"بلومبرغ": تهديد ترامب لغرينلاند يُثير أعمق الانقسامات في أوروبا
يواجه الاتحاد الأوروبي اختباراً حقيقياً لقدرته على الاستجابة كقوة موحدة عندما تتعرض سيادته للتحدي.
-
"بلومبرغ": تهديد ترامب لغرينلاند يُثير أعمق الانقسامات في أوروبا
وكالة "بلومبرغ" الأميركية تنشر مقالاً يتناول أزمة متصاعدة في العلاقات عبر الأطلسي تتمحور حول إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاستيلاء على غرينلاند وما رافق ذلك من تهديدات تجارية وسياسية، وما تكشفه هذه المواجهة من تصدّع عميق بين الولايات المتحدة وأوروبا.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
سرعان ما يتحوّل الصراع الأوروبي مع دونالد ترامب بشأن غرينلاند إلى ما هو أبعد من مجرد خلاف عابر. يخوض قادة القارة المنقسمة مهمة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام التحالف عبر الأطلسي، من دون أن تتضح لهم الرؤية بشأن كيفية القيام بذلك.
جاءت مطالبة الرئيس الأميركي المتجددة للدنمارك بتسليم أكبر جزيرة في العالم، إلى جانب التهديدات الجديدة بفرض تعريفات جمركية ومسعى لإنشاء منتدى أمني عالمي منافس للأمم المتحدة، في لحظة حرجة. فالاتحاد الأوروبي، المنقسم أصلاً بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا، يعاني من ضغوط اقتصادية، ويشعر بعدم اليقين بشأن مدى قدرته على الاعتماد على الضمانات الأمنية الأميركية التي كانت تُشكل ركيزته الأساسية.
يسعى القادة الأوروبيون الذين يصلون إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الأسبوع جاهدين ليس فقط للتعامل مع ترامب، بل وللتعامل فيما بينهم أيضاً. يسعى المستشار الألماني فريدريش ميرز إلى الحوار، بينما يعارض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموقف علناً، وتراقب الدول الأصغر بقلق لمعرفة ما إذا كانت هذه الأزمة ستُثمر تضامناً أوروبياً، أم ستكشف كيف يمكن أن يتفكك تحت الضغط.
قال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، الذي من المقرر أن يلتقي ترامب في دافوس، خلال جلسة نقاش: "إما أن نتحد أو ننقسم. إذا انقسمنا، فإن حقبة ثمانين عامًا من التحالف الأطلسي تقترب من نهايتها". وأضاف دي ويفر أنه لم يعد يعتبر الولايات المتحدة حليفًا.
يأمل ميرز أن يتمكن من التفاهم مع ترامب عند وصوله إلى جبال الألب السويسرية يوم الأربعاء. لكن، يتزايد عدد الأوروبيين الذين يخلصون إلى أن العلاقة وصلت إلى طريق مسدود يصعب معه تحقيق ذلك.
لطالما عبّر الرئيس الأميركي عن ازدرائه للاتحاد الأوروبي وقيمه الليبرالية منذ بدايات مسيرته السياسية، وكان هذا الهجوم الأخير متوقعاً. والآن، يُشكّل القطيعة مع واشنطن معضلة وجودية للاتحاد، لأن الدعم الأميركي كان أساس المشروع الأوروبي برمّته، والأرضية المشتركة التي جمعت الدول.
يقول توماس غومارت، رئيس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) في باريس: "إن الخطر الجيوسياسي الذي قد تُفكّر فيه الدول الأخرى هو انهيار الاتحاد الأوروبي. أحياناً، يبدو أن مجرد مناقشة هذا الأمر يُعرّضنا لخطر أن يصبح نبوءة تتحقق ذاتياً". وأضاف أنّ على الناس أن يبدأوا بالتفكير بجدية في مستقبل الاتحاد.
في غضون ذلك، لم يعد عالم المال يتعامل مع الأحداث بهدوء. فقد واصلت الأسهم تراجعها العالمي، بينما أبقت بعض الشركات خططها للاقتراض في سوق الدين الأوروبية مُعلّقة. وأعلن صندوق تقاعد في الدنمارك للمعلمين والأكاديميين أنه سيتخلص من سندات الخزانة الأميركية لأن سياسات ترامب تُولّد مخاطر ائتمانية كبيرة.
من جهة أخرى، تُبدي موسكو استعدادها لتبني منطق ترامب في مطالبته بغرينلاند لتبرير احتلالها لأجزاء واسعة من أوكرانيا، بما فيها شبه جزيرة القرم.
وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مؤتمر صحفي بموسكو: "لا تقل أهمية القرم بالنسبة إلى أمن روسيا الاتحادية عن أهمية غرينلاند بالنسبة إلى الولايات المتحدة. لم تعد القواعد تُصاغ من قِبل الغرب ككل، بل من قِبل ممثل واحد له. وهذا يُمثل صدمة عميقة لأوروبا".
