"فورين أفيرز": هل تستطيع السعودية الاستمرار في سياسة الموازنة؟
السعودية تنتهج استراتيجية "تحوط" حذرة توازن بين بناء تحالفات إقليمية جديدة وتجنب الصدام المباشر مع إيران لحماية استقرارها الاقتصادي واستقلالها الاستراتيجي بعيداً عن الهيمنة الأميركية أو الإسرائيلية.
-
الأمير السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب
مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تؤكد، في مقال لها، أن الحرب على إيران غيّرت موازين القوى في الخليج، وحسابات السعودية، وأن استراتيجيتها الراهنة تجاه الصراع الإيراني الإسرائيلي تعكس تحولاً جذرياً نحو الاستقلال الاستراتيجي، حيث تسعى الرياض لتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مدمرة عبر بناء تحالفات أمنية جديدة تتجاوز المظلة الأميركية التقليدية.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
على مدار 6 أسابيع من الحرب بين إيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة، أثار ضبط النفس الذي أبدته السعودية حيرة بعض المراقبين. فبعد كل شيء، امتدت الحرب سريعاً إلى الخليج. وقد أنهت الهجمات الإيرانية الانتقامية على البنية التحتية في دول الخليج، ثم إغلاق طهران لمضيق هرمز وحصار واشنطن اللاحق له، نموذجاً أمنياً هيمن لعقود وساهم في الصعود المذهل لاقتصادات دول الخليج.
وعلى الرغم من سماح السعودية للقوات الأميركية باستخدام قواعدها، إلا أنها امتنعت عن الرد المباشر على الضربات الإيرانية. واكتفت بإصدار تحذيرات دبلوماسية مقتضبة، لكنها، على عكس الإمارات، لم تدعُ إلى استمرار الحرب أو تتعهد بالانضمام إلى الحملة الأميركية الإسرائيلية. وعلى عكس عُمان وقطر، اقتصرت جهودها الدبلوماسية مع إيران، واكتفت بدعم جهود باكستان للتوسط في خفض التصعيد.
ويُعدّ موقف الرياض، إلى حد ما، امتدادًا لاستراتيجية تحوط طويلة الأمد. تخشى السعودية من إيران القوية للغاية، فبعد القطيعة التي حدثت عام 2016، لم تُطبع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلا عام 2023، بموجب اتفاق توسطت فيه الصين. لكن منذ ذلك الحين، باتت السعودية تخشى طموحات "إسرائيل" في الشرق الأوسط أيضاً. فهي لا ترغب في أن تصبح إيران أو "إسرائيل" قوة مهيمنة إقليمياً. وقد أدت الحرب إلى زعزعة التقارب بين الرياض وطهران، لكن لا ترغب أي من العاصمتين في انهيار العلاقات تماماً.
وحتى الآن، تتبنى الرياض موقف الترقب والانتظار. فهي حريصة على الحفاظ على وقف إطلاق النار مع الحوثيين، وهو نتاج تطبيع علاقاتها مع إيران. إن مشاركة السعودية المباشرة في الحرب من شأنها أن تُشجع اليمنيين على شن هجمات، مما يُهدد صادرات النفط السعودية العابرة للبحر الأحمر. لكنها تُدرك أيضاً أنها لا تستطيع الوثوق بالولايات المتحدة لضمان أمن الشرق الأوسط. فإذا صعّدت إيران هجماتها، مستهدفةً البنية التحتية السعودية الحيوية، فقد تدخل الرياض الحرب، ناشرةً قواتها الجوية وقدراتها الصاروخية.
بغض النظر عن كيفية انتهاء الصراع، تدرك السعودية ضرورة الحفاظ على اقتصادها واستقلالها الاستراتيجي. ستواصل المملكة الاعتماد على واشنطن للحصول على بعض الدعم، لكن سيتعين عليها استكمال ذلك بتعميق تحالفها الإقليمي مع مصر وباكستان وتركيا، والسعي إلى مزيد من الاعتماد على الصين. كما ستحتاج إلى البحث عن ترتيب جديد مع إيران لإدارة تداعيات الحرب. إذا تمكنت من تحقيق ذلك وحشد دعم جميع دول مجلس التعاون الخليجي لموقفها (بما في ذلك الإمارات والبحرين اللتين ضغطتا من أجل موقف أكثر حزماً تجاه طهران)، فسيكون لديها فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي والعالمي بعد انتهاء الحرب، بدلاً من أن يتراجع.
