"ذي أتلانتيك": إيران بلا قيود

إيران أكثر قوة ونفوذاً في "الشرق الأوسط" بعد حرب فشلت في إخضاعها، وعززت قدرتها على الردع وفرض معادلات جديدة في المنطقة في مقابل تراجع قدرة الولايات المتحدة و"إسرائيل" على كبح نفوذها، هذا ما أكده مقال في مجلة "ذي أتلانتيك".

0:00
  • "ذي أتلانتيك": إيران بلا قيود

رأى مقال في مجلة "ذا أتلانتيك"، لروبرت كاغان أحد أبرز منظّري الهيمنة الأميركية والتدخل العسكري منذ الحرب على العراق، أن القوة المهيمنة في "الشرق الأوسط" مستقبلاً لن تكون الولايات المتحدة أو "إسرائيل"، بل إيران، معتبراً أن المواجهة الأخيرة أعادت تشكيل بنية القوة في المنطقة بصورة كبيرة.

ووفق الكاتب فإنه لسنوات، واجهت إيران توازن قوى إقليمي في "الشرق الأوسط"، في ظل وجود قوة عظمى أميركية معادية، و"إسرائيل" متفوقة عسكرياً ومسلحة نووياً، إلى جانب قوى إقليمية، بينها مصر والسعودية والإمارات، ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية مع واشنطن.

ورأى أن إيران تجد نفسها اليوم أمام ظروف مختلفة. فقد واجهت الولايات المتحدة و"إسرائيل" مباشرة، وصمدت أمام القصف بأسلحتهما المتقدمة ونجت منه، ما فرض واقعاً جديداً بدأت الدول المجاورة بالفعل تكييف سياساتها معه.

إضعاف إيران لم يتحقق

وقال إنّ الافتراض القائل أن إضعاف إيران اقتصادياً وعسكرياً سيدفعها في نهاية المطاف إلى التكيف مع المطالب الأميركية لم يتحقق.

فبعد تجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملة "الضغط الأقصى"، جاءت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" واستهدفت المنشآت النووية الإيرانية، ثم المواجهة الأخيرة التي طالت القيادة والقدرات العسكرية الإيرانية.

ورغم ذلك، صمدت طهران من دون تقديم تنازلات، وتمكنت في المقابل من كشف نقطة ضعف أساسية لدى واشنطن تتمثل في هشاشة البنية التحتية للطاقة لدى حلفائها في الخليج.

وشكّل استهداف "إسرائيل" حقل غاز بارس الجنوبي الإيراني، في آذار/ مارس، ورد طهران بضرب مجمع رأس لفان القطري، نقطة تحول في المواجهة، إذ أظهر أن إيران، وإن لم تكن قادرة على هزيمة الولايات المتحدة في حرب جوية، تستطيع بصواريخها ومسيّراتها إلحاق أضرار كبيرة بمنشآت النفط والغاز الخليجية، بما يهدد بإدخال الاقتصاد العالمي في أزمة طويلة الأمد.

وبعد ذلك، أوقف ترامب الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية، ودفع "إسرائيل" إلى وقفها أيضاً، قبل أن تتوقف الحملة الأوسع من دون انتزاع تنازلات من طهران.

مضيق هرمز في قلب ميزان القوى الجديد

وتابع الكاتب قائلاً: إنّ مذكرة التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران في حزيران/يونيو عكست التحول في موازين القوى، إذ نصت على تولي إيران ترتيبات ضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، وإدارة الملف من خلال الحوار مع سلطنة عُمان.

ولم تمنح المذكرة الولايات المتحدة دوراً في إدارة المضيق مستقبلاً، فيما أتاحت لطهران فرض رسوم مقابل المرور الآمن بعد 60 يوماً.

لكن التوتر عاد سريعاً مع بدء البحرية الأميركية مرافقة ناقلات النفط عبر الجانب العُماني من المضيق، وهو ما اعتبرته طهران محاولة لاستعادة ما تنازلت عنه واشنطن.

وتبادل الطرفان الضربات لفترة، وصولاً إلى هجمات أميركية مكثفة في منتصف تموز/يوليو. وهدد ترامب لاحقاً بتدمير محطات الطاقة والجسور الإيرانية ما لم تعد طهران إلى المفاوضات، إلا أن التهديد لم يتبعه هجوم.

