"WSWS": هتلر الأميركي وأخلاق الطبقة الحاكمة
على الرغم من فظائع ترامب، فلن يخضع الشعب الإيراني للإمبريالية الأميركية، وسيواصل المقاومة. ومن مسؤولية الطبقة العاملة الأميركية والعالمية الدفاع عن الشعب الإيراني.
-
الرئيس الأميركي دونالد ترامب
موقع WsWs الأميركي يؤكد في استنتاج حتمي من خطاب ترامب مؤخراً أنه مجرم سياسي. كيف وصل إلى هذه الخلاصة؟ وما ستكون نتيجة سياساته في العالم؟
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
الاستنتاج الحتمي الذي لا مفر منه في خطاب دونالد ترامب مؤخراً، هو أن الرئيس الأميركي مجرم سياسي. وإذا سلمنا بوجود حد فاصل أخلاقي، حتى في مجال الجغرافيا السياسية الإمبريالية، بين السعي الخبيث لمصالح القوى الرأسمالية العظمى وبين الوحشية الفاشية، فإن قادة الحكومة الأميركية قد تجاوزوه.
وستبقى أسماء ترامب وفانس وهيغسيث وروبيو وميلر محفورة في الذاكرة للأبد، مع أسماء قادة النازية في الرايخ الثالث هتلر وغورينغ وهيملر وفون ريبنتروب وغوبلز، وسيكون حكم التاريخ قاسياً لا يرحم.
لكن هذا الحكم لن يصدر ضد الأفراد فحسب، بل سيطال بشكل أعمق أيضاً الطبقة الاجتماعية التي أوصلتهم إلى السلطة، حيث ارتكبوا جرائمهم الشنيعة ضد الشعب الإيراني لأجل مصلحة هذه الشريحة. وهنا تكمن أهمية خطاب ترامب الناري، وكشفه عن الانحلال السياسي والأخلاقي الذي لا رجعة فيه للطبقة الحاكمة الأميركية.
مع ذلك، ليس ترامب أول رئيس أميركي يرتكب جرائم، بل إن أسلافه أمروا بغزو دول، وإسقاط حكومات، وتعذيب واغتيال أفراد اعتبروهم معارضين للمصالح الأميركية. لكن الإدارات السابقة حاولت، ولو بشكل جزئي، تبرير أفعالها قانونياً و"ديمقراطياً"، مهما كان هذا التبرير واهياً، أو ساخراً، أو مخادعاً، أو منافقاً.
ولم يكن من الممكن تبني ازدراء القانون المحلي والدولي، وما يصاحبه من رفض لأي التزام بالمبادئ "الديمقراطية"، كأساس لسياسات الدولة. وعندما انكشفت أعمال إجرامية، بررت بعبارات أسف رسمية، باعتبارها خروجاً مؤسفاً عن تطبيق المعايير القانونية الرسمية، لكن ولى ذلك الزمن، فخطاب ترامب لافت للنظر بقلة تستره، واختار كلمات كشفت بوضوح تام عن أهداف الإبادة الجماعية المتعمدة للأفعال الأميركية، وقال: "سنعيدهم إلى العصر الحجري، حيث ينتمون"، وهدد بأن الولايات المتحدة ستضرب "كل محطة من محطات توليد الكهرباء لديهم بقوة شديدة، وربما في وقت واحد". وتفاخر باغتيال قيادتهم: "لقد ماتوا جميعاً"، وأضاف بثقة فظة تشبه ثقة زعيم مافيا: "نحن نملك كل الأوراق الرابحة، وهم لا يملكون شيئاً".
ما يتكشف في هذه الملاحظات ليس مجرد مرض فردي، بل هو النهج الأساسي لطبقة اجتماعية اعتادت الإجرام، ولم تعد تشعر بأنها مضطرة للاعتذار عن جرائمها. على مدى 35 عاماً، منذ تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، انتهجت الطبقة الحاكمة الأميركية سياسة خارجية تتسم بالإفلات من العقاب.