اختلال التوازن
لطالما فضّلت السعودية إيران ضعيفة ومُحاصرة، لا تُهدد أمن الرياض أو خططها الاقتصادية. بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، راقبت السعودية بقلق تنامي نفوذ إيران في العالم. وكان دعم الجمهورية الإسلامية لتمرد اليمنيين في اليمن مصدر قلق بالغ للرياض، ما دفعها للتدخل عسكرياً هناك، الأمر الذي فاقم التوترات مع إيران. انهارت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين بعد هجوم شنّه حشد غاضب على السفارة السعودية في طهران عام 2016، وبعد ثلاث سنوات، تعمّق الخلاف أكثر بعد أن هاجم اليمنيون - بتحريض من إيران - منشآت نفطية سعودية، ما أدى إلى تعطيل نصف إنتاج النفط السعودي لفترة وجيزة.
صدم الهجوم المباشر القادة السعوديين. لكنّ تقاعس الولايات المتحدة عن الرد بقوة، وتخليها عن التزاماتها بالدفاع عن شريكها وحماية أمن الطاقة العالمي، كان له وقع مماثل. أقنعت هذه التجربة الرياض بأنها لا تستطيع الاعتماد على الضمانات الأمنية الأميركية. استثمرت السعودية في إنتاج صواريخها الخاصة، وهددت بامتلاك أسلحة نووية، ولجأت إلى بكين لمساعدتها في تطبيع العلاقات مع طهران.
في الوقت نفسه، سعت السعودية إلى عقد اتفاقية دفاعية رسمية مع الولايات المتحدة وتطبيع العلاقات مع "إسرائيل".
شكّل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وردّ "إسرائيل" العسكري الواسع، تحدياً جديداً للسعودية. اعتبرت الولايات المتحدة التطبيع الدبلوماسي بين "إسرائيل" والسعودية شرطاً أساسياً لاتفاقية دفاعية، لكن العمليات الإسرائيلية في غزة جعلت التطبيع مستحيلاً سياسياً، على الأقل في المدى القريب. كما حوّلت حرب غزة "إسرائيل" إلى قوة عسكرية جبارة عازمة على رسم مستقبل الشرق الأوسط. كانت السعودية تخشى إيران، لكنها في الوقت نفسه لم تكن راغبة في الانخراط في نظام إقليمي تحدده "إسرائيل" بالكامل. ولتوسيع خياراتها، وقّعت السعودية اتفاقية دفاعية مع باكستان العام الماضي. أصبح ذلك الاتفاق أساساً لتحالف إقليمي أوسع، ضمّ مصر وتركيا أيضاً، لردع التهديدات التي تواجه المصالح السعودية من إيران و"إسرائيل" واحتوائها، وهو تنسيق مهّد الطريق لجهود الوساطة الباكستانية في النزاع الحالي.
سبقت العلاقات الثنائية بين الدول الأربع الحرب الأخيرة، لكنها لم تتخذ شكل محور متعدد الأطراف إلا بعد انتهائها.
ورغم أن الرياض لم تكن ترغب في هذه الحرب، إلا أنها لم ترَ جدوى تُذكر في وقف إطلاق نار هشّ، من شأنه أن يُشعل على الأرجح جولات إضافية من القتال، ويُطيل أمد التهديد بنزاع طويل الأمد إلى أجل غير مسمى. وقد ساهمت الضربات الأميركية الإسرائيلية التي أودت بحياة قادة إيران قبل الحرب في بروز شخصيات أكثر تشدداً وتطرفاً، ونظراً لأن إدارة ترامب لم تُعلن عن استراتيجية متماسكة لإدارة الحرب، ولم تُوفر حماية فعّالة لدول الخليج من الرد الإيراني، فإن الرياض لا تثق في قدرة واشنطن على استعادة الأمن الإقليمي بعد انتهاء النزاع. لم تتبنَّ دول مجلس التعاون الخليجي نهجاً مشتركاً في الحرب، وقد اتخذت السعودية موقفاً وسطاً بين عُمان وقطر - اللتين نأتا بنفسيهما عن الصراع وأعلنتا تعاونهما مع إيران بعد انتهائه - وبين البحرين والإمارات، اللتين شجعتا "إسرائيل" والولايات المتحدة على إضعاف الجمهورية الإسلامية أو تفكيكها بشكل حاسم. (ويبرز التباين بشكل خاص مع الإمارات: فقد هاجمت الإمارات منشأتين نفطيتين إيرانيتين في اليوم الذي اتفقت فيه إيران والولايات المتحدة على وقف إطلاق النار).
