"ذا أتلانتيك": حركة "MAGA" تجعل العالم بيئة خصبة للفساد
لقد حوّل أصحاب الأيديولوجيات اليمينية المتطرفة السياسة الخارجية الأميركية إلى أداة لتحقيق مكاسب خاصة وممارسة نزعة رجعية مناهضة للديمقراطية.
-
"ذا أتلانتيك": حركة "MAGA" تجعل العالم بيئة خصبة للفساد
مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية تنشر مقالاً يناقش تحوّل السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو توظيف القوة والنفوذ لخدمة مصالح أيديولوجية وتجارية خاصة، ودعم حلفاء اليمين المتطرف، بما يدفع حلفاء واشنطن التقليديين إلى البحث عن بدائل ويهدد النظام الدولي الذي قادته أميركا منذ الحرب العالمية الثانية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
في صيف عام 2025، وجدت الحكومة البرازيلية نفسها فجأة في خضم أزمة عميقة؛ إذ فرضت إدارة ترامب، على نحو غير متوقع، رسوماً جمركية بنسبة 50% على منتجات البلاد، ما شكل تهديداً لمختلف الأطراف، بدءاً من مزارعي البن وصولاً إلى مُصنِّعي الأحذية. وفي الوقت نفسه، ألغت الولايات المتحدة تأشيرات دخول ثمانية قضاة في المحكمة العليا البرازيلية، وفرضت عقوبات مالية وعقوبات تتعلق بالسفر، غير مسبوقة، على قاضٍ نافذ وأفراد عائلته.
اتسمت هذه الأزمة بجوانب غير مسبوقة؛ فللمرة الأولى في الذاكرة الحديثة، استخدمت إدارة أميركية الرسوم الجمركية، لا لأسباب اقتصادية، بل كأداة للتأثير في السياسة الداخلية لدولة ديمقراطية صديقة.
فقد كان الرئيس ترامب يصبّ جامّ غضبه علناً على ما سمّاه "حملة ملاحقة الساحرات" (WITCH HUNT) التي استهدفت جايير بولسونارو، الرئيس البرازيلي السابق، الذي كان يخضع آنذاك للمحاكمة بتهمة التخطيط لانقلاب عقب خسارته انتخابات عام 2022. وكان بعض أتباع بولسونارو قد اقتحموا مبنى البرلمان البرازيلي ومباني فيدرالية أخرى، متأثرين، على الأرجح، بأفعال أنصار ترامب في أحداث الـ 6 من كانون الثاني/يناير 2021. وكان ستيف بانون، الذي وصف المشاركين في التمرد البرازيلي بأنهم "مقاتلون من أجل الحرية"، واحداً من العديد من أنصار حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA) الذين أيّدوهم وشجّعوهم. وعندما اقترنت هذه الخطابات بالمظالم المحلية، وجد خطاب "إنكار نتائج الانتخابات الأميركية" أرضية خصبة له في البرازيل.
وضع ذلك البرازيليين في موقف غريب؛ إذ قال لي مسؤول شاب: "لقد انقطعت فجأةً كل قنوات التواصل الرسمية الُمتاحة لدينا، وبدأت أعداد هائلة من الجهات غير الرسمية تطرق أبوابنا؛ وكان ذلك أمراً مثيراً للاهتمام".
كان بعض هؤلاء الزوار من نوعية لم تكن مألوفة سابقاً في واشنطن: جماعات ضغط لا تتباهى بعلاقاتها مع المسؤولين الحكوميين، بل مع الأشخاص الذين يترددون على منتجع "مار-أ-لاغو"، أو مع المؤثرين من أنصار حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA)، الذين يمكن لحساباتهم في منصة "إكس" (تويتر سابقاً) أن تجذب انتباه الرئيس.
وكان هناك آخرون من رجال الأعمال يعرضون تقديم خدمات حكومية، بينما يسعون إلى عقد صفقات لمصلحتهم؛ فعلى سبيل المثال، عرض مستثمر، زعم امتلاكه منزلاً للعطلات بالقرب من منزل "بيسنت"، ترتيب لقاء مع وزير الخزانة مقابل حصوله شخصياً على إمكانية الوصول إلى معادن حيوية. وقد رفض البرازيليون ذلك العرض.
