"فورين بوليسي": مسؤولية جماعات الضغط الإسرائيلية عن الحرب الإيرانية
تطرح "فورين بوليسي" سؤالاً: إلى أي مدى يتحمل اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة بعض المسؤولية عن الحرب؟
-
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أرشيفية)
تتحدث مجلة "فورين بوليسي" عن الحرب على إيران وتأثير جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" على إدارة ترامب، ما يجعل الولايات المتحدة طرفاً نشطاً في الصراع ويزيد كلفة الحرب على المنطقة.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
خبر عاجل: الحرب في إيران لا تسير كما هو متوقع. قد أقول إنها لا تسير "كما هو مخطط لها"، إلا أن هذه الكلمة تبدو غير مناسبة تماماً في هذه الحالَة. فبينما يواجه الأميركيون وغيرهم كارثة أخرى في الشرق الأوسط، يريدون معرفة المسؤول. من الأهمية بمكان توجيه اللوم إلى أهله، ولكن من المهم بنفس القدر عدم اتهام الأبرياء ظلماً.
ليس من المستغرب أن يعتقد بعض المراقبين أن هذه حرب تُشنّ نيابةً عن "إسرائيل". ويستشهدون في ذلك بتصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن الإدارة الأميركية كانت على علمٍ مسبق بنيّة "إسرائيل" الهجوم، وتوقعت ردّ إيران المحتمل على القوات الأميركيّة في المنطقة، ولذلك اختارت المبادرة بالهجوم الاستباقي. علاوةً على ذلك، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط بقوة من أجل حرب أخرى منذ أشهر، وهناك العديد من المحللين المؤيدين لـ"إسرائيل" مثل رئيس تحرير صحيفة "جيروزاليم بوست" السابق وكاتب عمود صحيفة "نيويورك تايمز" الحالي بريت ستيفنز الذين دعوا مراراً وتكراراً إلى الحرب على إيران في الماضي، ولا يزالون يدافعون عن الحرب الحالية حتى الآن.
اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة ودوره في الحرب على إيران
يثير هذا تساؤلاً بديهياً: إلى أي مدى يتحمل اللوبي الإسرائيلي هنا في الولايات المتحدة بعض المسؤولية عن الحرب؟ قبل الخوض في هذا السؤال بالتفصيل، لا بد من التنبيه إلى نقطتين.
كما أوضحنا أنا وجون ميرشايمر في كتابنا الصادر عام 2007 حول هذا الموضوع، فإن جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" لا تُعرف بالدين أو العرق، بل بالمواقف السياسية التي يسعى أعضاؤها إلى الترويج لها. إنها تحالف فضفاض من جماعات وأفراد هدفهم المشترك هو الحفاظ على علاقة خاصة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل".
عملياً، تعني هذه العلاقة الخاصة تقديم دعم عسكري ودبلوماسي سخي لـ"إسرائيل" بغض النظر عن أفعالها. تضم جماعات الضغط هذه يهودًا وغير يهود، والعديد من اليهود الأميركيّين ليسوا جزءاً من جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" ولا يؤيدون هذه العلاقة الخاصّة. علاوة على ذلك، فإن بعض العناصر الرئيسية في هذه الجماعات (مثل الصهاينة المسيحيّين) ليسوا يهوداً.
من المسؤول إذن؟
أولاً وقبل كل شيء، الرئيس دونالد ترامب وحاشيته من الموالين عديمي الكفاءة والمسؤولين. فكما فعل جورج دبليو بوش عام 2003، اتخذ القرار، ويتحمل المسؤولية الكاملة عن عواقبه. وبالطبع، يتحمل نتنياهو، الذي يسعى لفرض هيمنة "إسرائيل" على المنطقة بأسرها، ولكنه لا يملك أي فرصة لتحقيق ذلك دون دعم أميركي فعّال، مسؤولية مباشرة أيضاً.
