"Znetwork": كارتيل الذكاء الاصطناعي.. كيف تبني واشنطن دولة مراقبة دون أن تسميها؟
نحن الآن إزاء الخليفة الحقيقي للتكنولوجيا القديمة. فليس الفولاذ والصواريخ هما ما يشكلان أساس هذه التكنولوجيا، بل النماذج الرياضية والأساليب الإحصائية.
-
كارتيل الذكاء الاصطناعي: كيف تبني واشنطن دولة مراقبة دون أن تسميها؟
"الولايات المتحدة الأميركية تقوم بإضفاء الطابع الرسمي على توجهات كانت تدار في السابق في الخفاء". ما هي؟ ولماذا يحذر الخبير الاقتصادي والمعلق جيفري ويرنيك من توجهات الإدارة الأميركية بشأن الذكاء الاصطناعي؟ وما علاقة سنودن؟
موقع "Znetwork" الأميركي يجيب عن هذه التساؤلات في هذا المقال.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
نادراً ما تأتي أنظمة الرقابة الأكثر فعالية وهي ترتدي أحذية عسكرية، وعادة ما تتخفى خلف عبارات مطمئنة حول الابتكار والأمن والسلامة العامة. هذا ما يراه الخبير الاقتصادي والمعلق جيفري ويرنيك في نقده اللاذع للأمر التنفيذي الجديد لإدارة ترامب بشأن الذكاء الاصطناعي، أن واشنطن تبني بهدوء شيئًا أكثر أهمية بكثير من مجرد سياسة تكنولوجية، وتضع إطاراً لإدارة الحكومة للوصول إلى أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تم ابتكارها على الإطلاق، وليس من خلال حظر صريح أو متطلبات ترخيص رسمية، بل من خلال عتبات سرية، وشراكات مميزة، وحوافز تجعل رفضها غير منطقي.
ويكمن جوهر هذا التحذير في حقيقة مقلقة عن إصرار الحكومة على أنها لا تنشئ نظاماً لترخيص الذكاء الاصطناعي، بينما تخوّل في الوقت عينه وكالة الأمن القومي لتحديد النماذج التي تصنف، ضمن معايير سرية على أنها "نماذج حدودية مشمولة"، وبالتالي تستدعي تدقيقًا حكوميًا قبل نشرها.
ويرى ويرنيك أن هذا يحول قواعد التطور التكنولوجي من تنظيم شفاف إلى شيء أكثر غموضاً وسلطة خفية تمارس وفقاً للتقدير الشخصي لا القانون. والنتيجة هي ظهور مجمع صناعي جديد للمراقبة، حيث تتشابك وكالات الاستخبارات والأولويات العسكرية وعمالقة التكنولوجيا بشكل متزايد.
وعلى عكس أشكال الإكراه التقليدية للدولة، لا يجبر هذا النظام على الامتثال تحت تهديد القوة، بل يُعيد هيكلة السوق بشكل جذري بحيث يصبح التعاون مربحاً والمعارضة مكلفة.
ويشير ويرنيك إلى تحذير دوايت أيزنهاور الشهير بشأن المجمع الصناعي العسكري، ويقارن مع ما كشفه إدوارد سنودن عن المراقبة الحديثة، مؤكداً أن أميركا تشهد إضفاء الطابع الرسمي على توجهات كانت تدار في السابق في الخفاء. فلم يعد السؤال هو ما إذا كانت الحكومة وشركات التكنولوجيا العملاقة ستتعاون، بل إلى أي مدى سيصاغ المستقبل خلف الأبواب المغلقة قبل أن تتاح للجمهور فرصة الاعتراض.
مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى البنية التحتية التي يتواصل الناس من خلالها ويعملون ويتعلمون ويحكمون، يطرح ويرنيك سؤالاً بسيطاً، ولكنه مقلق. فإذا كانت القواعد سرية، ولم يتم انتخاب حراس البوابة، وكانت المشاركة طوعية من الناحية الفنية، فما مقدار الحرية المتبقية عندما يكون للرفض نفسه ثمن؟ فهم أطلقوا عليه اسم تعزيز الابتكار والأمن في مجال الذكاء الاصطناعي المتقدم، حيث يتضح ما بعد هذا العنوان في الفقرة جي، أنه "لا يفسر أي شيء في هذا القسم على أنه يجيز إنشاء ترخيص حكومي إلزامي أو موافقة مسبقة".