المستقبل
تتمثل أولوية السعودية في تجنب التورط في صراع يُعرّض بنيتها التحتية الحيوية واقتصادها وتنميتها المستقبلية للخطر. مع ذلك، إذا شنت إيران هجمات أوسع نطاقاً على بنيتها التحتية، فقد تدخل الرياض الحرب؛ وإذا التزمت البحرين والإمارات التزاماً كاملاً بمحاربة إيران، فقد يؤثر ذلك أيضًا على حساباتها. لكن الانضمام إلى الحرب قد يُجبر السعودية على تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" دون الحصول على تنازلات جوهرية بشأن القضية الفلسطينية، التي تُعدّ مهمة للشعب السعودي وللعالم العربي الأوسع الذي تطمح السعودية إلى قيادته.
وتعتقد السعودية أن "إسرائيل" ترى في الحرب وسيلةً لجعل دول الخليج تابعةً لها، وحصر إيران والسعودية في صراع طويل الأمد، ما يُرسّخ هيمنة "إسرائيل" ويُحوّل دول الخليج إلى مجرد منتجين للنفط ذوي أهمية استراتيجية ضئيلة.
حتى لو بقيت السعودية على الحياد وانتهت الحرب سريعاً، فقد تجد نفسها أمام وضعٍ مُعقد. فإيران، وإن كانت مُنهكة، قد تُواصل سيطرتها في الخليج. من جانبها، تفترض طهران أن هجماتها على دول الخليج لن تعرقل التعاون المستقبلي. فبعد حربها التي استمرت 12 يوماً في حزيران/يونيو 2025، أبلغت إيران دول الخليج أنها سترد على الدول التي تستضيف قواعد أميركية في حال اندلاع حرب جديدة. وعندما استؤنفت الحرب في أواخر شباط/فبراير، تجاوزت إيران ذلك، إذ استهدفت البنية التحتية للطاقة والمواقع المدنية في الخليج، وأغلقت مضيق هرمز.
وترى إيران أن الضرر الذي ألحقته الحرب بعلاقاتها مع جيرانها في الخليج لا يُقارن بالرسالة التي حملتها هذه التصعيدات: وهي أن التحالفات مع الولايات المتحدة لا تضمن أمن دول الخليج. وتعتقد إيران أنه بعد انتهاء الحرب، ستدرك دول الخليج أن ازدهارها الاقتصادي يتطلب منها التعاون معها.
وقد أدركت إيران أن فرض سيطرتها على مضيق هرمز قد يكون أداة استراتيجية قوية لردع أي عدوان مستقبلي. وقد بات من الشائع في أوساط السياسة الإيرانية القول بأنه لو استخدمت إيران ورقة هرمز مبكراً، لما واجهت عقوبات قاسية أو حرباً من الأساس. أدركت إيران أيضاً إمكانية مضيق هرمز كمصدر للدخل في حال فرضت رسوماً على التجارة البحرية، على غرار ما تفعله مصر مع قناة السويس.
