"الغارديان": ترامب يدرس حماقة إرسال قوات برّية إلى إيران. فكيف وصل الأمر إلى هذه المرحلة؟

بعد المعاناة التي خلّفتها حربا العراق وأفغانستان، يكاد يكون مستحيلًا أن تُقدِم الولايات المتحدة مجددًا على إرسال قوات إلى الشرق الأوسط، إلا أنّ رئيسها يائس ونرجسيّ.

  • "الغارديان": ترامب يدرس حماقة إرسال قوات برّية إلى إيران. فكيف وصل الأمر إلى هذه المرحلة؟

تتناول صحيفة "الغارديان" البريطانية التحضيرات الأميركية لنقل قوات برية إلى المنطقة بهدف القيام بعمل بري في إيران بالتعاون مع "إسرائيل" في محالة "يائسة" لتحقيق صورة نصر لترامب، ولكن الصحيفة ترى أن هذا الخيار مجرد حماقة أخرى لا تقل خطورة عن قرار بدء هذه الحرب من الأساس.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

يتزايد القلق، وبشكل مبرَّر، من أن دونالد ترامب، المحاصَر بالضغوط، قد يُقدِم على إرسال قوات برّية أميركية للانخراط في القتال على الأراضي الإيرانية، سعياً منه لتجنّب الإذلال الشخصي والسياسي في حربٍ أشعلها، وأساء إدارتها، ويعجز عن إنهائها. ومع ذلك، فإن مثل هذا التصعيد الذي يخدم مصالحه الذاتية، حتى وإن بدا محدوداً في مدته ونطاقه، قد يكون كارثياً عليه وعلى الشعب الأميركي.

ويكفي أن نتأمّل ما حدث في التدخّلات العسكرية الأميركية السابقة. باختصار، ترامب عالق في مأزق حقيقيّ. ويمكن اختيار أي استعارة للتعبير عن هذا الوضع العبثي: فهو في حالة ارتباك وعجز، واقعٌ ضحية أفعاله، وعالق بين خيارين أحلاهما مرّ، وغارق في مأزق بلا مخرج. أمّا "المأزق" المقصود هنا، فهو بطبيعة الحال مضيق هرمز.

يُصّر دونالد ترامب، الغارق في عالمه الموازي الغريب، على أنّ الحرب قد حُسمت تقريباً، وأنّ إيران تسعى إلى السلام، وأنّ المحادثات تُحرز تقدّماً ملحوظاً. غير أنّ الواقع يُظهر صورة مغايرة تماماً؛ إذ لا تزال إيران تقاتل على مختلف الجبهات، و"إسرائيل" تواصل عمليات القصف، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً إلى حدٍّ كبير. وفي الوقت نفسه، انضمّت جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن إلى الصراع، مستهدفةً "إسرائيل"، وقد تسعى إلى تعطيل طرق التجارة في البحر الأحمر.

وقد طرحت كلٌّ من الولايات المتحدة وإيران مطالب مبالغ فيها، من دون وجود أي مؤشرات على مفاوضات فعلية. بل إنّ الفجوة بينهما قد اتّسعت أكثر ممّا كانت عليه قبل أن يتخلّى دونالد ترامب، بتحريض من بنيامين نتنياهو، عن المسار الدبلوماسي في الشهر الفائت. ومن المرجّح أنّ ترامب سيُجبر قريباً على مواجهة الهوّة الكبيرة بين ما يطمح إليه وما هو متاح على أرض الواقع. وعندئذٍ، قد يلجأ إلى حشد قواته في منطقة الخليج ويأمر بشنّ هجمات برّية.

"بعد كل ما تسببت به حربا العراق وأفغانستان من معاناة بشرية وآلام مميتة، يفكر رئيس أميركي بجدية مرة أخرى في نشر قوات برّية في الشرق الأوسط"

فكيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ من المذهل التفكير أنه، بعد كل ما تسببت به حربا العراق وأفغانستان من معاناة بشرية وآلام مميتة، يفكر رئيس أميركي بجدية مرة أخرى في نشر قوات برّية في الشرق الأوسط. والأكثر إثارة للدهشة أن الرئيس المعني هو ترامب، المنتقد الصاخب للمغامرات الخارجية المكلفة. ومع ذلك، فإنّ ما يحدث ليس ضربة حظ عاثرة ولا مصادفة عرضية، بل هو نتيجة لسياسات متعمَّدة. فإذا كانت الولايات المتحدة تواجه خيارات مستحيلة، فإن المسؤولية تقع بالكامل على عاتق ترامب، على الرغم من أنّه سيحرص على إلقاء اللوم على الآخرين. ويبدو أنّ بيت هيغسيث، المسؤول المضطرب في وزارة الدفاع، بات هدفه.