واشنطن تبني بهدوء شيئًا أكثر أهمية بكثير من مجرد سياسة تكنولوجية، وتضع إطاراً لإدارة الحكومة للوصول إلى أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي
عندما يعلن عن قواعد بلا نظام ترخيص، فلا بد من التأمل في الأمر وتصديقه أنه يفعل، وطرح السؤال: لماذا احتاج مستند لا ينشئ نظام ترخيص إلى إخلاء المسؤولية أصلاً؟ فالمرء لا يتنصل مما لم يفعله، بل مما فعله عندما يفضل ألا يسمي الأشياء باسمها، ما يولد نموذجاً محدداً خاضعاً للرقابة، إذ يمكن الحكومة التدخل دون معرفة مستخدم النموذج لأن المعيار سري في تحديد النماذج، ويدار داخل وكالة الأمن القومي.
وما يعنيه ذلك أن القاعدة التي تحكمك هي قاعدة لا يُسمح لك بقراءة بنودها، ولا يمكنك الالتزام بها، ولا الطعن بها أمام المحكمة، ويمكنك فقط أن تقع أن تحدد في أي جانب من الخط وقعت. هذا ليس تنظيماً ولم ينشر، ولا يمكن مناقشته، لأنه بمنزلة تصرف تقديري لا يمكن رؤيته، ومجرد سلطة بأسلوب أكثر تهذيباً. فمن يرسم الخط هو وكالة الأمن القومي المحترفة بشكل أساسي في اختراق أنظمة الآخرين. وهي الوكالة هي التي تقرر أي النماذج في أميركا قوية بما يكفي لتكون مهمة، ثم تحصل على حق الوصول إليها.
يقول النص بوضوح إنه حتى 30 يوماً قبل الإصدار، يقدم المطور النموذج للحكومة، ويمنحها حق الوصول بسرية ضمن حماية الملكية الفكرية، حيث الهيكل لا يتغير، والوكالة ذاتها تحصل على النماذج الأكثر قدرة في البلاد بين يديها قبل أي شخص أو جهة أخرى، ويسمونه أمناً، لكن لمن؟ وما يلي ا الجزء الذي كتبوه بعناية فائقة، ستقوم الحكومة "بالتعاون مع المطورين" لاختيار شركاء موثوقين يحصلون على وصول مبكر إلى النماذج المشمولة. فالدولة تساعد على تحديد من يحصل على التكنولوجيا الجيدة أولاً.
هذا ليس سوقاً، فالسوق ليس له مضيف، وهو غائب، والأمر لا ينص على أن الرفض يعتبر فعلاً يستوجب عقوبة. ولا يوجد أي إلزام بذلك. عندما تسيطر الحكومة على عمليات الشراء والشراكات والتعيينات وإمكانية الوصول إلى الموارد، فإن الرفض يصبح له قيمة في السوق. المسألة ليست فيما إذا كان الرفض قانونياً أم لا، بل المسألة هي ما هي تكلفة الرفض.
هكذا يتم بناء كارتل دون استخدام أي كلمات، وهو لا يستولي على الصناعة، بل يُخْتَار الأشخاص الذين سيديرون الصناعة نيابة عن الآخرين. وكل شيء يتم بشكل طوعي. إنهم فخورون بذلك. يقولون ذلك مرتين: لا يوجد أي إجبار، ولا يوجد أي استخدام للقوة، ولا حاجة إلى ذلك. فعندما تسيطر على عملية الشراء، فإنك بذلك تسيطر على الإيرادات. وعندما تمنح شركة ما لقب "الشريك الموثوق به" فإنك بذلك تولد سوقاً لهذا اللقب.
وعندما تطلب أقوى وكالة استخبارات في العالم الحصول على بيانات نموذجك لمدة 30 يومًا، فإن كلمة "لا" لها ثمن باهظ، بينما لا تجبر الشركات مباشرة على ذلك، لكن جعلوا رفض الطلب أمراً غير منطقي، ولا بد من فهم أن هذا الفرق هو جوهر الخطة بأكملها.
السلاح أداة صادقة، ويمكن رؤيته بوضوح، ومعرفة من يحمله. ويمكن الوقوف في المحكمة والقول: "لقد أُجبرت على فعل ذلك"، والإكراه يترك أثراً، ويمكن محاربته. هنا لم يتم توجيه أي سلاح، ولكنهم غيروا الخيارات حتى أصبح الرفض بمنزلة إيذاء للذات، ثم سمحوا لك بإتمام الأمر، ولم يتم إجبارك، وتعاونت بحرية، لأن التعاون كان له مكافأة، بينما كان الرفض له تكلفة.
