"ناشونال إنترست": لماذا تحتاج واشنطن إلى إعادة النظر في آمالها تجاه الرياض؟

على الرغم من العديد من الإغراءات الأميركية، فقد ابتعد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن التطبيع مع "إسرائيل" وعن التحالف الأميركي الأوسع في الشرق الأوسط.

0:00
  • "ناشونال إنترست": لماذا تحتاج واشنطن إلى إعادة النظر في آمالها تجاه الرياض؟

مجلة "ذا ناشونال إنترست" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تراجع مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتحوّل السعودية نحو إعادة تشكيل تحالفاتها الإقليمية بعيداً عن "إسرائيل"، وما يترتّب على ذلك من تداعيات استراتيجية على واشنطن و"إسرائيل".

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

تقاربت "إسرائيل" والسعودية تدريجياً في السنوات الأخيرة، وتعاونتا في قضايا إقليمية، مما أثار آمالاً في كل من "تل أبيب" وواشنطن بأن توافق الرياض قريباً على تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" بشكل كامل.

ويمكن القول إنّ التطبيع السعودي الإسرائيلي (أي إقامة علاقات دبلوماسية رسمية) قد يمثّل تتويجاً مناسباً للتطوّرات الإقليمية الاستثنائية التي أعقبت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وفي الشرق الأوسط المضطرب، تتشكّل التحالفات وتزول، وتظهر تحالفات جديدة استجابةً لتهديدات جديدة مُتصوَّرة، وتتلاشى آمال الاستقرار الإقليمي طويل الأمد أمام طموحات اللاعبين الرئيسيين.

وينطبق هذا على العلاقات السعودية الإسرائيلية. لم تعد الرياض و"تل أبيب" تسيران على طريق التطبيع، كما بدا في الأيام التي سبقت السابع من أكتوبر. مؤخّراً، انتقد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشدة السلوك الإسرائيلي، وعمل على بناء كتلة إقليمية جديدة لموازنة التحالف المتنامي بين "إسرائيل" والإمارات العربية المتحدة.

إنّ ابتعاد السعودية عن "إسرائيل" له تداعيات هائلة، ليس فقط على "تل أبيب"، التي عليها أن تتعامل مع ديناميكيات إقليمية جديدة، بل أيضاً على واشنطن. كان الرئيس دونالد ترامب يأمل أن يفتح التطبيع السعودي الإسرائيلي الباب أمام انضمام المزيد من الدول العربية إلى اتفاقيات أبراهام التي توسّطت فيها الولايات المتحدة (كما تُعرف اتفاقيات السلام الإسرائيلية لعام 2020 مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان).

على مدار العام الماضي، أشاد ترامب، الذي لا يزال متفائلاً، بمحمد بن سلمان بعباراتٍ باذخة، بينما أغدق على الرياض مساعداتٍ عسكرية واقتصادية سخية. ففي تشرين الثاني/نوفمبر، وافق ترامب على بيع ما يصل إلى 48 طائرة مقاتلة متطورة من طراز أف-35 الشبحية، ونحو 300 دبابة للرياض، في حين اتفق هو ومحمد بن سلمان على توسيع العلاقات التجارية وتذليل العقبات أمام الاستثمار في بلديهما.

في ضوء التحرّكات السعودية الأخيرة، من الحكمة أن تتريّث واشنطن، وتدرس الأنشطة السعودية، وربما تعيد النظر في تسليم طائرات أف-35، الذي يتطلّب موافقة الكونغرس، والذي لن يبدأ قبل عدة سنوات على أي حال. كانت "تل أبيب" قلقة بالفعل من أنّ وجود طائرات أف-35 في أيدي السعودية سيهدّد تفوّقها العسكري النوعي على منافسيها الإقليميين، وهو قلق سعت واشنطن باستمرار إلى معالجته. إنّ تزايد العداء السعودي لـ "إسرائيل" لن يؤدي إلا إلى تفاقم هذه المخاوف.

كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد ربط التطبيع السعودي الإسرائيلي، على الأقل، بخطوات إسرائيلية من شأنها تعزيز إقامة الدولة الفلسطينية، لكن يبدو أنّ تحوّله الاستراتيجي الأوسع نطاقاً بعيداً عن "إسرائيل" مدفوعٌ بشكل أكبر بالسياسة الداخلية والتطورات الإقليمية. في الداخل، يواجه معارضةً للتطبيع من أمراء سعوديين ينظرون إلى "إسرائيل" كمنافس أكثر منها شريكاً، ومن رجال دين لا يزالون يكنّون ضغينةً لليهود، ومن شباب سعوديين يُحمّلون "إسرائيل" مسؤوليةً كبيرةً عن التداعيات الدموية لأحداث أكتوبر 2023.

وبالنظر إلى المنطقة، يرى ولي العهد محمد بن سلمان إيران ضعيفةً للغاية (مما يقلل حاجة الرياض إلى القوة العسكرية الإسرائيلية)، ويرى "إسرائيل" تبدو وكأنها تسعى إلى تحقيق طموحاتها الخاصة للهيمنة، خاصة بعد ضرب قادة حماس في الدوحة وتشكيل سوريا ما بعد الأسد.

ولكن حتى قبل أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين تلت ذلك التغييرات الجذرية، كانت الرياض تُمهّد الطريق لإعادة تشكيل إقليمي. ففي آذار/مارس من ذلك العام، أعلنت الرياض وطهران استئناف العلاقات بينهما بعد انقطاع دام سبع سنوات، وقد أثبتت هذه الخطوة صمودها؛ ففي نيسان/أبريل الماضي، زار وزير الدفاع السعودي طهران لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي.

مع تصاعد التوتر بين السعودية و"إسرائيل"، تتجه السعودية أيضاً نحو الإمارات، حليفتها المقربّة، مما يُشير إلى "تحوّل جذري في موازين القوى الإقليمية". وقد شنّ السعوديون، الداعمون للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، هجمات في الأسابيع الأخيرة على المتمردين المدعومين من الإمارات في اليمن الذي مزّقته الحرب.

وعلى نطاق أوسع، تسعى الرياض إلى موازنة النفوذ المتزايد لأبو ظبي قرب البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتوسيع تحالفاتها الأخرى، كعملها على تعزيز التعاون الأمني ​​مع مصر والصومال.

وبسبب مخاوفها من "إسرائيل" والإمارات أكثر من إيران، تُعزّز السعودية علاقاتها مع تركيا.

وقد تُنذر مساعي تركيا للانضمام إلى اتفاقية الدفاع التي وقّعتها السعودية مع باكستان في أيلول/سبتمبر، والتي تتضمّن بنداً للدفاع المشترك يُشبه المادة الخامسة من حلف الناتو، بـ"محور تركي سعودي مدعوم بهيكل دفاعي شبيه بحلف الناتو، مُنحاز ضمنياً ضد إسرائيل والإمارات".

باختصار، تصطدم آمال الولايات المتحدة في تعزيز العلاقات مع الرياض وإتمام تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية بالقيود الداخلية لولي العهد محمد بن سلمان وطموحاته الإقليمية. ولحماية مصالحها، ينبغي على واشنطن، بحكمة، إعادة تقييم المشهد المتغيّر والاستجابة وفقاً لذلك.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.