في موازاة ذلك، يواصل البيت الأبيض بثّ الأكاذيب وإطلاق سيل من الخطابات الرنانة، متجاهلاً الحقائق على أرض الواقع. ويبدو أنّ دونالد ترامب يعيش حالة إنكار واضحة، إذ يدّعي أنّ تغيير النظام قد تحقق بالفعل عبر الاغتيال. كما أنّ لديه عادة غريبة تتمثّل في التصرّف كمتفرّج منفصل عن الأحداث الفوضوية التي أشعلها بنفسه. ويتصرّف كما لو أنّ الصدمة العالمية في أسواق الطاقة، والإخفاق الذريع للولايات المتحدة في الدفاع عن مضيق هرمز وحلفائها في الخليج، وصمود إيران العنيد تحت القصف، وغياب الانتفاضة الشعبية المتوقعة في طهران — لا علاقة له بها على الإطلاق. وهو لا يدرك أنّ إيران تخوض حرباً غير متكافئة، وأنّ أقوى القنابل لا يمكنها محو الكبرياء والأيديولوجيا، ولا الإيمان والتاريخ.

ومع الوقت، يجد ترامب نفسه في حالة من العزلة المتزايدة، ولم يعد شركاؤه من رجال الأعمال العرب الأثرياء يثقون به. كما باتت القواعد الأميركية على أراضيهم تشكّل عبئاً لا وسيلة دفاع. وعندما طالب بمساندة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، جاءه الرد الأوروبي على نحوٍ فاتر: "سنُعلمك لاحقاً".

وبالمثل، فإن الكرد في إيران ليسوا متحمسين للتضحية بحياتهم من أجل هذا الأحمق. كما أنّ الدعم الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، وضمن تيار "ماغا" اليميني، الذي كان ضعيفاً في الأصل، يتلاشى سريعاً كسراب. وعلى الرغم من أنّ بنيامين نتنياهو هو الذي حرّضه على ارتكاب هذه الحماقة، فإنه يرفض اليوم إنقاذه أو حتى وقف عمليات القصف واسعة النطاق. لقد أخطأ ترامب التقدير حين صدّق وعود "إسرائيل" بتحقيق نصر سريع. أمّا إيران، فإن قيادتها المتبقية، التي يهيمن عليها التيار المتشدّد، ترى أنّها في موقع المنتصر، وتزداد مواقفها صرامةً يوماً بعد يوم.

تخيّل أن تكون واحداً من آلاف جنود مشاة البحرية الأميركية والمظليين المنتشرين حالياً في منطقة الخليج. فمع قائد أعلى مثل ترامب، من يحتاج إلى أعداء؟ ومع ذلك، فإن المزيد من التهديدات تنتظرهم. يبلغ تعداد القوات المسلحة الإيرانية 610 آلاف جندي في الخدمة الفعلية، إضافةً إلى 350 ألفاً من قوات الاحتياط. وقد لا يكون النظام قادراً على خوض القتال بفاعلية في الجو أو البحر، غير أنّه على الأرض، وفي بيئة مألوفة له، وربما يكون مستعداً للتضحية بـ"موجات بشرية" من القوات، كما حدث في الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، فإنه يبقى خصماً عنيداً. ويقول الحرس الثوري الإسلامي إنه مستعد لقصف أراضيه بشكل مكثف في حال تعرضها للغزو.

"المخاطر العسكرية لغزو بري أميركي لإيران ستكون هائلة. فالخسائر البشرية ستكون حتمية. حتى لو سارت العمليات على نحو جيّد في المدى القصير"

و إذا أمر ترامب بشنّ هجمات برّية، وقد ناقش مع نتنياهو هذا الاحتمال علناً، فمن المرجّح أن تستهدف هذه العمليات البطاريات الساحلية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، وقواعد الزوارق السريعة المسلحة المموّهة المنتشرة على طول الضفة الشمالية من مضيق هرمز. كما يُتوقّع استهداف محطة تصدير النفط في جزيرة "خارك" الواقعة شمالي الخليج. وتُعرَف جزيرة "خارك"، على نحوٍ ينذر بالسوء، باسم "الجزيرة المحظورة"، وقد يكون اجتياحها أسهل من السيطرة عليها والاحتفاظ بها. وتهدف مثل هذه التوغلات إلى إجبار السلطات الإيرانية على  إعادة فتح المضيق، بما يسهم في تخفيف أزمة الطاقة العالمية، ويعزّز من موقع ترامب التفاوضي.