قال مسؤول أوروبي رفيع المستوى لدى وصوله إلى دافوس يوم الثلاثاء إن العديد من زملائه متفقون على أن النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهى، وأن استيلاء ترامب على الأراضي سيُعيد تشكيل السياسة العالمية. وأعرب عن مخاوفه من أن يوافق القادة الأوروبيون على تسليم غرينلاند في محاولة أخرى لاسترضاء البيت الأبيض.
وفي اجتماع لوزراء المالية الأوروبيين في بروكسل يومي الاثنين والثلاثاء، صُدم المسؤولون بشدة من فقدان الدعم والصداقة الأميركية، وسرعة تحوّلها إلى عداء. وقال عدد منهم إنهم لا يعرفون كيف يردون على سيل التهديدات والمطالب المتغيرة باستمرار والتي لا تبدو منطقية.
كما أعربوا عن حيرتهم إزاء التحوّل الجذري في مواقف نظرائهم الأميركيين، وتساءلوا كيف ساءت العلاقة إلى هذا الحد. وتحدث مسؤول دنماركي عن جنود بلاده الذين استشهدوا إلى جانب رفاقهم الأميركيين في أفغانستان، بعد رد الحلفاء على لجوء الولايات المتحدة إلى بند الدفاع الجماعي في حلف الناتو عقب الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر/أيلول 2001.
وقالت وزيرة المالية السويدية، إليزابيث سفانتسون، للصحفيين في بروكسل يوم الثلاثاء: "من المحزن والمثير للسخرية أن يكون لدينا رئيس أميركي يبتزنا جميعًا".
قد يكون إصرار ترامب على مطالبة الدنمارك بالتخلي عن مساحة غرينلاند الشاسعة لأغراض الأمن الأميركي مجرد مناورة في مفاوضاته، تمهيدًا لاتفاق أوسع نطاقًا يكون أقل إثارةً للاستياء لدى أوروبا.
وقال ترامب للصحفيين في واشنطن يوم الثلاثاء: "أعتقد أننا سنتوصل إلى اتفاق يرضي حلف الناتو ويرضينا نحن أيضًا"، من دون أن يُلمّح إلى شكل هذا الاتفاق.
وفي دافوس، قلّل كبار مستشاريه الاقتصاديين، بمن فيهم وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، من خطر غزو أميركي وحثّوا على الهدوء. وقال بيسنت: "اهدأوا، خذوا نفسًا عميقًا، لا تردّوا بالمثل".
لكن ثمة شعور متزايد بأن الأمور تخرج عن السيطرة مع تسارع أوروبا نحو علاقة جديدة وأكثر عدائية مع البيت الأبيض.
يرى العديد من المسؤولين أن استفزازات ترامب باتت فادحةً لدرجة يصعب معها تجاهلها، وأن الردود الأوروبية لا تُسفر إلا عن مزيد من الهجمات. منذ البداية، انقسم المسؤولون في أوروبا بين من يرغبون في استرضاء ترامب ومن يرون أن ذلك لن يُجدي نفعًا. ويعتقد هؤلاء الآن أنهم على صواب.
كتب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك على موقع "X": "الاسترضاء دائمًا علامة ضعف. لا يمكن لأوروبا أن تتحمل الضعف، لا أمام أعدائها ولا أمام حلفائها. الاسترضاء لا يعني سوى الإذلال، من دون أي نتائج".
كما زُجّ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في هذه العاصفة هذا الأسبوع بعد اعتراضه على تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية على غرينلاند. وفي غضون ساعات، لجأ ترامب إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمهاجمة خطط ستارمر لإعادة السيادة على جزيرة تضم قاعدة عسكرية بريطانية- أميركية مشتركة، واصفًا إياها بـ"العمل الأحمق"، على الرغم من أن الرئيس الأميركي كان قد أيّد الاتفاق علنًا العام الماضي.
قال مسؤولون أوروبيون آخرون، فوجئوا بتهديد ترامب الأخير بفرض تعريفات جمركية، إنهم ظنوا أن الأمر برمته مجرد سوء فهم، وذلك بعد أن نظمت الدول الأوروبية مناورات عسكرية في غرينلاند، الأمر الذي أثار حفيظة البيت الأبيض.
وصرح مسؤول عسكري دنماركي يوم الجمعة بأن المناورات كانت تهدف إلى إظهار استعداد أوروبا لمعالجة المخاوف الأمنية التي أثارها ترامب. بل إن الولايات المتحدة دُعيت للمشاركة. لكن يبدو أنها نُظر إليها، بدلاً من ذلك، على أنها محاولة لردع طموحات الولايات المتحدة في الاستيلاء على الجزيرة.
وخرج المسؤولون الدنماركيون من اجتماع في واشنطن الأسبوع الماضي متفائلين بحذر، حتى أن سفير الدنمارك لدى الولايات المتحدة شوهد وهو يتبادل التحية مع وزير الخارجية لارس لوك راسموسن بعد المحادثات. وقال راسموسن للصحفيين في لندن يوم الاثنين إن أي شعور بالتقدم قد "تبدد" بسبب تصريحات ترامب اللاحقة.