وقد كان لوجود الاتحاد السوفياتي، الذي انبثق من ثورة اشتراكية للطبقة العاملة، دور حاسم في هزيمة الرايخ الثالث، وفرض قدراً من القيود على ممارسة السياسة الخارجية الإمبريالية، لكن تفكك الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين أزال كل تلك القيود، حيث افتتنت الطبقة الحاكمة باستخدام العنف واعتبرته الحل لجميع مشكلات النظام الرأسمالي، بينما عبرت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن ذلك بقولها بعد عملية عاصفة الصحراء: "القوة تجدي نفعاً".
إن طريق خطاب ترامب يمر عبر الغزو الأميركي للعراق عام 1991، وقصف صربيا عام 1999، والذي استمر، في أعقاب غزو أفغانستان عام 2001 والاعتداء على العراق عام 2003، عبر آلة التعذيب والانتهاكات الهائلة التي كشف عنها في سجن أبو غريب ومواقع الاعتقال السرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية، وتعذيب المعتقلين بالإيهام بالغرق ومجموعة مصطلحات "الاستجواب المعزز" لإضفاء "شرعية" بيروقراطية على السادية التي يمارسونها.
ويمر طريق خطاب ترامب أيضاً عبر قصف ليبيا عام 2011، حيث استقبل تدمير الدولة والإذلال العلني وقتل القذافي في واشنطن من قبل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بشماتة مرعبة وقالت: "جئنا، رأينا، مات". ويمر طريق خطاب ترامب قبل كل شيء، عبر غزة، حيث رفعت الإبادة الجماعية إلى سياسة، والتجويع إلى استراتيجية، وتدمير المستشفيات ومخيمات اللاجئين إلى أداة حرب علناً.
لقد أرست غزة معياراً جديداً، وهذه إحدى أهم الحقائق السياسية في هذه المرحلة، فلأكثر من عامين شاهد العالم التدمير الممنهج لشعب بأكمله، بدعم كامل من الولايات المتحدة وتواطؤ جميع القوى الإمبريالية في قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وإبادة لعائلات بأكملها، وتدمير حياة المدنيين بقسوة أذهلت الملايين.
ولم يكن الدرس المستفاد في الأوساط الحاكمة هو أن هذه الجرائم لا تحتمل، بل إنها مباحة، فالاستنتاج الذي تم التوصل إليه في واشنطن ولندن وبرلين وباريس هو أن القيود القديمة لم تعد سارية، وأن أي عمل، مهما كان بشعاً، يمكن تطبيعه شريطة أن ينفذ بقوة كافية ويدعمه أجهزة دعائية وقحة بما فيه الكفاية. بهذا المعنى، فإن خطاب ترامب ينتمي إلى هذا المناخ السياسي الجديد، وهو لغة طبقة حاكمة تعلمت من غزة أن القتل الجماعي يمكن ارتكابه علانية دون أي اعتذار.
بهذا يتجلى الهجوم على إيران بأقصى تجلياته وأفظعها. فالخطط التي طبقت في البداية على أرض يقطنها 2.5 مليون نسمة، تستخدم الآن ضد دولة شاسعة يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة. ففي 28 شباط/فبراير، شنت الولايات المتحدة و"إسرائيل" ما يقارب 900 غارة جوية في غضون 12 ساعة على إيران، ونسقتا الهجوم ليتزامن مع المفاوضات النووية الجارية، وقامتا بعمل غدار متعمد استهزأ بمفهوم الدبلوماسية ذاته. وقد أسفرت الضربة الأولى عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، ومجموعة من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وقصفت أهدافاً في 26 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية.
أعقب ذلك حملة تدمير متواصلة لأكثر من 11 ألف هدف استهدف خلال الشهر الأول، وأكثر من 300 مستشفى ومنشأة طبية ومدارس تضررت أو دمرت، وعشرات الآلاف من المباني السكنية التي تحولت إلى ركام، ومواقع تراثية ثقافية شوهت، ومحطات تحلية مياه خربت، كما تعرضت محطات الطاقة النووية للقصف على نحو متكرر.
