"توم ديسباتش": كيف يهمس الماضي للحاضر في إيران.. انحطاط الإمبراطورية في مضيق هرمز

أغلقت إيران ممراً مائياً حيوياً في المنطقة، مضيق هرمز، مما قد يعيد تاريخ تلاشي الامبريالية البريطانية أيام أزمة قناة السويس بنسخة أميركية في ظل حرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران.

0:00
  • الدخان يتصاعد من سفينة الشحن التايلاندية «مايوري ناري» بالقرب من مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم (أ.ف.ب)
    الدخان يتصاعد من سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم

ذكّر موقع "توم ديسباتش" بتلاشي هيبة الإمبريالية البريطانية بعد أن انسحبت القوات البريطانية مهزومة من السويس التي أغلقها الزعيم المصري جمال عبد الناصر عام 1956، ليُشبّه تلك الحالة بالمرحلة الحالية. وفي ظل تراجع نفوذ الولايات المتحدة الإمبريالي على مساحة واسعة من أوراسيا، بدأ الهجوم العسكري الأميركي الأخير على إيران التي أغلقت مضيق هرمز، ليبدو وكأنه نسخة أميركية من تلك الهزيمة.

المقال منقولاً إلى اللغة العربية

في الفصل الأول من روايته " العصر المذهب" التي صدرت عام 1874، قدم مارك توين ملاحظة دالة حول العلاقة بين الماضي والحاضر: "التاريخ لا يعيد نفسه أبداً، ولكن الحاضر غالباً ما يبدو أنه مبني من شظايا مكسورة من الأساطير القديمة".

من بين "الأساطير القديمة" الأكثر فائدة في فهم النتيجة المحتملة للتدخل الأميركي الحالي في إيران، أزمة السويس عام 1956.

بعد أن أمّم الزعيم المصري جمال عبد الناصر قناة السويس في يوليو/تموز 1956، دمّر أسطول بريطاني فرنسي مشترك مؤلف من 6 حاملات طائرات سلاح الجو المصري، بينما حطمت القوات الإسرائيلية الدبابات المصرية في رمال شبه جزيرة سيناء. وفي غضون أقل من أسبوع من اندلاع الحرب، خسر ناصر قواته الاستراتيجية، وبدت مصر عاجزة أمام القوة الهائلة لتلك القوة الإمبريالية الجبارة.

لكن مع وصول القوات الأنجلو-فرنسية إلى الشاطئ عند الطرف الشمالي لقناة السويس، كان ناصر قد نفّذ ضربة جيوسياسية بارعة بإغراق عشرات السفن الصدئة المحملة بالصخور عند المدخل الشمالي للقناة. وبذلك، قطع تلقائياً شريان الحياة لأوروبا المؤدي إلى حقولها النفطية في الخليج.

وبحلول وقت انسحاب القوات البريطانية مهزومة من السويس، كانت بريطانيا قد خضعت لعقوبات في الأمم المتحدة، وكانت عملتها على وشك الانهيار، وتلاشت هيبتها الإمبريالية، وإمبراطوريتها العالمية تتجه نحو الزوال.

يُشير المؤرخون الآن إلى ظاهرة قيام إمبراطورية تحتضر بتدخل عسكري يائس لاستعادة مجدها الإمبراطوري المتلاشي باسم "العسكرة المصغرة".

وفي أعقاب تراجع نفوذ واشنطن الإمبريالي على مساحة واسعة من أوراسيا، بدأ الهجوم العسكري الأميركي الأخير على إيران يبدو وكأنه نسخة أميركية من هذه العسكرة المصغرة.

من خلال استكشاف التداعيات الجيوسياسية لأحدث تدخل لواشنطن في إيران، من الممكن تخيل كيف يمكن أن تصبح حرب الرئيس الأميركية دونالد ترامب المختارة نسخة واشنطن الخاصة من أزمة السويس.

كما انتزعت مصر نصراً دبلوماسياً من براثن الهزيمة العسكرية عام 1956 بإغلاق قناة السويس، أغلقت إيران الآن ممراً مائياً حيوياً آخر في الشرق الأوسط.

إن التركيز الاستثنائي لإنتاج النفط والشحن الدولي والاستثمارات الرأسمالية في الخليج يجعل مضيق هرمز ليس فقط نقطة اختناق لتدفق النفط والغاز الطبيعي، بل أيضاً لحركة رؤوس الأموال في الاقتصاد العالمي برمته.

لإعطائكم فكرة عن حجم تركز رؤوس الأموال في البنية التحتية للمنطقة، استثمرت شركات النفط الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي 125 مليار دولار في منشآتها الإنتاجية عام 2025 وحده.

وللحفاظ على أسطول ناقلات النفط العالمي الذي يضم 7500 سفينة تبلغ تكلفة ناقلة "سويزماكس" واحدة كبيرة الحجم ما يقارب 100 مليون دولار ، علماً بأن هناك حوالي 900 ناقلة منها تبحر عادةً في أعالي البحار، بقيمة إجمالية تبلغ 90 مليار دولار. علاوة على ذلك، تمتلك دبي أكثر مطارات العالم ازدحاماً، والذي يقع في قلب شبكة عالمية تستقبل 450 ألف رحلة جوية سنوياً.

على الرغم من كل الضجة الإعلامية التي أثارها البيت الأبيض حول قوة الضربات الجوية الأميركية الأخيرة، فإنّ 3000 طلعة جوية أميركية إسرائيلية على إيران (التي تبلغ مساحتها ثلثي مساحة أوروبا الغربية) في الأسبوع الأول من الحرب تبدو ضئيلة مقارنةً بـ1,400,000 طلعة جوية على أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

هذا التباين الصارخ بين هذين الرقمين يجعل الهجمات الجوية الأميركية الحالية على إيران تبدو، من منظور استراتيجي، أشبه بإطلاق النار على فيل ببندقية هوائية.

علاوة على ذلك، تمتلك الولايات المتحدة مخزوناً محدوداً يبلغ حوالي 4000 صاروخ اعتراضي، تصل تكلفة الصاروخ الواحد منها إلى 12 مليون دولار، ولا يمكن إنتاجها بكميات كبيرة وبسرعة.

في المقابل، تمتلك إيران مخزوناً شبه غير محدود من حوالي 80 ألف طائرة مسيرة من طراز "شاهد"، يمكنها إنتاج 10 آلاف منها شهرياً بتكلفة 20 ألف دولار فقط للطائرة الواحدة. وبالتالي، فإن الوقت ليس في صالح واشنطن إذا استمرت هذه الحرب لأكثر من بضعة أسابيع.

كما يُذكر السير أنتوني إيدن اليوم في بريطانيا بأسىً باعتباره رئيس الوزراء غير الكفؤ الذي دمّر الإمبراطورية البريطانية في السويس، كذلك قد ينظر المؤرخون في المستقبل إلى دونالد ترامب باعتباره الرئيس الذي أضعف النفوذ الدولي للولايات المتحدة، من خلال مغامراته العسكرية الصغيرة الفاشلة في الشرق الأوسط، من بين أمور أخرى.

في أوقات عصيبة كهذه، عندما تبدو الأحداث مشوشة ومربكة، يمكن أن تذكرنا "شظايا الأساطير القديمة" لمارك توين بتشبيهات تاريخية مثل انهيار قوة ونفوذ بريطانيا العظمى أو الاتحاد السوفيتي، والتي يمكن أن تساعدنا على فهم كيف يهمس الماضي في كثير من الأحيان للحاضر - كما يبدو أنه يفعل هذه الأيام في مضيق هرمز.