وقد حقق كل من رئيس الوزراء النرويجي، جوناس غار ستور، والرئيس الفنلندي، ألكسندر ستوب، نجاحًا في التواصل مع ترامب بشأن أوكرانيا في الأشهر الأخيرة. وفي نهاية هذا الأسبوع، أرسلا رسالة نصية إلى ترامب يحثانه فيها على تخفيف حدة خطابه، وطلبا إجراء محادثة هاتفية. لكن تلك الجهود أتت بنتائج عكسية، إذ وجّه ترامب رسالة غاضبة إلى الزعيم النرويجي.
وصرح ستوب لتلفزيون بلومبرغ بأنه يتوقع أن تهدأ الخلافات حول غرينلاند في غضون أيام. إلا أن بعض المسؤولين قالوا إن هذا الموقف قد يُتخذ ذريعةً للتقاعس، وهم مقتنعون بأن أزمة أخرى تلوح في الأفق.
ربما كان الهدف من أحدث هجوم لترامب على الأوروبيين هو إثارة الانقسام. فقد استهدف ست دول فقط من أصل 27 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية على صادراتها إلى الولايات المتحدة لدعمها الدنمارك في قضية غرينلاند.
وقالت أغاث ديماريه، كبيرة الباحثين في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "ليس أمام الأوروبيين خيار واضح للرد على التهديدات الأميركية بفرض رسوم جمركية. على القادة الأوروبيين التحلي بالهدوء وإعطاء الأولوية لوحدة الاتحاد الأوروبي".
ويبدو أن هذا الأمر صعب. في الواقع، كان ميرز وماكرون صريحين إلى حد كبير بشأن خلافاتهما.
دعا الرئيس الفرنسي الاتحاد الأوروبي إلى تصعيد رده على الولايات المتحدة. وفي دافوس يوم الثلاثاء، هاجم استراتيجية ترامب التجارية، وقال إن النظام العالمي يجب أن لا يُحدد من قبل من يملكون "العصا الأقوى".
في غضون ذلك، يضغط المستشار الألماني من أجل رد أكثر توازناً. وعلى الرغم من تزايد الشكوك في برلين، أصر ميرز على أنه لن يغير نهجه في التعامل مع الرئيس الأميركي.
قال ميرز في برلين يوم الاثنين: "نعلم من تجربة الأشهر الاثني عشر الماضية أن ترامب يهدد مرارًا وتكرارًا بفرض تعريفات جمركية، وكثيرًا ما يفعل ذلك، لكن المحادثات والمفاوضات معه غالبًا ما تدفعه إلى التراجع عن ذلك. وهذه هي استراتيجيتي تحديدًا خلال الأشهر التسعة أو الثمانية الماضية منذ تولي منصبي، وسأواصل العمل بها".
وتحاول إيطاليا، التي نجت حتى الآن من الاستهداف بشأن غرينلاند، النأي بنفسها عن المواجهة، ويجد كبار المسؤولين صعوبة في استيعاب التصعيد المفاجئ للعداء الأميركي، وفقًا لشخصين مطلعين على تفكيرهم. وفي أوروبا الشرقية، ينقسم القادة أيضًا حول مدى قدرتهم على مواجهة ترامب، بحسب مسؤول رفيع المستوى من المنطقة.
تكمن المشكلة في صعوبة تفكيك النفوذ الأميركي. فبعد الحرب العالمية الثانية، أصبح التنسيق الأوروبي شرطًا أساسيًا للمساعدات الأميركية بموجب خطة مارشال. ويُشكل حلف الناتو ركيزة أساسية للأمن الأوروبي، مع التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها الأوروبيين في حال تعرضهم لأي هجوم. هذا فضلًا عن علاقات واسعة النطاق تشمل تبادل المعلومات الاستخبارية وروابط تجارية متعددة.
والآن، تستهدف إدارة ترامب الاتحاد الأوروبي ومؤسساته تحديدًا، لا سيما في استراتيجية الأمن القومي التي صدرت في ديسمبر/كانون الأول.
كما أظهرت هجمات ترامب المتنوعة والمتواصلة، والتي اتسمت أحيانًا بالطابع الشخصي، استعداده لتجاهل الضوابط الدستورية على السلطة التنفيذية في واشنطن. ولعل هذا، أكثر من أي شيء آخر، يعني أن الضرر الذي ألحقه بالعلاقة سيكون من الصعب إصلاحه.
واجه المسؤولون، الذين تحدثوا على هامش اجتماع وزراء المالية في بروكسل، صعوبة في تقديم تفسير لكيفية تبرير ثقتهم بالتزامات الولايات المتحدة بضمانات أمنية لأوكرانيا بعد موقف الرئيس ترامب بشأن غرينلاند.
وقال جون ماكول، الجنرال البريطاني ونائب القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا، لإذاعة بلومبرغ: "حتى لو غيّر الرئيس ترامب رأيه، فهل كان موقفه سيُلحق ضرراً لا يُمكن إصلاحه بالعلاقة بين أميركا وبقية دول الحلف؟ أعتقد أن الإجابة هي نعم. لو كنتُ دنماركياً الآن، لشعرتُ، بمعنى ما، بالخيانة، وأعتقد أن العديد من دول الناتو الأخرى تشعر بالخيانة أيضاً".
نقله إلى العربية: الميادين نت.