أما أبشع فظائع الحرب هو تدمير مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب، والذي أودى بحياة أكثر من 170 طفلة، لكن الجريمة قوبلت باللامبالاة من المعتدين لا بالندم. وأطلق على العملية اسم "الغضب الملحمي" للاحتفاء بالوحشية.
لعقود من الزمن تعرض اليساريون والبلاشفة لمحاضرات أخلاقية من صحافيين وأكاديميين من الطبقة البرجوازية الصغيرة، الذين كان شغلهم التاريخي الرئيسي هو اكتشاف في سلوك هؤلاء ما يشير أو أدلة على "اللاأخلاقية الماركسية". ولقد ملأوا المكتبات بإدانات للعنف الثوري، حيث يلقن الطلاب والشباب والعمال الاعتقاد بأن المشكلة الأخلاقية المركزية للعصر الحديث تكمن في تعنت أولئك الذين سعوا إلى إسقاط النظام الرأسمالي.
ومع ذلك، تظهر هذه الأوساط نفسها، عند مواجهة وحشية الإمبريالية الفعلية، صبراً ملحوظاً، وتتلاشى إداناتهم القاطعة لتتحول إلى تلميحات، ويخبو حماسهم الأخلاقي، وتصبح عدواتهم للعنف انتقائية للغاية، مع أنهم يجدون مخزوناً لا ينضب من الغضب الأخلاقي الذي لم يهدأ حتى بعد مرور أكثر من قرن على الثورة الروسية عام 1917، لكنهم يصمتون عندما تحرق الولايات المتحدة مجتمعاً بأكمله، وعندما تدفن "إسرائيل" الأطفال تحت أنقاض منازلهم بقصفها، وعندما يمارس التعذيب بشكل منهجي، وعندما تعدم الشرطة الفقراء والمشردين في الشوارع الأميركية، حيث يبرز هنا البعد الطبقي للأخلاق بوضوح استثنائي.
تعكس روح الفاشية الترامبية الحقيقية بصيغة جديدة "المبدأ الأخلاقي" الذي يوجه الطبقة الحاكمة الرأسمالية، وهو "العمل دائماً على تعظيم قوة وربح الأوليغارشية، ومعاملة البشر والشعوب بأكملها، وحتى الحضارة نفسها، كأصول يمكن التخلص منها في ممارسة القوة الأميركية"، فهذه هي أخلاق طبقة تقوم ثروتها على النهب المالي والخراب الاجتماعي، وهي أخلاق قادة سياسيين ينظرون إلى شعوب بأكملها كمادة خام يمكن ممارسة القوة عليها بقسوة بالغة.
الحكومة التي تمارس العنف الوحشي ضد الشعوب في الخارج لن تلبث أن تستخدم الأساليب نفسها في الداخل. فالنهج الذي طور في الحروب الإمبريالية يجد نظيراً له في الحياة الداخلية، فإن مقتل رينيه نيكول غود وأليكس بريتي، على يد عملاء فيدراليين، يندرج ضمن نمط أوسع من عنف الدولة الذي يسبق الحرب على إيران بزمن طويل، حيث عمليات القتل على يد الشرطة، وعسكرة الإدارات المحلية، وتحويل أحياء الطبقة العاملة بأكملها إلى مناطق أمنية داخلية، بينما الافتراض السائد بأن حياة الفقراء رخيصة.
إن عنف الدولة الأميركية ليس مقسماً إلى قسمين منفصلين، أحدهما خارجي والآخر داخلي، بل ينبع من مصدر واحد. فالطبقة الحاكمة التي تحافظ على ثروتها من خلال الاحتيال والسرقة والمضاربة والحرب، تحكم بالإكراه غير القانوني عندما تصبح المعايير الدستورية عائقاً.
