"znetwork": بعد حرب إيران.. هل يبدأ تفكك النظام الأميركي الإسرائيلي؟
فشل واشنطن و"إسرائيل" في هزيمة إيران كشف حدود القوة العسكرية وعجز مشروع إعادة تشكيل المنطقة.
-
بعد إيران: هل يبدأ تفكك النظام الأمريكي الإسرائيلي
تحدث موقع "ZNetwork، في مقال، عن تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مشيراً إلى فشل تحقيق أهدافها وتصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة، مقابل صمود إيران وتراجع رهانات إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأميركية الإسرائيلية.
وفيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
لقد أُخرجت السكاكين التي لا تستهدف طهران هذه المرة، بل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. حتى إنَّ كريس كريستي المعروف بمرونته الأخلاقية، تحرك سريعاً، فلم يكتف حاكم ولاية نيوجيرسي السابق، والسياسي الجمهوري المخضرم، بانتقاد ترامب في حديثه على شبكة "سي إن إن"، بل استغلّ الفرصة لتوجيه اللوم إلى الجمهوريين التقليديين لتواطؤهم معه منذ البداية، وما كان في السابق استياءً صامتاً تحوّل الآن إلى تباعد سياسي علني.
من جانبها، صاغت شبكة "سي إن إن" نتائج الحرب بلغةٍ تُظهر اهتماماً إنسانياً انتقائياً، مُستشهدةً بمعاناة الشعب الإيراني كضحايا لحكومتهم، حتى مع انتقادها فشل ترامب، في تناقضٍ دالٍ على موقف من التفوق الأخلاقي يُدين سوء إدارة ترامب، ولكنه لا يصل إلى حد رفض المنطق الكامن وراء الحرب نفسها، ولا يُشكك في العدوان، بل في فعاليته فقط.
وفي جميع أنحاء العالم العربي، ولا سيما داخل أوساط النخب الخليجية، كان رد الفعل أكثر حدةً، وكشف عن الكثير. فقد عادت تهمة "الانسحاب السريع" المألوفة، لتُذكّر بالانتقادات التي وُجّهت إلى باراك أوباما خلال انسحاب الولايات المتحدة من العراق والتوجه نحو آسيا. فهنا أيضاً التناقض صارخ، حيث العديد من الأصوات التي زعمت معارضتها لحرب العراق، أبدت استياءً مماثلاً عندما انسحبت الولايات المتحدة منها. وآنذاك، كما هو الحال الآن، لا تلام واشنطن على الحرب نفسها، بل على فشلها في حسمها بشكل نهائي.
وبحسب موقع "أكسيوس"، جاء قرار ترامب بالسعي إلى تسوية مع إيران متحدياً معارضة شديدة من حلفاء إقليميين رئيسيين؛ قاوم نتنياهو، وحكومات عربية اعتمدت حساباتها الاستراتيجية على استمرار الحرب ونجاحها. فلم يكن الضغط على ترامب هامشياً، بل كان جوهرياً، ومع ذلك تم تجاهله، بينما غضب نتنياهو ليس مجرد غضب عاطفي، بل هو غضب استراتيجي. فهو يدرك تماماً ما هو على المحك. فإذا صمدت هذه الهدنة، ولا سيما إذا تطورت إلى اتفاق دائم بين واشنطن وطهران، فإن رؤيته التي طال أمدها لـ"شرق أوسط جديد" لن تتوقف فحسب، بل ستنهار.
ومن غير المرجح أن تتكرر الظروف التي جعلت هذه الحرب ممكنة في توقيتها، وتحالفاتها، وافتراضاتها. فلم تكن مجرد مواجهة أخرى، بل كانت التقاءً لفرصة سياسية، وطموح إقليمي، وهيمنة أيديولوجية، لكن لقد ولّى ذلك الزمن، في حيت يتبدى سؤال أكثر إزعاجاً، ترحيب الحكومات العربية بهذه النتيجة؟ فإذا انتهت الحرب، ستصبح بنيتهم التحتية النفطية أكثر أماناً، واقتصاداتهم أكثر استقراراً، وسيقل خطر التصعيد الإقليمي المباشر. فبكل المعايير المتعارف عليها، ينبغي أن يكون هذا مصدر ارتياح، لكن الأمر ليس كذلك.
ولفهم السبب، يجب النظر إلى ما هو أبعد من الحرب ذاتها، وإلى البنية السياسية التي تتشكل في المنطقة منذ سنوات. فلقد شكل تقاربٌ هادئ، ولكنه قوي، الملامح السياسية في الشرق الأوسط، وهو تحالف إسرائيلي عربي مبني على هدف مشترك يهدف إلى احتواء التهديد الإيراني، والقضاء عليه في نهاية المطاف. ولم يكن هذا مجرد كلام. بل كان أمراً مالياً وسياسياً واستراتيجياً.
