"التلغراف": بحصار أو من دونه.. حلفاء واشنطن يعلمون من يسيطر على مضيق هرمز
لا تحتاج طهران إلى معركة بحرية ضخمة، بل تحتاج إلى الغموض والتأخير، وإلى قدرٍ كافٍ من المخاطرة لإبقاء حركة الملاحة البحرية ضعيفة وفرض غرامات باهظة على شركات التأمين.
-
مضيق هرمز
صحيفة "التلغراف" البريطانية تشرح الأهداف التي يسعى ترامب لتحقيقها من خلال حصار الموانئ الإيرانية، لتجيب بعدها عن عدة أسئلة: هل سيتمكن من تحقيق مراده؟ وما نتائج العملية الراهنة؟
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
من يسيطر على مضيق هرمز يمارس نفوذاً يتجاوز حدود الخليج. ويبدو أن ترامب يسعى لتحقيق هدفين في آن واحد. أولاً، يريد خنق عائدات النفط الإيرانية، وبالتالي ممارسة ضغط اقتصادي على النظام الإيراني.
ثانياً، يريد إعادة فتح مضيق هرمز أمام شحنات النفط السعودية والإماراتية والكويتية وغيرها من الشحنات غير الإيرانية، مع إغلاق حركة الملاحة من وإلى الموانئ الإيرانية. وقد حصرت القيادة المركزية الأميركية الحصار بالفعل في الموانئ الإيرانية، مع التأكيد على ضرورة مرور السفن غير الإيرانية دون عوائق. هذه هي الخطة النظرية. أما في الواقع، فهي بمنزلة حملة بحرية قسرية واسعة النطاق.
لتحقيق هذه الخطة، سيتعين على الولايات المتحدة أولاً فرض قمع جوي وبحري مستمر على طول السواحل الإيرانية، ولن تستأنف حركة الملاحة التجارية بعد نشر منشور في وسائل التواصل الاجتماعي. سيحتاج مالكو السفن وشركات التأمين وقباطنة السفن إلى الاطمئنان إلى أن الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية السريعة وآلات زرع الألغام السرية والمراقبة الساحلية لن تتمكن بعد الآن من تهديد نظام فصل حركة الملاحة.
لا يزال التهديد البحري الإقليمي بالغ الخطورة، ولا تزال إيران تُصرّ على التنسيق المسبق لعبور المضيق، ولم تشهد حركة الملاحة عبره انتعاشاً ملحوظاً. ولذلك، ستكون المرحلة الأولى من إعادة فتح المضيق بمنزلة حملة لفرض السيطرة البحرية المحلية.
بعد ذلك فقط تبدأ عملية إزالة الألغام، وهي عملية بطيئة، وفنية، ومرهقة. تتطلب الألغام المُبلغ عنها في المضيق مسحًا للمسار، واختبارًا له، وعمليات بحث تحت الماء باستخدام طائرات بدون طيار، والتخلص من الذخائر المتفجرة، وعمليات تمشيط متكررة، والإعلان الحذر عن الممرات الآمنة الضيقة. يجب إعادة فحص كل قناة تم تطهيرها، لأن نقطة الاختناق الملغومة يمكن أن تُلوث مرة أخرى بسرعة أكبر بكثير من سرعة تطهيرها. في مضيق هرمز، تُمثل إزالة الألغام جوهر المهمة.
يكمن الجزء الأصعب في استمرارية العملية. يتطلب إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا يومًا بعد يوم عمليات استخبارات ومراقبة واستطلاع على مدار الساعة للمداخل؛ ودوريات جوية قتالية؛ ودفاعاً صاروخياً للقوافل المرافقة؛ وسفناً حربية سطحية مُتمركزة لحماية السفن التجارية المتجهة شرقًا وغربًا؛ وفرق تفتيش للسفن المشبوهة؛ وفرقاً هيدروغرافية لإعادة فحص الممرات التي تم تطهيرها؛ وتحديدًا سريعًا للمصدر عند ظهور طائرة بدون طيار، أو شحنة لاصقة، أو لغماً عائماً؛ وفرق إنقاذ ومكافحة حرائق للناقلة الأولى التي تُصاب، وإشعارات متواصلة للبحارة؛ وتوفير الإمدادات اللوجستية والذخائر الكافية، إضافة إلى تناوب الطواقم لضمان استمرار عمل النظام بأكمله لأسابيع أو شهور.
يتطلب ضمان حركة السفن الآمنة خطة مدروسة ومنهجية، بالتنسيق بين الجهات العسكرية والوكالات الحكومية والصناعية، بينما يُعدّ أي حصار مسعى مفتوحًا يتطلب موارد بحرية كبيرة.
في المقابل، كل ما على إيران فعله هو لا شيء تقريبًا. لا تحتاج طهران إلى معركة بحرية ضخمة، بل تحتاج إلى الغموض والتأخير وإلى قدرٍ كافٍ من المخاطرة لإبقاء حركة الملاحة البحرية ضعيفة وفرض غرامات باهظة على شركات التأمين. لم يُسفر وقف إطلاق النار عن أي زيادة ملحوظة في حركة الشحن، إذ انخفضت حركة الملاحة الفعلية إلى خانة الآحاد، بعد أن كانت في المتوسط التاريخي نحو 138 سفينة يوميًا.
هكذا يُحارب النظام: بإجبار الطرف الآخر على إرسال سفن مرافقة لمجرد استعادة الوضع الطبيعي. فشل واشنطن هنا نفسي قبل أن يكون تكتيكيًا. النظام الإيراني مُصمم للحصار والصبر والصمود، ويمكنه استخدام السلبية كسلاح.
ربما يكون سوء الفهم هذا قد تعزز بسبب فنزويلا. فبعد عملية يناير التي أسفرت عن اختطاف نيكولاس مادورو، رأى ترامب في ذلك نموذجًا للنجاح. من الصعب ألا نشك في أن هذا النجاح السريع في إسقاط القيادة ولّد ثقةً خطيرة بأن نظامًا آخر يمكن أن ينهار نتيجةً لفقدان القيادة وتدمير البنية التحتية.
مع ذلك، لم تكن إيران يومًا فنزويلا. إنها أكثر مؤسسية، ذات توجهات دينية أيديولوجية، وتمارس البقاء على قيد الحياة، ولا تزال محمية جزئياً بمخزون مدفون من اليورانيوم عالي التخصيب وقيادة أكثر تشدداً الآن.
يكمن الخطأ العسكري الأكبر في تسلسل الأحداث؛ فإذا كان مضيق هرمز يمثل أداة إيران الرئيسية للسيطرة على الاقتصاد العالمي، فقد كان لا بد من تأمينه قبل الهجوم الأوسع، لا بعده في خضمّ صراعٍ محموم. بدلاً من ذلك، وسّعت واشنطن نطاق الحرب، وسمحت لطهران بإظهار سيطرتها على الممر، ثم قررت إعادة فتحه تحت التهديد.
النتائج واضحةٌ جليّة؛ فقد ارتفع سعر النفط مجدداً فوق 100 دولار للبرميل، ورفض الحلفاء الانضمام إلى الحصار، ولا تزال إيران تحتفظ بكميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، يُرجّح أن يكون معظمها في أصفهان. وبأي معيارٍ جاد، فإن النتيجة فوضى عارمة تسعى واشنطن جاهدةً للتعافي منها.