شيئاً فشيئاً، بدأ البرازيليون يتعلمون الدرس ذاته الذي تعلّمه حلفاء آخرون لأميركا حول العالم: وهو أن الولايات المتحدة لم تعد تلك الدولة التي عهدوها من قبل. كما أن القوة الأميركية لم تعد تُمارَس حصرياً من خلال دبلوماسيين مدرَّبين ومسؤولين موثوقين يعملون عبر القنوات الرسمية للدولة؛ بل أصبح للمبعوثين غير الرسميين، والشركات الخاصة، والمحتالين عبر الإنترنت، وأصحاب الأيديولوجيات المتصلّبة، سواء من داخل الحكومة أم من خارجها، دورٌ وتأثير أكبر. وعلى عكس أسلافهم، لا يتحدث هؤلاء الأشخاص عن نشر الديمقراطية، ولا يسعون إلى بناء علاقات طويلة الأمد، كما أنهم لا يكترثون لسمعة أميركا. إنهم يوظفون أدوات الدبلوماسية والحكومة الأميركية لخدمة أغراضهم الخاصة، سواء لتعزيز مصالحهم التجارية أم لتحقيق أهدافهم الأيديولوجية، وذلك لأنهم، فجأةً، باتوا قادرين على فعل ذلك.
لا تختلف زمرة "المفترسين" التي تتولى حالياً زمام الحكومة الفيدرالية الأميركية عن غيرها. ورغم وصفهم خطأً بـ"الانعزاليين"، فإن كثيراً من المؤمنين الحقيقيين بهذا النهج لا يعتبرون أنفسهم جمهوريين عاديين فازوا في انتخابات وسيمارسون السلطة مؤقتاً حتى موعد الانتخابات التالية؛ كما أنهم ليسوا مجرد تابعين لترامب، بل يعتقدون أنهم يمثلون شيئاً أعظم بكثير: طليعة حركة ستغيّر لا أميركا فحسب، بل العالم بأسره. كما أنهم لا يثقون بالعديد من قادة الدول الديمقراطية التي لطالما تشاركت مع أميركا القيم السياسية والاقتصادية ذاتها. ورغم استمرار التعاون الوثيق بين الجيش وأجهزة الاستخبارات الأميركية وحكومات الدول الحليفة، فإن أصحاب التوجهات الأيديولوجية، سواء داخل الإدارة أم خارجها، يسعون بجدية إلى استبدال تلك الحكومات بأشخاص وأحزاب يشاركونهم الازدراء للديمقراطية الليبرالية، ولما كان يُنظر إليه يوماً، على الأقل من حيث التطلعات، على أنه قيم أميركية.
ولتحقيق ذلك، يتعين عليهم توسيع نفوذهم العالمي، والتلاعب بالانتخابات في الدول التي كانت شريكة سابقاً، وتغيير مسارات تدفق الأموال والسلطة، ولا سيما داخل الديمقراطيات الأخرى. لطالما اعتقد جزء كبير من العالم أن دفاع أميركا عن الديمقراطية ينطوي على نفاق، وأن التكامل الاقتصادي بقيادة أميركية يخدم مصالحها الذاتية فحسب؛ غير أن الناس، حتى أولئك الذين آمنوا بصدق بالمشروع الأميركي لما بعد الحرب العالمية الثانية، بدأوا يدركون الآن أن هذا المشروع لم يعد له وجود.
لقد أصبحت هذه الأفكار، التي كانت يوماً ما هامشية، ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأميركية. ففي مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام، عبّر روبيو عن الموقف ذاته بأسلوب أكثر تهذيباً؛ إذ دعا أميركا وأوروبا، في مواجهة "موجة غير مسبوقة من الهجرة الجماعية التي تهدد تماسك مجتمعاتنا"، إلى العمل معاً استناداً إلى "تاريخنا المشترك، وإيماننا المسيحي، وثقافتنا، وتراثنا، ولغتنا، وأصولنا العرقية". لكنه لم يأتِ على ذكر أي التزام مشترك بالديمقراطية أو الشفافية أو سيادة القانون.