وقد تدفقت مئات المليارات من الدولارات إلى فلك ترامب من الحلفاء الإقليميين الذين اعتبروه الزعيم المستعد "لإتمام المهمة". فهؤلاء الفاعلون أنفسهم استاؤوا بشدة من باراك أوباما، ليس بسبب نزعته العسكرية، ولكن لما اعتبروه فشله في اتخاذ موقف حازم ضد إيران. ومن وجهة نظرهم، كان ترامب يمثل التصحيح، والحسم والتصعيد والحل. فلقد رفعوه إلى مرتبة أعلى تبعاً لذلك، وعاملوه بشكل أقل كزعيم سياسي وأكثر كضامن للتحول الإقليمي. لكن الفوضى الداخلية في واشنطن، وما أعقبها من انتقال السلطة إلى جو بايدن، غيّرت الديناميكيات تماماً.
ومع ذلك، قبل مغادرته منصبه، قام ترامب، بتوجيه كبير من صهره جاريد كوشنر، بهندسة أحد أهم التحولات في السياسة الحديثة في "الشرق الأوسط"، وهي اتفاقيات التطبيع بين "إسرائيل" والعديد من الدول العربية. ولم تقتصر هذه الاتفاقيات على تطبيع العلاقات فحسب، بل رسخت تحالفاً علنياً ليس فقط ضد إيران، بل أيضاً ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته. وقد أعادت تشكيل المنطق السياسي للمنطقة.
ولبرهة ارتفعت التوقعات، وبدا "الشرق الأوسط" الجديد في متناول اليد، ويتماشى مع الأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية، شرق أوسط من شأنه أن يضع نتنياهو ليس فقط كزعيم لدولته، بل كمهندس رئيسي للنظام الإقليمي.
ثم جاء "طوفان الأقصى"، العملية الفلسطينية التي لم تقتصر (وما تلاها من إبادة جماعية إسرائيلية في غزة) على تعطيل هذا المسار فحسب، بل كشفت عن هشاشته. فبينما لم ينهر "التحالف الإسرائيلي العربي"، إلا أنَّ زخمه توقف، وأصبحت شرعيته موضع تساؤل، ومستقبله غامضاً.
كذلك، سعت إدارة بايدن عبر وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، إلى إنقاذ الإطار العام. وكانت الاستراتيجية واضحة، احتواء إخفاقات "إسرائيل" الميدانية مع استخدام تنازلات محدودة لإعادة إحياء التطبيع. وفي عهد إدارة ترامب الثانية، تكثفت هذه الجهود. وقد وضعت مبادرات الأمم المتحدة المدعومة من العرب بشأن غزة، وأبرزها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، إطاراً للحكم في مرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك إنشاء ما يسمى "مجلس السلام" كسلطة انتقالية.
والأهم من ذلك، أن القرار أجاز أيضاً نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، مُكلفة بتأمين الأراضي، والإشراف على نزع السلاح، ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية بشكل فعّال. وتشير هذه الإجراءات مجتمعةً إلى مسعى متجدد لفرض نظام إقليمي من أعلى. وفي هذا السياق يجب فهم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. فبالنسبة لنتنياهو ولعدة حكومات عربية لم يكن الأمر اختيارياً، بل كان ضرورياً. فما دامت إيران متماسكة، فإن شبكة تحالفاتها الإقليمية مع محور المقاومة، ستستمر في عرقلة تحقيق هذا "الشرق الأوسط الجديد.
ومع أنَّ بعض دول الخليج كانت حذرةً في البداية، ليس بدافع ضبط النفس، بل لاعتقادها أنَّها حققت مكاسب استراتيجية رئيسية لا يمكنها تحمل خسارتها. فقد استقرت الأوضاع في سوريا في ظل رئيس موالٍ للولايات المتحدة. وظهر أنَّ حزب الله ضعفت قوته وهو تحت ضغوط الصراعات الداخلية اللبنانية، بينما اُحتوي أنصار الله إلى حد كبير، وغزة رغم كبريائها وتحديها، كانت تخضع لسيطرة محكمة.
لكن الحرب تغير الحسابات. فعندما ردّت إيران بحزم زادت حدة التوتر في المنطقة، وأصبحت المخاطر فورية، ولا يمكن إنكارها. لو انتهت الحرب دون هزيمة إيران، ستكون العواقب وخيمة أكثر، وطهران أكثر جرأة في إعادة ضبط التوازن الإقليمي حيث التوقعات بتغييرات جذرية. عند هذا تحوّل تردد هؤلاء إلى دعوة صريحة لتصعيد الحرب، بل وأكثر من ترامب نفسه في كثير من الأحيان. فبالنسبة لهم، وقف إطلاق النار ليس حياداً، بل هو هزيمة.