قبل بدء الحصار الأميركي، طرحت إيران فكرة إدارة مضيق هرمز بالتعاون مع عُمان. وبموجب هذا الترتيب، تستطيع طهران تقييد وصول البحرية الأميركية إلى الخليج (بل وحتى كسر الحصار)، والتفاوض على تنازلات اقتصادية وسياسية من الدول التي تعتمد على التجارة عبر المضيق. كما أشارت إلى إمكانية توسيع الصين لدورها في الوساطة لتطبيع العلاقات بين الرياض وطهران. إلا أن الرياض حريصة على تجنب تحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
منطقة الصداقة
أمام خيارين لا يُرضيان أحداً - إما الخضوع للهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط أو قبول التهديد الإيراني - تسعى الرياض إلى تعزيز موقعها عبر عقد تحالفات جديدة. فبعد وقت قصير من اندلاع الحرب، عقدت مصر وباكستان والسعودية وتركيا اجتماعاً طارئاً لوزراء خارجية الدول الإسلامية، ما أدى إلى بروز باكستان كوسيط. ولا يخدم هذا الوضع السعودية في إنهاء الحرب فحسب، بل يضمن أيضاً عدم استبعاد الرياض من أي اتفاق قد تُبرمه طهران وواشنطن. وإذا تعمّق التعاون بين هذه الدول الأربع، فقد يمنح السعودية ثقلاً استراتيجياً يتجاوز مجلس التعاون الخليجي والمظلة الأمنية الأميركية. تمتلك مصر وباكستان وتركيا جيوشاً ضخمة مزودة بأسلحة متطورة تقنياً. تمتلك باكستان أسلحة نووية، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
من الواضح أن الرياض تبحث عن شركاء أمنيين خارج واشنطن، وتأمل أن تتمكن أربع دول من التأثير على "إسرائيل" والولايات المتحدة بشكل أكثر فعالية مما تستطيع السعودية فعله بمفردها. قد تسعى السعودية إلى الحصول على قدرات طائرات مسيّرة دفاعية من قوى أخرى مستاءة من عدم استقرار واشنطن، مثل كندا والدول الأوروبية. وقد بدأت بالفعل في ذلك: ففي أواخر آذار/مارس، وقّعت أوكرانيا اتفاقية مع السعودية لمساعدة المملكة على دمج تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في أنظمة الدفاع الجوي. وإذا عزّزت المجموعة الرباعية تعاونها في مجال الردع الدفاعي، ستكون السعودية في وضع أفضل للتكيف مع الأزمات الممتدة ولعب دور الوسيط في جبهات أخرى مثل لبنان وغزة.
كما ستحتاج السعودية إلى وضع إطارها الخاص لأمن الخليج، وحشد دول الخليج الأخرى والمجموعة الرباعية لدعم اتفاق مع إيران بشأن الأمن البحري في الخليج. وستطالب إيران السعودية بضمان عدم استخدام القواعد الأميركية الموجودة لديها لشنّ هجمات على الأراضي الإيرانية. أما السعودية، فستتوقع ضمانات بأن أراضيها لن تكون هدفاً للرد من إيران أو وكلائها.
لكي تنجح اتفاقية عدم الاعتداء هذه، سيتعين على السعودية الاستثمار في جعل مجلس التعاون الخليجي مؤسسة متعددة الأطراف قادرة فعلاً على ضمان المرونة الاقتصادية والدفاع لجميع أعضائه، كما يجب أن تتضمن الاتفاقية ضمانات أمنية للدول الأخرى الأعضاء في المجلس التي تتبنى الاتفاق نفسه. وقد اتبعت عُمان وقطر بالفعل نموذجاً مماثلاً في التعامل مع إيران، ولم تتعرضا لهجمات على أراضيهما خلال الحرب الأخيرة؛ وقد ترى دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي مصلحة في الاقتداء بهما.
من الطبيعي أن تنظر "إسرائيل" إلى تحركات السعودية لتعزيز شراكاتها مع مصر وباكستان وتركيا، والتعامل مع إيران ما بعد الحرب، على أنها خطيرة. ولكن إذا اكتسبت هذه المجموعة الرباعية نفوذاً أكبر، وتم التوصل إلى اتفاقية عدم اعتداء إيرانية سعودية، فقد يفيد ذلك "إسرائيل" من خلال احتواء إيران ووكلائها، والمساهمة في تمهيد الطريق لتطبيع العلاقات بين "إسرائيل" والسعودية.
تنظر الرياض إلى القيادة الجديدة في طهران بعين الريبة، إذ تعتبرها أكثر تشدداً وأكثر انقساماً. وهي شريك غير محتمل في صياغة ترتيب أمني إقليمي قابل للتطبيق. لكن إيران والسعودية ستظلان جارتين. تُقيّد الجغرافيا خياراتهما. والبديل عن التعايش هو دوامة صراع مستمرة من شأنها أن تُهلك كلاً من إيران ودول الخليج.
نقله إلى العربية: الميادين نت.