وتتمثل النتيجة المترتبة على هذا الطرح، الذي ورد في استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب العام الماضي، في أن لأميركا مصلحة خاصة في سياسات الدول الأوروبية ذات الغالبية البيضاء والمسيحية تاريخياً، وفي دعم القادة والحركات السياسية اليمينية المتطرفة التي تسعى إلى الحفاظ على الطابع الأبيض والمسيحي لأوروبا، رغم أن معظم هذه القوى ليست في السلطة حالياً. وقد أوضحت تلك الوثيقة أنه، على الرغم من أن أميركا لن تتدخل بعد الآن لتعزيز الديمقراطية في أي مكان في العالم، فقد أصبحت السياسة الأميركية تهدف إلى "مساعدة أوروبا على تصحيح مسارها الحالي"؛ وهي عبارة تبرر التدخل الأميركي المباشر في السياسة الأوروبية للحؤول دون ما تصفه الوثيقة، بغموض، بأنه "محوٌ حضاري"، ولتمكين حلفاء أصحاب تلك الأيديولوجيات من الوصول إلى السلطة.
لقد بدأت بالفعل المعركة ضد هذا التهديد الوجودي. فقد صرّحت سارة روجرز، وكيلة وزارة الخارجية للدبلوماسية العامة، أمام الكونغرس هذا العام بأن أميركا "توظف الآن بالكامل جميع الأدوات المتاحة لنا، من برامج التبادل ومبادرات التراث الثقافي والمنح الصغيرة وغيرها، للدفع قدماً بأجندة الرئيس 'أميركا أولاً'". وعملياً، يعني هذا أن الحكومة الأميركية تستخدم الضغوط الدبلوماسية، وحظر التأشيرات، والتمويل الثقافي لدعم الأحزاب والقادة الذين يُنظر إليهم على أنهم "حلفاء حضاريون" في صراعها الدولي، ولتقويض خصومها، حتى وإن كان هؤلاء الخصوم قادة لحكومات شرعية تربطها بالولايات المتحدة علاقات طويلة الأمد.
أما في نصف الكرة الأرضية الخاص بها، فتلتزم وزارة الخارجية بمشروع إمبريالي أكثر صراحة ووضوحاً. إذ تشير استراتيجية الأمن القومي إلى وجوب خضوع الحكومات الأخرى في أميركا الشمالية والجنوبية لمطالب المسؤولين أو الشركات الأميركية، وإلا فإن الولايات المتحدة ستعمل على تغيير تلك الحكومات. وكما هي الحال في أوروبا، ستضغط إدارة ترامب بقوة لانتخاب سياسيين يدعمون الهيمنة الأميركية والإبقاء عليهم في السلطة؛ إذ تعلن استراتيجية الأمن القومي أنها "ستكافئ وتشجع حكومات المنطقة وأحزابها وحركاتها التي تتماشى، بشكل عام، مع مبادئنا واستراتيجيتنا".
ثمة آخرون لديهم أسباب مختلفة وأكثر مباشرة لرغبتهم في "جعل أميركا عظيمة مجدداً". وتشمل هذه الفئة مسؤولين تنفيذيين في قطاعات النفط والغاز، والعملات المشفرة، وتعدين المعادن النادرة، وقبل كل شيء، شركات التكنولوجيا الكبرى. وتختلف دوافعهم عن دوافع أصحاب الأيديولوجيات، لكنهم يشتركون في الاعتقاد بأن القوة هي الأمر الوحيد المهم، وأنها يجب أن تكون حكراً على "البشر المتفوقين"، أي الأثرياء والأكثر ذكاءً، وغالباً ما يكونون من الرجال البيض.
ولا شك في أن كلمات ميلر قد راقت لقادة الأعمال الذين يسعدهم رؤية أدوات الحكومة والدبلوماسية الأميركية تُعاد توظيفها، لا لبناء عالم آمن للديمقراطية، أو حتى آمن للأميركيين، بل لخلق عالم يحقق لهم الأرباح.
ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، حقق ترامب نفسه مكاسب غير مسبوقة بلغت 2.2 مليار دولار في العام الأول من ولايته الثانية، وجاء جزء كبير منها من مشاريع العملات المشفرة. لكنه يستمتع أيضاً بممارسة السلطة على الآخرين، ويستخدم أدوات الحكم لتحقيق ذلك؛ إذ تمنحه الرسوم الجمركية نفوذاً مالياً وشخصياً على القادة الأجانب. كما أن غزوه لفنزويلا منحه انتصاراً ظاهرياً على خصم قديم، فضلاً عن سيطرة غامضة على النفط الفنزويلي، وهو أمر لطالما تباهى به. وتساعده الاستعانة بمبعوثين غير تقليديين على إدارة هذه المصالح المتنوعة، التي كان يُنظر إلى كثير منها في الماضي على أنها غير أخلاقية أو ربما غير قانونية.
والواقع أن قانون الخدمات الرقمية لا يتطرق إطلاقاً إلى مسألة الرقابة، ولا سيما فيما يتعلق بالأميركيين. إذ يُلزم القانون المنصات الرقمية بحماية القاصرين والامتثال للقوانين الأوروبية، وهي قوانين وضعتها هيئات تشريعية منتخبة ديمقراطياً، وتحظر في ألمانيا وغيرها الدعاية النازية وإنكار الهولوكوست، فضلاً عن المواد الإباحية التي تستغل الأطفال والتحريض على الإرهاب، كما يُلزمها بتوفير الشفافية بشأن استخدامها للخوارزميات. صحيح أن القوانين الأوروبية المتعلقة بحرية التعبير تختلف عن نظيرتها الأميركية، إلا أن للأوروبيين الحق في سن قوانينهم الخاصة وإنفاذها، تماماً كما يحق لهم وضع قوانين مختلفة تتعلق بسلامة الغذاء أو تلوث الهواء. وتعمل الشركات الأميركية في جميع أنحاء العالم وفقاً للقوانين المحلية؛ غير أن شركات التكنولوجيا الأميركية والإدارة الأميركية تسعيان معاً في أوروبا، لا فقط إلى تغيير القوانين، بل إلى تغيير النظام السياسي والقانوني الذي صاغها.
لم يكن بانون، الذي كان قد غادر إدارة ترامب بحلول ذلك الوقت، يدّعي علناً أنه يتحدث باسم أميركا أو دفاعاً عن مصالحها.
غير أن أشخاصاً يتبنّون آراءً مشابهة لآراء بانون باتوا الآن يتحدثون باسم أميركا، وأصبح تأثيرهم في النظام الدولي هائلاً، بالقدر ذاته الذي كان عليه تأثير البلاشفة في الماضي.
بل إن التغيير يكمن داخل العالم الديمقراطي الذي تشكّل بعد عام 1945؛ وهو عالم لم يقم على القانون فحسب، بل استند أيضاً إلى مجموعة من القيود التي فرضتها الأطراف على نفسها في الغالب. وفي إطار هذا العالم، كانت القوة الأميركية تستمد جزءاً كبيراً من زخمها من تحالفات اختارت أميركا ألا تستغلها لمصالح ضيقة. فقد كانت العلاقات طويلة الأمد تُعتبر ذات قيمة عالية، نظراً إلى استحالة التنبؤ بموعد الحاجة إلى الحلفاء.
كما أن الساسة الأميركيين لم يكونوا يديرون السياسة الخارجية، أو حتى الداخلية، للبلاد بهدف تحقيق مكاسب مالية لأنفسهم أو لأبنائهم أثناء تولّيهم مناصبهم. وقد حققت هذه التحالفات نجاحاً هائلاً؛ فعلى الرغم من أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط كانت دائماً مثيرة للجدل، وأن نتائج التدخلات العسكرية الأميركية حول العالم كانت متفاوتة، في أحسن الأحوال، فإن أميركا أسهمت في إرساء دعائم ثمانية عقود من السلام والرخاء، والديمقراطية في نهاية المطاف، في أوروبا وأجزاء واسعة من آسيا، ما أوجد أسواقاً للشركات الأميركية، ووفّر دعماً غير مسبوق للقوة الأميركية.
