"نيويورك": حروب التسوق بالذكاء الاصطناعي بدأت
بدأت حروب التسوق بالذكاء الاصطناعي، ولدى شركات التكنولوجيا الكبرى خطط كبيرة للروبوتات التي ستقوم بكل عمليات الشراء نيابة عنك.
-
"نيويورك": حروب التسوق بالذكاء الاصطناعي بدأت
مجلة "نيويورك" الأميركية تنشر تقريراً يتناول تأثير الذكاء الاصطناعي في التجارة الإلكترونية، والصراع بين شركات التكنولوجيا الكبرى للسيطرة على السوق، مع التركيز على تجربة أمازون كنموذج.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
في أواخر العام الماضي، بدأ بعض التجار الإلكترونيين المستقلين يلاحظون أمراً لافتاً. فعلى الرغم من أنهم لم يتعاملوا مع شركة أمازون مطلقاً، بل تعمّد بعضهم تجنّبها، فقد تلقّوا طلبات شراء بدت كأنها صادرة عنها. وعادةً ما يُعدّ إدراج منتج في منصة أمازون عملية معقّدة، تتطلّب إمّا علاقة بيع بالجملة مع الشركة وإما التسجيل كبائع مباشر على المنصة، غير أنّ هذه العلامات التجارية، وفقاً لتقارير متعددة، لم تفعل أيّاً من ذلك.
وسرعان ما اتّضح أن أمازون كانت تستخلص قوائم منتجات هؤلاء التجار لإدراجها ضمن ميزة التسوق المدعومة بالذكاء الاصطناعي المعروفة باسم "روفوس". فإلى جانب عرض منتجات أمازون نفسها، كان المستخدمون الذين يلجأون إلى "روفوس" يشاهدون منتجات من متاجر خارجية، تُرفَق أحياناً بزر يحمل عبارة "اشترِ لي". وكان هذا الزر يفعّل برنامجاً آلياً تابعاً لأمازون، يتولّى تصفّح موقع التاجر الخارجي، والتحقّق من سعر المنتج وتوفّره، ثم إتمام الطلب ومعالجة الدفع.
وبما أنّ عدد الطلبات كان محدوداً، بدت المسألة مقلقة أكثر منها عاجلة. ففي المرحلة الحالية، اقتصرت تبعات جرأة أمازون على تحقيق بعض المبيعات الإضافية، وولّدَت لدى التجار شعوراً خفيفاً بالانتهاك، علماً أن الشركة تتيح للتجار الخارجيين خيار الانسحاب من هذه الميزة، غير أنّ هذه الخطوة تسلّط الضوء على الكيفية التي ينظر بها بعض العاملين في قطاع التكنولوجيا إلى التسوق المدعوم بالذكاء الاصطناعي: ليس مجرد وسيلة جديدة لبيع المنتجات، بل فرصة لإعادة بسط السيطرة على التجارة الإلكترونية بأكملها.
قبل سنوات قليلة، كانت فكرة أن تقوم أمازون بشراء منتجات تلقائياً من متاجر أخرى نيابةً عن المستخدمين، ومن دون موافقة تلك المتاجر، تبدو غريبة وغير واقعية ومبالغاً في جرأتها. أمّا اليوم، فوفقاً لرواية الشركة نفسها، هكذا ستسير الأمور، لكن المفارقة أنّه إذا حاولت شركة أخرى نشر ميزة تسوق مماثلة قائمة على الذكاء الاصطناعي داخل أمازون، فإن الأخيرة لن تتردّد في مقاضاتها بتهم مثل "التسلل" و"الوصول غير المصرح به" و"التعدي على ممتلكات الغير".
تعني هيمنة أمازون على التجارة الإلكترونية، ولا سيما بالنسبة إلى العلامات التجارية الصغيرة وتجار التجزئة، أنها تُقابَل بأقصى درجات الخوف والريبة، غير أنّ شركات الذكاء الاصطناعي الطموحة في قطاع التجزئة، بما في ذلك "غوغل" و"OpenAI"، تبدو كأنها تتشارك رؤية متقاربة إلى حدّ بعيد لعالمٍ تهيمن فيه روبوتات الدردشة، من موقعها في قمة الهرم، على تجربة التجارة الإلكترونية بأكملها. ووفق هذه الرؤية، لا يقتصر دور هذه الروبوتات على توجيه العملاء نحو تجار التجزئة، بل يتجاوز ذلك إلى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من عمليات التسوق والإعلان والشراء، بما قد يعزّز المبيعات، لكنه في الوقت نفسه يُحوِّل شركاء المتاجر إلى ما يشبه تجار الجملة.