ثم كشف ترامب زيف الرواية. وعندما عجز عن تبرير الحرب، قام بتصعّيدها، مهدداً بمحو الحضارة الإيرانية بين عشية وضحاها. ولم يكن هذا مجرد تهديد، بل امتداداً خطيراً لحملة مدمرة أصلاً، مستنداً إلى منطق الإبادة الشاملة، ومثيراً شبح تصعيد كارثي. فلقد حصر نفسه في مواعيد نهائية، يعلن عنها ثم يلغيها، أو يستبدلها بمواعيد جديدة. وفي كل مرة يظهر ضعف موقفه أكثر. وكلما طالت الحرب، كلما اتضحت الحقيقة، فلم تكن هذه عملية منضبطة، بل حملة متدهورة.
وحين صعّد ترامب من لهجته، لم يُظهر قوةً، بل كشف عن فقدانه السيطرة، حيث تبدد وهم النصر السريع والحاسم، وظهر مكانه نمط مألوف عن صراع مطوّل، وتخبط استراتيجي، وتراجع في النتائج. فهذه أرض إيران، وليست أرض أمريكا. وفي نهاية المطاف، أثبت عاملان أنهما حاسمان، الشعب الإيراني والرأي العام الأمريكي. وداخل إيران، لم يتحقق الانهيار "المتوقع"، بل على العكس، تماسك المجتمع. ورغم الضغوط والخسائر الهائلة، عزز التماسك الشعبي قدرة الدولة على الصمود. ببساطة، لم تتحقق الأمنيات الذي تشاركته واشنطن وتل أبيب بحدوث اضطرابات داخلية.
وعند ذلك، تحول خطاب ترامب مجدداً، من ادعاء "إنقاذ" الإيرانيين إلى التهديد بإبادتهم. لم تكن هذه استراتيجية، بل كشفت عن فقدان فادح للحكمة. وفي الولايات المتحدة، كانت النتيجة بالقدر نفسه من الأهمية. لم يُظهر الرأي العام الأميركي في أي وقت من الأوقات تأييداً مُستداماً للحرب، بينما فشلت استطلاعات الرأي المتكررة في إحداث التحول المنشود. وظلت المعارضة ثابتة، بل وتعمقت، لا سيما ضد أي احتمال لغزو بري.
ولا يمكن المبالغة في أهمية هذا الأمر. فبدون دعم شعبي، تصبح الحرب المطولة غير مستدامة سياسياً. وتحت هذه الظروف، فإن مسألة من "فاز" في هذه المرحلة سابقة لأوانها، وربما غير ذات صلة بالموضوع. فإيران لم تبدأ الحرب، ولقد بقيت في موقف دفاع عن النفس، ونجحت في الحفاظ على أراضيها وشعبها ومواردها، ولا يمكن قول الشيء نفسه عن ترامب أو نتنياهو.
وبالنسبة لنتنياهو على وجه الخصوص، كانت المخاطر وجودية. كان من المفترض أن تكون هذه المواجهة الحاسمة، اللحظة التي من شأنها أن تقضي على أقوى خصومه، وتؤمن السيادة الإسرائيلية، وتضفي مصداقية على رؤيته التي طالما عبّر عنها لـ "إسرائيل الكبرى". فهذا المشروع الآن تحت ضغط كبير، والأيام والأسابيع القادمة حاسمة، لأن نتيجة بهذا الحجم لا يمكن أن تمر دون عواقب جيوسياسية كبيرة على المستويين الإقليمي والعالمي.
ستحاول "إسرائيل" والولايات المتحدة إعادة تفسير الأحداث لحفظ ماء الوجه وإحياء مشروع هيمنتهما. وستعمل وسائل الإعلام العربية، وخاصة في الخليج، على التقليل من شأن ما تعتبره إيران انتصاراً. لكن في التحليل النهائي، لن يكون لأي من ذلك أهمية، وما يهم هو ما سيسجله التاريخ، حيث فشلت "إسرائيل" والولايات المتحدة في هزيمة إيران، ولقد فشلوا في تحقيق تغيير النظام، وفشلوا في زعزعة استقرار البلاد من الداخل، وفي كسر محور المقاومة، وفشلوا بشكل مضاعف في فرض إرادتهم بالقوة في مضيق هرمز.
ويبقى السؤال الذي لا مفر منه، هل ستواصل الحكومات العربية ربط نفسها بمشروع إسرائيلي أميركي فاشل؟ أم أنهم سيعيدون ضبط الأمور قبل إعادة تشكيل المنطقة بدونهم، وقبل أن يظهر شرق أوسط جديد ليس كما تصوره نتنياهو، بل كما تحدده قدرة الشعوب على الصمود في غزة وبيروت وطهران وصنعاء.
نقله إلى العربية: حسين قطايا