يتلاشى هذا العالم بسرعة؛ وبدلاً منه، واقتداءً بالرئيس، يسارع أشخاص مختلفون، سواء من داخل الإدارة الأميركية أو خارجها، إلى استغلال هذه اللحظة الثورية لتحقيق مكاسب قائمة على مبدأ "الربح المطلق على حساب الخسارة المطلقة للطرف الآخر" (zero-sum victories).
وتدرك الدول التي تنأى بنفسها عن هذا الصراع المحموم أنها ستدفع الثمن؛ إذ قال مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي، في منتدى دافوس في وقت سابق من هذا العام: "إذا لم نكن جالسين إلى الطاولة، فسنكون نحن الطبق الرئيسي". وكان محقاً في ذلك.
ومن الناحية العملية، كان لهذه الرسوم الجمركية غرض آخر؛ فقد كانت، من وجهة نظر الحكومة الكندية، بداية حملة لإضعاف الاقتصاد الكندي. وقال رئيس الوزراء كارني إن ترامب "يحاول كسرنا حتى تتمكن الولايات المتحدة من امتلاكنا". وكجزء من المفاوضات لتخفيف الرسوم الجمركية، اضطرت كندا إلى التخلي عن فكرة فرض الضرائب على شركات التكنولوجيا الأميركية.
وكما هي الحال في غرينلاند، كانت الحملة الاقتصادية مصحوبة بحملة نفوذ غير رسمية. يستمع الكنديون إلى العديد من ملفات البودكاست نفسها، ويشاهدون العديد من مقاطع الفيديو ذاتها التي يشاهدها الأميركيون. وخلال جائحة فيروس كورونا، سعى بعض مقدمي البث الصوتي الأميركيين من اليمين المتطرف إلى الوصول إلى جماهير جديدة من خلال تضخيم احتجاج سائقي الشاحنات الكنديين ضد إلزامية اللقاح. وربما فعل بعضهم ذلك لأنهم اتفقوا مع هذا الرأي، وربما فعل آخرون ذلك من أجل المال، مع العلم أن الإنترنت يكافئ الغضب. ومنذ عام 2022، تحوّل احتجاج سائقي الشاحنات إلى حركة انفصالية واسعة النطاق في مقاطعة ألبرتا، وقد تبنى المدوّنون الآن هذه القضية أيضاً.
ولا يقتصر الأمر على مشروع إعلامي فحسب؛ فقد رحّب مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في ثلاث مناسبات على الأقل، بممثلين عن "مشروع ازدهار ألبرتا" (Alberta Prosperity Project)، وهي مجموعة انفصالية.
تقع مقاطعة ألبرتا في قلب كندا. ولو قُدِّر لهذه المقاطعة أن تنفصل، فقد ينقطع التواصل الجغرافي بين شرق كندا وغربها، وستفقد البلاد جزءاً كبيراً من إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي، كما ستتلاشى مساهمات المقاطعة المهمة في الميزانية الوطنية. وقد تفقد كندا مقومات بقائها كدولة متماسكة وقابلة للاستمرار، ولا سيما إذا بدأت مقاطعات أخرى بالتشكيك في جدوى الاتحاد.
وربما يكون هذا هو الهدف المنشود؛ ففي عام 1990، صرّح بات بوكانان، الذي يُعد الأب الروحي الفكري لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA)، بأنه إذا انفصلت كيبيك يوماً ما عن كندا، فينبغي على أميركا أن "تلملم الأشلاء"، أي تستحوذ على ما تبقى. ويبدو أن هذه هي السياسة المتبعة الآن؛ وإن لم تكن السياسة الأميركية المعلنة رسمياً تجاه كندا، فهي، على الأقل، سياسة "معسكر المفترسين": الضغط على الاقتصاد، وتفكيك الاتحاد الفيدرالي، ثم الاستحواذ على الأجزاء المتبقية. ولا، هذا ليس مزحة.
