"بلومبرغ": تعزيز ألمانيا لقدراتها العسكرية يُعيد إحياء المخاوف القديمة في فرنسا

تعمل برلين على تعزيز قدراتها العسكرية بشكل كبير، وينظر إليها حلفاؤها الأوروبيون بإعجاب وقلق في آن واحد.

0:00
  • "بلومبرغ": تعزيز ألمانيا لقدراتها العسكرية يُعيد إحياء المخاوف القديمة في فرنسا

وكالة "بلومبرغ" الأميركية تنشر تقريراً يتناول النص التحوّلات العميقة في موازين القوة داخل أوروبا نتيجة إعادة التسلّح الألمانية غير المسبوقة، وانعكاساتها السياسية والعسكرية على فرنسا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

تراقب فرنسا بقلق مشوب بالرهبة خطوات ألمانيا وهي تضخّ موارد ضخمة في عملية إعادة تسليح تاريخية، بما يهدّد بإخلال التوازنات الراسخة داخل القارة الأوروبية.

وتنفّذ برلين ما تمّ الاتفاق عليه ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مجالي الدفاع والأمن؛ إذ التزمت بإنفاق أكثر من 500 مليار يورو (586 مليار دولار) على الدفاع بحلول عام 2029، محقّقةً بذلك هدف الحلف الجديد المتمثّل في تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، قبل ست سنوات من الموعد الذي حدّده الناتو.

غير أنّه، وبينما يشيد الناتو بتنامي القدرات العسكرية لبرلين، يعيد مسؤولون في بعض العواصم الأوروبية النظر في عودة الجيش الألماني بوصفه قوة مهيمنة، ولا سيما في ظل وصول حزب قومي يميني متطرّف إلى مستويات قياسية من التأييد داخل ألمانيا، ما يعيد إلى الواجهة مخاوف تتعلّق بعدم إمكانية التسليم باستمرار وجود حكومة مؤيّدة لأوروبا.

أما في فرنسا، التي تمتلك واحداً من أقوى الجيوش في أوروبا والقدرة النووية الوحيدة المطوّرة محلياً في القارة، فيسود مناخ يتسم بالتناقض. فمن جهة، هناك ارتياح لزيادة ألمانيا التزاماتها الدفاعية، ومن جهة أخرى يبرز قلق من تفوّق الصناعة الألمانية على قطاع الدفاع الفرنسي، في ظلّ إدراك باريس لحجم الإنفاق الهائل الذي تستطيع برلين ضخّه.

وفي هذا السياق، أفاد أربعة مسؤولين فرنسيين، طلبوا عدم الكشف عن هويّاتهم خلال محادثات خاصة، بوجود شعور عام بالقلق إزاء تنامي القوة العسكرية الألمانية وما قد يرافقها من مكاسب سياسية.

وقال فرانسوا-كزافييه بيلامي، عضو البرلمان الأوروبي عن فرنسا: "فرنسا في وضع هشّ، والتزام ألمانيا على هذا النحو سيُنتج بلا شك ديناميكية قد تؤدي إلى تهميشنا. إنّ الهشاشة الداخلية تُضعف الوزن الجيوسياسي لفرنسا".

وبصفته عضواً في كتلة حزب الشعب الأوروبي المنتمية إلى يمين الوسط، تبنّى بيلامي موقفاً صارماً يدعو إلى "شراء المنتجات الأوروبية" في القضايا الدفاعية المحورية للاتحاد الأوروبي. كما يحثّ فرنسا، إحدى أكبر مصدّري الأسلحة في العالم، على التركيز على التصدير إلى جيرانها الأوروبيين بدلاً من العملاء البعيدين. ورغم قلق بلاده من تنامي صناعة الدفاع الألمانية، قال: "علينا أن نكون متماسكين. لطالما اشتكت فرنسا من الاضطلاع بهذه المهمة بمفردها".

ونظراً لدور ألمانيا في الصراعات الأوروبية السابقة، اكتفت تاريخياً بالبقاء في الظل سياسياً، حتى في ظل ازدهارها الاقتصادي، وفق ما أوضحت كلوديا ماجور، نائبة الرئيس الأولى لصندوق مارشال الألماني. وأضافت أنّ التوتر يتصاعد في فرنسا مع انتقال مركز ثقل القارة تدريجياً نحو برلين بفعل عملية إعادة التسلّح.

وقالت ماجور: "كان هناك توازن متوافق عليه إلى حدّ كبير داخل أوروبا، قوامه أن تكون فرنسا القوة الجيوسياسية، فيما تبقى ألمانيا القوة الاقتصادية". وأضافت أنّ ألمانيا لم تكن تسعى إلى أن تصبح قوة سياسية عظمى، أما اليوم فهي تطمح إلى الجمع بين الأمرين، إلى جانب بذل جهود لترسيخ نفوذها الجديد داخل أوروبا. وهذا ما يضع فرنسا في موقع بالغ الحساسية. وخلصت إلى أنّ هذا القلق يعكس واقع فرنسا أكثر مما يعكس واقع ألمانيا.

وفي عهد المستشار فريدريش ميرتس، ألغت ألمانيا فعلياً القيود الصارمة على الاقتراض المخصص للإنفاق الدفاعي، ما أتاح تدفّقاً غير مسبوق من التمويل لإعادة التسلّح وتعزيز الردع في مواجهة روسيا، التي تتزايد عدائيّتها.