مخزون الذخائر يقيّد الخيارات الأميركية

تزامنت هذه التطورات مع الكشف عن تراجع مخزون الولايات المتحدة من ذخائر حيوية إلى مستويات خطرة، الأمر الذي يفرض قيوداً إضافية على قدرتها على شن حملة عسكرية واسعة ضد إيران.

فأي هجوم كبير من شأنه استنزاف قدرات تحتاج إليها واشنطن في ساحات أخرى، ولا سيما في حال حدوث مواجهة مرتبطة بتايوان أو اندلاع صراع بين روسيا وإحدى دول حلف شمال الأطلسي.

وبحسب كاغان، فإن نقص الصواريخ يزيد مخاطر أي هجوم على البنية التحتية الإيرانية، إذ قد تضطر الولايات المتحدة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الطائرات المأهولة، مع تراجع عدد الصواريخ الاعتراضية المتاحة لحماية قواعدها في الخليج.

واشنطن تخشى التصعيد أكثر من طهران.. وهرمز أداة ردع

وأظهرت التحركات الأميركية أن واشنطن أصبحت أكثر خشية من التصعيد مقارنة بطهران، وهو ما يحد من خياراتها حتى عند مستويات أقل من المواجهة الشاملة.

ووفق الكاتب فإن إيران لا تنظر إلى السيطرة على المضيق باعتبارها ورقة تفاوضية فحسب، بل كأحد أقوى عناصر الردع في مواجهة احتمال تعرضها لهجوم أميركي أو إسرائيلي جديد.

وعملت طهران خلال الأشهر الماضية على ترسيخ آليات جديدة لإدارة المضيق، من خلال إنشاء هيئة خاصة به وإلزام شركات الشحن بالتسجيل والحصول على تصاريح واتباع مسارات محددة.

كما طرحت إمكانية منع سفن الدول التي تعتبرها معادية من المرور، وطالبت بتعويضات من الدول التي شاركت في الهجمات ضدها، فيما سعت دول، بينها الهند وباكستان والعراق وتركيا والصين، إلى التوصل إلى تفاهمات بشأن الترتيبات الجديدة.

وتمنح السيطرة على هرمز إيران نفوذاً يومياً على عشرات الدول، عبر قدرتها على التأثير في تدفقات الطاقة، ومكافأة حلفائها والضغط على خصومها، وجني الإيرادات، والتأثير في قدرة الدول على المشاركة في العقوبات المفروضة عليها.

دول الخليج تعيد حساباتها

وبالتوازي مع ذلك، بدأت ملامح إعادة التموضع الإقليمي بالظهور. فدول الخليج التي اعتمدت سابقاً على الضمانات الأمنية الأميركية باتت أمام واقع يدفعها إلى إعادة النظر في علاقاتها وتحالفاتها.

وأشار الكاتب هنا إلى أن رفض السعودية لاتفاقيات "أبراهام" المدعومة أميركياً وإسرائيلياً، مقابل اتفاق استراتيجي مع باكستان وتركيا، ضمن مؤشرات هذا التحول نحو ترتيبات أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة وأقل عدائية تجاه إيران.

ولا تقتصر نتائج المواجهة على المنطقة، إذ إن استنزاف جزء من مخزون الأسلحة الأميركية في حرب مع إيران يطرح أسئلة لدى حلفاء واشنطن في آسيا وأوروبا بشأن قدرتها على خوض صراعات أخرى كبيرة.

كما قد تراقب الصين وروسيا التجربة الأميركية مع إيران لاستخلاص نتائج مرتبطة بتايوان وأوروبا، في وقت سيتساءل فيه الحلفاء عن مدى امتلاك واشنطن الأسلحة والقدرة على التحمل والإرادة السياسية اللازمة لمواجهة كبرى أخرى.

وعلى الرغم من المشكلات الداخلية التي تواجه النظام الإيراني، من أزمات اقتصادية وسياسية، فإن هذه المشكلات كانت موجودة قبل الحرب. الجديد، هو امتلاك إيران نفوذاً أكبر على أهم ممر مائي للطاقة في العالم، وقدرتها المثبتة على الردع، وما تعتبره طهران انتصاراً في مواجهة الولايات المتحدة.

إنّ النظام الذي نجا من حرب كان يُعتقد أنها قد تدمره، وأجبر القوة المهيمنة عالمياً على التراجع، مرشح للخروج أكثر ثقة وطموحاً، ولو لفترة من الزمن، يؤكد كاغان.

نقله إلى العربية: الميادين نت

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.