قد تثير فكرة وجود مجموعة متفانية من الأميركيين تخطط لتفكيك كندا، أو رغبة رجال أعمال تربطهم علاقات غامضة بالحكومة الأميركية في تهيئة ظروف سياسية تتيح للولايات المتحدة الاستيلاء على غرينلاند، دهشةَ الأميركيين؛ لكن، ينبغي ألّا يكون الأمر كذلك. فكل تكتيك استُخدم ضد البرازيل أو كندا أو الدنمارك قد استُخدم أيضاً في أماكن أخرى، لا بهدف دعم الديمقراطية أو تعزيز الرخاء الأميركي، بل لنشر "الثورة غير الليبرالية" وتحقيق الأرباح للمفترسين الذين يدعمونها.
وإليكم قائمة جزئية بذلك: الدعم المالي المباشر للحلفاء الثوريين. فقبل نحو أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي في الأرجنتين، في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعلنت إدارة ترامب عن حزمة إنقاذ مالي بقيمة 20 مليار دولار لانتشال الاقتصاد الأرجنتيني من أزمته المالية.
لقد كانت تلك رشوة صريحة: فإذا لم تصوّت البلاد لصالح حزب خافيير ميلي، الحليف الحضاري لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA)، فإن ترامب سيسحب هذا الدعم. وبالفعل، فاز حزب ميلي بدعم سياسي من الحلفاء الثوريين والأحزاب غير الليبرالية.
في ألمانيا، وتحديداً في شباط/فبراير 2025، حرص نائب الرئيس فانس بشدة على لقاء أليس فايدل، الرئيسة المشاركة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD). وخلال زيارة للمجر عام 2026، وقبل أيام قليلة من الانتخابات الوطنية، أعلن فانس تأييده لإعادة انتخاب فيكتور أوربان رئيساً للوزراء؛ بل إنه أجرى مكالمة هاتفية مع ترامب خلال فعالية عامة في بودابست لتأكيد هذا الدعم أيضاً.
الترويج الإعلامي للحلفاء الثوريين:
تفتح الأوساط الإعلامية المرئية التابعة لليمين المتطرف أبوابها بانتظام أمام الأجانب الراغبين في تعزيز صورتهم كقادة ثوريين في بلدانهم.
التجمعات الجماهيرية لدعم الحلفاء الثوريين:
تحولت اجتماعات مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC)، الذي كان يوماً ما منبراً رئيسياً للمحافظين الأميركيين، إلى ما يشبه العروض المتنقلة التي تُقام حيثما توفرت الجهات الراعية القادرة على الدفع، موفرةً بذلك منصة للظهور وصبغة شبه رسمية من التأييد الأميركي لتيارات اليمين المتطرف المحلية.
إنهاء جهود تعزيز الديمقراطية:
لقد أُضعفت جميع المؤسسات الحكومية الأميركية التي أُنشئت على مدى عقود لتعزيز الأفكار والممارسات الديمقراطية، أو جرى تفكيكها، أو أُعيد توجيه عملها لخدمة "الثورة". فقد تلاشت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية؛ وبالكاد صمدت هيئات البث الخارجي، مثل "صوت أميركا" و"إذاعة أوروبا الحرة/إذاعة الحرية"؛ أما التقارير السنوية لوزارة الخارجية حول ممارسات حقوق الإنسان في الدول، التي كانت تُعتبر يوماً مصدراً محايداً للمعلومات، فقد أصبحت الآن توحي بأن ألمانيا أكثر قمعاً من السلفادور.
تُلهم الثوراتُ ثوراتٍ أخرى، وكذلك الثورات المضادة؛ والولايات المتحدة تُنتج كلا النوعين. تشهد السياسة العالمية تحولات تدريجية؛ إذ يقلّد القادة تكتيكات ترامب، ويغيّرون ولاءاتهم لكسب الود، ويُبدون اهتماماً مفاجئاً بالعملات المشفرة، أو يسعون جاهدين إلى التحوط ضد النظام الأميركي الجشع.