لكن لا يتصرف أي رئيس بمفرده تماماً، مهما حاول ترامب إيهامنا بذلك ومن الثابت أن ترامب يتأثر بما يسمعه من المحيطين به. وتضم دائرته المقربة العديد من المدافعين الشرسين عن "إسرائيل"، والمستفيدين منذ زمن طويل من التبرعات لحملات انتخابية مرتبطة بـ"إسرائيل"، أو كليهما. مبعوثا ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر كلاهما من أشد المؤيدين لـ"إسرائيل"، وكذلك سفير الولايات المتحدة لدى "إسرائيل" مايك هاكابي.
وكان روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي، من أشد المؤيدين للعلاقة الخاصة بين "إسرائيل" و"إسرائيل" خلال مسيرته في مجلس الشيوخ، وكان من أكبر متلقي تمويل الحملات الانتخابية المؤيدة لـ"إسرائيل". وعملترئيسة موظفي البيت الأبيض الحالية، سوزي وايلز، مستشارةً لحملة نتنياهو لإعادة انتخابه عام 2020. وباستثناء مديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد، التي شككت في الدعم الأميركي المفرط لـ"إسرائيل" قبل انضمامها إلى حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، يصعب إيجاد أي شخص في المناصب العليا بالإدارة الأميركية يؤيد علناً النأي بالولايات المتحدة عن "إسرائيل".
ثانياً، أقرّ ترامب نفسه بتأثره بشخصيات مؤيدة لـ"إسرائيل" بشدة، مثل الراحل شيلدون أديلسون وزوجته ميريام..
ثالثاً، لم تندلع هذه الحرب من فراغ. صحيح أن الولايات المتحدة وإيران على خلاف منذ عقود، ولا تتحمل "إسرائيل" ولا جماعات الضغط وحدها مسؤولية الشكوك التي ينظر بها كل بلد إلى الآخر. مع ذلك، عملت جماعات ضغط مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية "أيباك"، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والمنظمة الصهيونية الأميركية، ومنظمة "متحدون ضد إيران النووية" على تشويه صورة إيران على مر السنين، ومنع الشركات الأميركية من ممارسة أعمالها هناك، وإفشال محاولات الرئيسين الإيرانيين السابقين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي لتحسين العلاقات. بذلت هذه الجماعات جهوداً مضنية لإحباط اتفاق عام 2105، وأقنعت ترامب في نهاية المطاف بإلغاء الاتفاق عام 2018 رغم التزام إيران الكامل به. لو لم يفعل ترامب ذلك، لكان هناك سبب أقل بكثير للقلق بشأن البرنامج النووي الإيراني اليوم.
أخيراً، من خلال جعل ممارسة ضغط فعّال على "إسرائيل" شبه مستحيلة على الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، مكّنت جماعات الضغط نتنياهو من الانخراط في قيادة متهورة في جميع أنحاء المنطقة، سواء في جهود "إسرائيل" المستمرة لقمع الفلسطينيين أو في هجماتها المتكررة على غزة ولبنان واليمن وسوريا، وحتى قطر. ورغم أن ستيفن سيمون محق في قوله إن "إسرائيل" لم تُجبر الولايات المتحدة على خوض هذه الحرب الأخيرة، إذ انخرطت إدارة ترامب فيها طواعيةً وبحماس، فإن دور جماعات الضغط في الدفاع عن العلاقة الخاصة وتمكين "إسرائيل" من الاستمرار في زعزعة السلام يساعدنا على فهم سبب تورط الأميركيين باستمرار في صراعات مكلفة بعيداً عن ديارهم.
خلاصة القول: مع تفاقم هذه الكارثة الأخيرة، سيرغب الأميركيون وغيرهم، عن حق، في محاسبة المسؤولين. ينبغي عليهم التركيز على الجماعات والأفراد تحديداً، بدءاً من الرئيس وصولاً إلى أدنى المستويات، الذين تبنّوا نهج "إسرائيل" تجاه المنطقة، وتمكنوا من إقناع أنفسهم بأن موجة عنف أخرى ستصب في مصلحة الولايات المتحدة.
إلى أن يتقلص نفوذ جماعات الضغط، وتقيم الولايات المتحدة علاقة أكثر طبيعية مع "إسرائيل"، فمن المرجح أن تتكرر مثل هذه الأحداث، مما يجعل الولايات المتحدة تبدو كقوة متسلطة عديمة الرحمة، ويزيد من معاناة الجميع.