وبعبارة أخرى، قد تجد أمازون نفسها أمام ضغوط متزايدة، فقد بدأت "OpenAI" بطرح ميزة التسوق عبر الدردشة، بالتعاون مع "Shopify" وغيرها، في مسعى لتحقيق عائدات من قاعدة مستخدميها الواسعة غير المدفوعة. وفي الوقت نفسه، أعلنت غوغل مؤخراً عن توجّه كبير نحو التسوق المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إذ شاركت في تطوير "معيار مفتوح جديد للتجارة الآلية" يُعرف باسم "بروتوكول التجارة العالمي". وتهدف الشركة إلى استخدام هذا المعيار لدمج منتجات من منصات مثل "Shopify" و"Etsy" و"Walmart" و"Target" وغيرها ضمن أدوات التسوق المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وإلى جانب التطرّق إلى ملف الإعلانات، الذي تختبره غوغل بالفعل في وضع الذكاء الاصطناعي، تقول الشركة إنها تجرّب أيضاً بعض وظائف التجارة الإلكترونية والحوافز التي كان تجار التجزئة يتولّونها بأنفسهم في السابق.
وإليك مثال على كيفية عمل ذلك: تخيّل أنك تبحث عن سجادة عصرية وأنيقة لغرفة طعام كثيرة الاستخدام. تستضيف عدداً كبيراً من حفلات العشاء، لذا تحتاج إلى سجادة سهلة التنظيف. يعرض غوغل بالفعل المنتجات الأكثر توافقاً مع معايير بحثك، لكنك غالباً لا تكون مستعداً لإتمام الشراء إلا عند الحصول على عرضٍ مغرٍ. هنا، تُتاح للمتاجر المتخصصة فرصة تقديم خصمٍ خاص، ما يساعدك على الحصول على قيمة أفضل، ويُمكّن المتجر في الوقت نفسه من إتمام عملية البيع.
في هذا السياق، تتبنى "غوغل" و"ChatGPT" نهجاً أكثر حذراً، إذ تدعوان الشركاء إلى الانضمام إلى منصاتهما مقابل وعدٍ بزيادة المبيعات، أو على الأقل ضمان عدم تخلّفهم عن الركب في حال تحوّل جزء متزايد من التسوق إلى روبوتات الدردشة (وقد لا يكون أمامهما خيارٌ آخر، في ظل تشديد معظم مواقع الإنترنت إجراءات الحماية ضدّ الاستخراج غير المصرّح به والوصول غير المصرّح به من قِبل تطبيقات الذكاء الاصطناعي). في المقابل، تتبع أمازون نهجاً أكثر صرامة، ساعيةً إلى استيعاب تجار التجزئة الأصغر حجماً ضمن منظومتها، فيما تعيد في الوقت نفسه بناء منصتها حول نموذج التسوق المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
لكن جميع هذه الشركات تراهن على نتيجة متقاربة إلى حدّ بعيد، وهي أن يحلّ التسوق القائم على الدردشة محلّ التصفح والبحث التقليدي، وأن لا يحتاج العملاء إلى مغادرة واجهات الدردشة الخاصة بهم. كما يعني هذا أن تعتمد العلامات التجارية وتجار التجزئة، أكثر من أي وقت مضى، على عدد محدود من شركات التكنولوجيا الكبرى في وظائف أعمالهم الأساسية، بدءاً من اكتشاف المنتجات والإعلان عنها، مروراً بالتسويق، وصولاً إلى الدفع. وقد يُمثّل هذا الإقبال المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي، والابتعاد عن الإنترنت التقليدي، إعادة ضبط جذرية للتجارة الإلكترونية، أو على الأقل وسيلة واعدة لتحقيق الربح من أدوات باهظة الثمن لا تزال تتكبّد خسائر كبيرة.
إذا كنتَ شركة أمازون، فقد تُعدّ هذه فرصة لإعادة ترسيخ مكانتك كالمتجر الرائد في الولايات المتحدة لكل شيء. أما إذا كنتَ شركة "غوغل" أو "OpenAI"، فقد تبدو هذه فرصة لتصبح لاعباً رئيسياً بسرعة كبيرة.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.