كما أن تدهور الحياة السياسية لا ينفصل عن بنية الحكم الأوليغارشي في المجتمع الأميركي، فلا يمكن أن تتمركز الثروات الهائلة دون تمركز مواز للسلطة، حيث إن حكم نخبة مالية صغيرة فوق بقية المجتمع يقوض ويدمر كل مؤسسة ديمقراطية. فالمحاكم، والسلطة التشريعية، والإعلام، والجامعات، والشرطة، وأجهزة الاستخبارات، والأحزاب الحاكمة جميعها، تصبح أدوات تمكن نخبة طفيلية من تأمين مصالحها، حيث تصبح الأساليب الإجرامية حتمية.
المجتمع الذي يحكمه المليارديرات، والمتوحشون من الشركات، وعملاء الاستخبارات العسكرية، والمحتالون السياسيون، يكتسب سمات ممن يهيمنون عليه. ووصف مثل هذا المجتمع بأنه محكوم من قبل مجرمين هو حقيقة سياسية لا جدال فيها. ومع ذلك، لا تسير عملية الانحلال دون أن تنتج نقيضها. لقد قطعت الطبقة الحاكمة شوطاً طويلاً على طريق التدهور الأخلاقي، لكن قطاعات واسعة من السكان لم تتبعها إلى المصير نفسه..
لقد تأسست الولايات المتحدة قبل 250 عاماً في ثورة أطاحت الحكم الاستعماري الاستبدادي، وأعلنت المساواة بين البشر حين ألغت في حرب أهلية "نظام العبودية". ولا تزال كلمات جيفرسون ولينكولن حاضرة في الوعي الجمعي لشعب الولايات المتحدة، فالنزعات الديمقراطية، والشعور بالعدالة، والنفور الفطري من القسوة، وكراهية الكذب والوحشية، كلها متجذرة بعمق في نفوس العمال والشباب.
وتتفاقم هذه المشاعر مع تصاعد الصراع الطبقي بوجه إجرام الأوليغارشية، ويتخذ الوعي الأخلاقي للجماهير طابعاً متفجراً متزايداً. فكل تهديد متفاخر، وكل عمل من أعمال عنف الدولة، وكل تمجيد علني للدمار، يزيد اتساع الهوة بين النخبة الحاكمة والشعب الذي تدعي حقها بأن تحكمه.
وعلى الرغم من فظائع ترامب، لن يخضع الشعب الإيراني للإمبريالية الأميركية، وسيواصل المقاومة. ومن مسؤولية الطبقة العاملة الأميركية والعالمية الدفاع عن الشعب الإيراني، ويجب حشد طاقات الطبقة العاملة لوقف قصف إيران وإنهاء هذه الحرب غير الشرعية، كما يجب على القوى الناشطة والشباب استخلاص العبر اللازمة من الحرب، فلا يكفي الشعور بالفزع، فالرعب، إن ترك دون رادع، يتلاشى في إحباط عاجز أو في نوبات مقاومة فردية معزولة، والمطلوب هو نشوء حركة جماهيرية للطبقة العاملة تسترشد بأخلاق ثورية حقيقية في معارضة لانحطاط الطبقة الحاكمة بكل جوانبها.
ولا تمت هذه الأخلاق بصلة إلى المواعظ المتعجرفة للأكاديميات أو الغضب الانتقائي لليبرالية المنافقة، بل إنها تنبع من النضال ضد الاستغلال والقمع الرأسماليين، وهي أخلاق نضال متجذرة في التضامن، والصدق، والدفاع عن المظلومين، والعداء المطلق للقسوة والهيمنة، وفي القناعة الراسخة بأن الإنسان لا يعامل كأداة يمكن التضحية بها في سبيل الربح والسلطة. وبهذا، تكمن أسمى مبادئ الحضارة وأعمق تطلعات الإنسانية، وبقاؤها مرهون بانتصارها.
نقله إلى العربية: حسين قطايا