هذه هي أقوى أشكال السيطرة على الإطلاق، حيث الواقع تحت سطوته ومسيطر عليه هو من يدافع عنها، لأنه يخلط بين غياب السلاح ووجود حرية اختيار
لا يوجد أي طرف يمكن تحميله المسؤولية. لا تحاكم أي شخص بناءً على حافز. والموافقة ليست مجرد نتيجة ثانوية. الموافقة هي الدليل، لأنك اخترتها. يمكنهم القول بأنه لم يتم إجبارك، وحريتك هي الدليل على عدم تعرضك لأي ضرر.
هذه هي أقوى أشكال السيطرة على الإطلاق، حيث الواقع تحت سطوته ومسيطر عليه هو من يدافع عنها، لأنه يخلط بين غياب السلاح ووجود حرية اختيار. وانتبهوا إلى من يقف في مركز الصورة، ليس وزارة التجارة، ولا أي جهة رقابية مدنية، بل إن الجهة المسؤولة عن الرقابة هي التي تتولى قيادة عملية جمع المعلومات وتحليلها. كما أن الإجراءات كلها تتم عبر وزارة الحرب، التي تتحمل تكاليف طباعة هذه المعلومات. التكنولوجيا المدنية، المستشفيات، البنوك المحلية، الخدمات العامة، كل ذلك يخضع لسيطرة وزارة الحرب.
قبل 65 عاماً، حذر الرئيس أيزنهاور الشعب الأميركي من هذا الوضع بالذات. ووصف "المجمع العسكري الصناعي"، وهو اتحاد دائم بين الدولة الأمنية والصناعات التي تدعمها، بأنه يمتلك نفوذاً ضخماً لم يمنح له عبر التصويت. وقد تحدث أيزنهاور عن ذلك بصراحة، وهو في طريقه لمغادرة منصبه.
نحن الآن إزاء الخليفة الحقيقي للتكنولوجيا القديمة. فليس الفولاذ والصواريخ هما ما يشكلان أساس هذه التكنولوجيا، بل النماذج الرياضية والأساليب الإحصائية، وهو نظام مراقبة شامل، يجمع بين الجهات المسؤولة عن المراقبة والتكنولوجيا التي ستتحكم قريباً في كل ما نقرأه ونقوله ونسأل عنه.
نحن الآن إزاء الخليفة الحقيقي للتكنولوجيا القديمة. فليس الفولاذ والصواريخ هما ما يشكلان أساس هذه التكنولوجيا، بل النماذج الرياضية والأساليب الإحصائية
وانتبهوا إلى من حذرنا هذه المرة، لم يكن رئيساً مثل أيزنهاور، بل كان مقاولاً أفشى طبيعة هذا الجهاز، لكنه لم يحظ بخطاب وداع، بل حُوكم وأُجبر على العيش في المنفى مدى الحياة. فالنظام نفسه الذي ساعد في إصدار تحذيرات أيزنهاور، أصبح الآن سبباً في نفي سنودن، وهذا يدل على مدى تطور النظام السلبي.
ما كشف عنه سنودن كبرنامج سري، يتم الآن الإعلان عنه كجزء من شراكة رسمية. لم يعودوا يخفون ذلك بعد الآن، وهم يعلنون عنه صراحة. ولا بد من العودة إلى بند الإخلاء من المسؤولية في الجملة التي تنص على أن هذا النظام ليس نظاماً لمنح التراخيص، ولا توجد أي متطلبات أو تراخيص أو إجراءات مسبقة يجب اتباعها. في هذا الصدد، فإن الأمر صادق بالفعل، وهذا هو الجزء الذي يجب أن يقلق الجميع.
الوكالة يمكن مناهضتها لو كانت هناك تصاريح يمكن أن منازعتها علنية أمام المحاكم. فالقاعدة التي تسمح لك بتقاريرها هي قاعدة يمكنك مناقشتها، وهذا لا يمنحك أياً من ذلك. لا يوجد شيء للطعن فيه، لأنه لا شيء أُلْزمت به، في دولة حرة تنصب قواعدها في خزانة، وترسل الدعوات في سرية، وتسمى النتيجة سوقاً، فلن يحتاج شركاء الوكالة للإكراه.