء الصهاينة من خلال الكشف عن "استراتيجية لمكافحة معاداة السامية". وكانت مدينة نيويورك تمتلك بالفعل "مكتب العمدة لمكافحة معاداة السامية"، وهو إرث متبقٍّ من العمدة السابق سيّئ السمعة إريك آدامز. ومن خلال وثيقته الجديدة حول "معاداة السامية"، زعم ممداني أنّ سكان نيويورك اليهود الذين يعلنون صراحةً دعمهم لـ"دولة إسرائيل" ليسوا مسؤولين، بطريقة ما، عن أفعالها. كما كرّر مزاعم غير مثبتة بشأن حجم جرائم الكراهية المعادية لليهود، وخصّص مبلغاً إضافياً قدره 6 ملايين دولار للمنظمات اليهودية المموّلة من المدينة، والتي يُعدّ دعم "إسرائيل" جوهر مهامها. ورغم ذلك، قوبل بانتقادات من المجموعات ذاتها التي قام بتمويلها؛ إذ وافق ممداني على مزاعمهم المشكوك فيها وغير المثبتة بأنّ جرائم الكراهية المعادية لليهود تشكّل نصف إجمالي جرائم الكراهية المرتكبة في مدينة نيويورك. إنّ تحليل أبعاد ما لا يمكن وصفه إلا بأنّه "خيانة" أمرٌ صعب، لكنّه ضروري للغاية. ورغم الإلحاح المستمر من جانب أولئك الذين يسعون إلى تحويله إلى "عمدة سابق"، فمن الضروري تسليط الضوء على هذه الخيانة بحقّ مؤيديه، وذلك لصالح أولئك الذين يكرهونه، وسيعملون على ضمان عدم فوزه بأكثر من ولاية واحدة، مهما فعل.
إنّ "إسرائيل" وسكان نيويورك الذين يؤيّدون أفعالها علناً لا يرضيهم شيء. وتأتي الأدلة الشحيحة على تزايد ما يُسمّى بـ"الأنشطة المعادية للسامية" من منظمات مثل "رابطة مكافحة التشهير" (ADL) و"اللجنة اليهودية الأميركية" (AJC)، بينما تتقبّل شرطة نيويورك (NYPD) هذه المزاعم وتعتبرها حقائق مسلّماً بها. أما "اتحاد UJA في نيويورك"، فلم يُبدِ أي إعجاب بخضوع ممداني، بل كشف حقيقة الموقف بوضوح:
"في حين تتضمّن خطة العمدة عدداً من العناصر الإيجابية، بما في ذلك زيادة التمويل الأمني للمؤسسات اليهودية وتوسيع نطاق البرامج المثبتة الفعالية، فإنّها تغفل معالجة قضية جوهرية ساهم العمدة نفسه في ترسيخها، وهي أنّ الخطاب الذي يُشيطن إسرائيل ويشكّك في شرعيتها يؤدي حتماً إلى استهداف سكان نيويورك اليهود".
وها هي الحقيقة أمامكم. قد تشتكي الجماعات اليهودية من افتقارها إلى الأمان، وتطالب بتعزيز الوجود الشرطي أو زيادة التمويل المخصّص لمنظماتها، لكنّها في المحصّلة النهائية تتوقّع تأييداً للصهيونية وصمتاً إزاء جرائم الحرب والإبادة الجماعية. إنّ التعريف الوحيد لمعاداة السامية الذي ينشدونه لا علاقة له بتقارير تتحدث عن رسم رموز "الصليب المعقوف" على الأرصفة؛ فما يريدون سماعه من ممداني هو تبنّي تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست" (IHRA)، الذي يساوي بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، وذلك بالتزامن مع قبولهم أي أموال إضافية تُعرض عليهم. إنّ أسلوب الابتزاز الصهيوني هذا كفيل بأن يجعل المافيا تشعر بالخجل.
إنّ الضغوط التي تمارسها جماعات الضغط (اللوبي) على المشهد السياسي الأميركي تتنافى تماماً مع المبادئ الديمقراطية، وتضمن ألّا يحصل الشعب إلا نادراً على ما يصبو إليه؛ إذ تتواطأ أطراف مثل "وول ستريت"، وشركات الأدوية الكبرى، وشركات النفط، وقطاع التأمين فيما بينها، وتمارس نفوذها القوي على أولئك الذين يُفترض أنّهم يشغلون مناصبهم لخدمة مصالح الشعب. ورغم أنّ الصهاينة ليسوا الوحيدين الضالعين في هذه الممارسات الفاسدة، فإنّ دعمهم لإسرائيل يحتلّ صدارة المشهد في مدينة نيويورك.
ومن بين المنظمات التي زاد ممداني حجم تمويلها "مجلس العلاقات المجتمعية اليهودية" (JCRC). وقد أتاحت الرحلات الدراسية التي ينظّمها هذا المجلس إلى "إسرائيل" الفرصة لأكثر من 500 شخصية، تشمل مسؤولين عموميين منتخبين ومعيّنين، وقادة دينيين وعرقيين، ومهنيين في وكالات الخدمات الإنسانية، وقادة أعمال ونقابات، وصحافيين، لزيارة "إسرائيل". ففي نيويورك، يُتوقّع حتى من أعضاء مجلس المدينة والمشرّعين في الولاية، ممّن لا يملكون تأثيراً مباشراً في السياسة الخارجية تجاه "إسرائيل"، القيام بهذه الرحلات التي تشبه "الرحلات المقدّسة"؛ بل إنّ إريك آدامز نفسه لا يزال من أشدّ المؤيّدين العلنيين لدولة الفصل العنصري.
لن تمنح أيٌّ من هذه الجهات ممداني أدنى اهتمام ما لم يرضخ لمطالبها، ويتراجع عن انتقاداته المحدودة لـ"إسرائيل"، ويتعهّد باعتقال بنيامين نتنياهو. إنّ محاولته غير المدروسة لاسترضائهم لن تجدي نفعاً، ولم تُرضِ أحداً؛ فهذا الخذلان أمر لا يمكن غضّ الطرف عنه أو نسيانه، وبذلك تذهب سدىً كلّ مهارات ممداني في التسويق واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي نهاية المطاف، يتّضح لنا كيف تسير الأمور السياسية حقاً في هذا البلد؛ فالشعبية لا تعني شيئاً للصهاينة الأثرياء، الذين، وإن لم يحصلوا على العمدة الذي أرادوه، يظلّون مالكين لعمدة يمكنهم التحكّم في قراراته وتوجيهه.
نقله إلى العربية: الميادين نت.