ولا تستطيع معظم حكومات العالم الديمقراطي التقليدي منافسة الآخرين في هذا السباق؛ فالأوروبيون والكنديون والأستراليون وغيرهم لا يمكنهم "شراء" ود الرئيس الأميركي عبر الاستثمار في شركات أبنائه، لأن ذلك يُعد عملاً غير قانوني. كما أنهم يجدون صعوبة في التكيف مع هذا العالم الجديد الذي تتداخل فيه الدبلوماسية الرسمية مع المصالح الخاصة.
وبدلاً من ذلك، بدأت هذه الأطراف تبحث في أماكن أخرى عن علاقات وتكنولوجيا وفرص تجارية. لم يكن أحد يتصور سابقاً أن كندا ستجد نفسها مضطرة إلى توقيع اتفاقية دفاعية مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن إجراء مفاوضات حول التكنولوجيا الدفاعية مع أستراليا؛ ومع ذلك، فقد أقدمت كندا على الخطوتين معاً. كما أبرم الاتحاد الأوروبي مؤخراً اتفاقية تجارة حرة مع الهند، وهو أمر لم يحظَ باهتمام يُذكر قبل بضع سنوات، واتفاقية أخرى مع أستراليا. وفي النصف الأول من عام 2026، زار الصين ما لا يقل عن 26 زعيماً عالمياً، بمن فيهم رؤساء وزراء بريطانيا وإسبانيا وألمانيا وكندا. ومن المفترض أن تكون هذه التغييرات دائمة؛ ففي نهاية المطاف، حتى لو فاز مرشح ديمقراطي بالبيت الأبيض في عام 2028، فإن الشركات التي تعززت قوتها بفضل الأموال الفيدرالية، وأصحاب الأيديولوجيات الذين سيطروا على المؤسسات، سيواصلون التأثير في الكونغرس والناخبين.
لقد قوبلت هذه التحولات بالسخرية والهجوم من قبل البعض، بمن فيهم إلبريدج كولبي من البنتاغون، الذي جادل بأن حلفاء أميركا لا يمكنهم الاستغناء عنها أو الحلول محلها. قد يكون هذا صحيحاً على المدى القصير، ولكن إذا كان كولبي أو غيره يعتقدون أن أصدقاء أميركا القدامى سيتوقفون عن البحث عن خيارات أخرى، فهم يسيئون فهم عمق وجوهر التحول في النظرة إلى أميركا؛ وهو تحول لا يقتصر على عواصم دول بعينها، بل يمتد ليشمل عقول الناس وقلوبهم في جميع أنحاء العالم.
قد لا يكترث كثيرون بتفاصيل السياسة البرازيلية أو يفهمون المعاملات التجارية لشركة "وورلد ليبرتي فايننشل" (World Liberty Financial)، لكن كثيرين يدركون معنى الغش. فقد تقدم رئيس الاتحاد النرويجي لكرة القدم بشكوى أخلاقية، معللاً ذلك بأن "التلاعب بقاعدة ما على هذا النحو يضعنا على منحدر خطر قد يهدد اللعبة بأكملها". وقد أثارت القصة أصداء واسعة، لا لأهمية تلك المباراة بعينها في كأس العالم، بل لأن ذلك الاستخفاف المتعجرف الذي أظهرته أميركا تجاه الآخرين كان أمراً مألوفاً للغاية.
وقد يصل أميركيون آخرون قريباً إلى الاستنتاج ذاته؛ فعلى مدى عقود، أقنعنا أنفسنا بأن بلادنا تمثل الديمقراطية والحرية والتجارة الحرة. واعتقدنا أن لدينا حلفاء ودولاً تشاركنا التفكير والقيم ذاتها. وظننا أننا نعارض الديكتاتوريين وحكام الأنظمة الفاسدة الذين يسرقون شعوبهم. فماذا يحدث عندما ندرك أننا لم نعد كذلك؟
نقله إلى العربية: الميادين نت.