إن المخاطر العسكرية الكامنة، التي لا يمكن تجنبها، هائلة. فالخسائر البشرية ستكون حتمية. وحتى لو سارت العمليات على نحو جيّد في المدى القصير، ستثار تساؤلات فورية حول احتمالية التصعيد عند شن إيران هجوماً مضاداً، واتساع نطاق العمليات، وطول مدة الاحتلال. أما إذا ساءت الأمور، فسترتفع الأصوات طلباً للتعزيزات - وهو سيناريو مألوف بشدة لكل من يتذكر التوسع التدريجي للعمليات في العراق وأفغانستان. والأكثر خطورة، بل يكاد يكون انتحارياً، هو خيار آخر مطروح يتمثل في إرسال قوات خاصة أميركية وإسرائيلية إلى عمق الأراضي الإيرانية للاستيلاء على مخزون البلاد المخفي شديد الحساسية من اليورانيوم عالي التخصيب.

فهل يريد ترامب حقاً، رغم تهديداته الصبيانية المليئة بالغضب العارم والعقاب القاسي، إطلاق العنان لهذا الكابوس؟ من الطبيعي أن يسعى أي شخص عاقل لتجنبه. فعلى مستوى معيّن، تعكس ادعاءاته اليائسة، والتي تُثير جدلاً واسعاً، بأن إيران "تتوسل" سراً من أجل السلام، إدراكه أن حرباً برية دموية مفتوحة قد تُنهي رئاسته. وتكمن مشكلته في أن النظام الإيراني يُدرك هذه الحقيقة أيضاً. لذا، من المنطقي جداً أن يستمر في رفض "خطة السلام" التي وضعها والمؤلفة من 15 بنداً- والتي تُعتبر بمثابة دعوة للاستسلام التام - بينما يُصعّد مطالبه. وتشمل هذه المطالب إنهاءً دائماً للعدوان الأميركي-الإسرائيلي، وسيادةً لا جدال فيها على مضيق هرمز، ودفع تعويضات مالية، ورفع العقوبات.

إنّ أيّ اتفاق لا يلبّي المطالب الأساسية للولايات المتحدة و"إسرائيل"، والمتمثّلة في إنهاء برامج إيران الخاصة بتطوير الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية بشكل دائم ووقف دعم طهران للميليشيات الإقليمية المتحالفة معها وضمان حرية الملاحة في منطقة الخليج، سيُنظر إليه على أنّه هزيمة لترامب. ويبدو أنّ هذا الأخير يرغب الآن بوضوح في إنهاء الحرب، ولكن وفق شروطه الخاصة، وباتفاق أفضل من ذلك الذي أبرمه باراك أوباما عام 2015 (والذي رفضه ترامب لاحقاً). غير أنّ إيران، الغاضبة والجريحة، وإن كانت لا تزال صامدة، لن تمنحه ذلك. وهكذا، فإنّ الخيارات المطروحة أمام ترامب تنحصر بين التراجع أو التصعيد.

فماذا الذي يمكن أن يُقال أو نفكر فيه عند هذا المنعطف الحرج؟ ما كان ينبغي لهذه الحرب غير المشروعة أن تُشنّ أصلاً. لقد تصرّف ترامب بتهوّر وانتهازية، كما يتحمّل نتنياهو قدراً كبيراً من المسؤولية. فلم يكن التهديد "وشيكاً" كما زعم، كما أنّ أكثر المبرّرات إقناعاً للحرب — والمتمثّل في الوعد بتحرير الإيرانيين من الاستبداد — قد تمّ التخلّي عنه. إنّ المفاوضات، غير المشروطة من كلا الطرفين، تمثّل السبيل العقلاني الوحيد للخروج من هذا المأزق. ويتعيّن على ترامب أن يتخلّى عن كبريائه، ويعترف بخطئه، ويُبدي قدراً من التواضع. غير أنّ العالم بأسره يدرك أنّ مجرّد تصوّر أن يُقدم هذا الرئيس الأميركي — المعروف بجهله وتهوره ونرجسيته — على مثل هذا السلوك، لهو أمرٌ سخيف للغاية.

لطالما كان متوقعاً أن تنتهي ولاية ترامب الثانية بكارثة، وهذا ما يتحقق اليوم.

 

نقلته إلى العربية: زينب منعم.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.