وبالتوازي، تقوم دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق وبولندا بضخّ استثمارات دفاعية كبيرة، غير أنّ عدداً محدوداً من الدول قادر على مجاراة ألمانيا من حيث سرعة وحجم الإنفاق. أما القوى الدفاعية الأوروبية التقليدية، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، فتفتقر إلى الحيّز المالي اللازم لزيادة إنفاقها العسكري بشكل ملموس.

ومن المؤكّد أنّ تعزيز ألمانيا لقدراتها العسكرية يتمّ بتنسيق وثيق مع حلفائها ويشكّل جزءاً لا يتجزأ من إطار التعاون الدولي. وخلال زيارة إلى برلين في كانون الأول/ديسمبر، أشاد الأمين العامّ لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، بألمانيا قائلاً: "هذا هو بالضبط نوع العزم الذي نحتاجه لضمان أمننا. ألمانيا تقود بالقدوة".

غير أنّ الصورة بدت مختلفة عندما عرض المستشار الألماني السابق أولاف شولتس أحد أبرز مشاريعه الدفاعية، وهو "مبادرة الدرع الجوي الأوروبي"، المصمَّمة لسد فجوة كبيرة في القدرات الأوروبية عبر شراء أنظمة دفاع صاروخي؛ إذ شعرت فرنسا آنذاك بالتهميش. وتفاقم الإحباط أكثر عندما أعلن شولتس، في خطوة منفصلة، عن شراء 35 طائرة مقاتلة من طراز "أف-35" أميركية الصنع بقيمة 10 مليارات يورو، بدلاً من اعتماد طائرات أوروبية.

وفي عهد ميرتس، تباطأت وتيرة مشتريات الأسلحة الأميركية، ويعود ذلك جزئياً إلى إدراك برلين السياسي أنّ العلاقات عبر الأطلسي تشهد توتراً في ظلّ إدارة ترامب. غير أنّ التعاون الدفاعي مع فرنسا لا يزال محفوفاً بالتعقيدات. إذ يوشك المشروع الدفاعي الأوروبي الأكثر طموحاً على الانهيار، بعد سنوات من المفاوضات التي عجز خلالها الشريكان الصناعيّان، "داسو للطيران" الفرنسية و"إيرباص" (الطرف الألماني الفعلي)، عن التوصّل إلى اتفاق حول تقاسم متوازن لحصص الإنتاج في برنامج مقاتلات الجيل السادس المعروف باسم "نظام القتال الجوي المستقبلي" (FCAS).

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، تمنح القدرات العسكرية الألمانية الجديدة برلين نفوذاً متزايداً. فقد اقترحت ألمانيا دوراً أوسع لوكالة الدفاع الأوروبية، التي يترّأسها حالياً جنرال ألماني. وفي داخل الناتو، تتكرّر المزحات بين المسؤولين الأميركيين حول احتمال أن تتولّى ألمانيا يوماً ما منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، وهو المنصب العسكري الأرفع في الحلف، والذي ظلّ تقليدياً حكراً على الولايات المتحدة.

تراقب بولندا المجاورة عن كثب صعود ألمانيا، غير أنّ نائب رئيس الوزراء رادوسلاف سيكورسكي قال في هذا السياق: "طالما أنّ ألمانيا عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فإنّني أخشى من عزوفها عن مزيد من التسلّح أكثر مما أخشى من الجيش الألماني نفسه".

وتتمتّع ألمانيا، صناعياً واقتصادياً، بأفضلية واضحة تمكّنها من توفير ما يُعرف بـ"العناصر التمكينية الاستراتيجية"، مثل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والاستخبارات الفضائية، والخدمات اللوجستية. وفي الوقت الراهن، تعتمد أوروبا اعتماداً شبه كامل على الولايات المتحدة في هذه القدرات، وهو ما يثير قلقاً متزايداً بشأن نيّات واشنطن، في ظلّ الحديث عن إمكان مهاجمة غرينلاند أو الاستيلاء عليها من حليفتها الدنمارك.

وقال الجنرال ماركوس لاوبينثال، أحد أعلى الجنرالات الألمان رتبةً في حلف شمال الأطلسي: "نأمل أن تواصل ألمانيا تطوير العوامل الاستراتيجية الداعمة للحلف. فمن منظور الناتو، وبالنظر إلى الخبرات والقدرات الصناعية، يبدو التعاون مع الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين أمراً منطقياً. معاً نكون أقوى، وينبغي أن نكون قادرين على الاتفاق على المتطلبات وتسليمها بسرعة أكبر، لأنني، كمستخدم، بحاجة إليها".

ورغم هذه المقاربات الإيجابية، تثير السياسة الداخلية الألمانية قلقاً متزايداً في أوروبا. إذ يتصدّر حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرّف بعض استطلاعات الرأي، وقد يحقّق مكاسب كبيرة في الانتخابات المحلية المقبلة في شرق ألمانيا هذا العام، وإن كانت ماجور قد أشارت إلى أنّ صعود التيارات الشعبوية لا يقتصر على ألمانيا، بل يشمل مناطق أخرى من أوروبا أيضاً.

وفي هذا السياق، قالت جانا بوغليرين، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "هناك قلق متنامٍ حيال ما قد يؤول إليه مصير هذه القوة العسكرية الألمانية إذا ما تولى حزب البديل من أجل ألمانيا زمام القيادة السياسية".

نقلته إلى العربية: بتول دياب.