"WSWS": الإمبريالية الأميركية واضطهاد إيران
تشنُّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" حملةً جويةً مُتواصلةً ضدَّ المدن الإيرانية، حيث قُتل الآلاف ودمرت المباني، ومدرسة للبنات تدمَّرت بالكامل، بينما ردَّ ما يُسمَّى بالعالم الديمقراطي هو إدانة إيران لردّها على هذا القصف.
-
"WSWS": الإمبريالية الأميركية واضطهاد إيران
ينشر موقع "WSWS" (الاشتراكية العالمية) نص المحاضرة التي ألقاها رئيس هيئة التحرير في الموقع ديفيد نورث، في جامعة "هومبولت" في برلين هذا الأسبوع، ويتناول فيها العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران ويحاول وضع الأمور في سياقاتها التاريخية وتوضيح أهداف الحرب العدوانية المستمرة منذ سنوات على إيران.
فيما يلي نص المحاضرة منقولة إلى العربية:
في 28 الشهر الماضي، شنَّت الولايات المتحدة و"إسرائيل" دون إعلان الحرب على نحوٍ رسميٍّ، هُجوماً واسع النطاق على إيران، استهدف قواعد عسكريةً ومنشآتٍ حكوميةً ومدناً في أنحاء البلاد، كما اُغتيل المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في بداية الهجوم، إلى جانب عددٍ من المسؤولين وعددٍ غير محدد من المدنيين، كذلك تضرَّرت وتدمَّرت مدارس ومستشفيات ومواقع تراثية ثقافية.
لقد ألقت الولايات المتحدة قنابل خارقةً للتحصينات زنة 5000 رطلٍ على مواقع صواريخ إيرانيةٍ على طول مضيق هرمز، وأغرقت الفرقاطة الإيرانية "آيرس دنا" في المحيط الهندي، وقتلت 80 من أفراد طاقمها، مع أنَّها سفينة كان البنتاغون يعلمُ أنَّها غير مُسلَّحةٍ، وكانت عائدةً من مناورةٍ بحريةٍ مُتعدّدة الجنسيات تشترط على السفن المشاركة عدم حمل أي ذخيرةٍ. وحتى الآن مضى على استمرار الحرب أكثر من 3 أسابيع، ولقد قتل أكثر من 1500 شخص في إيران، من بينهم 160 على الأقل في غارة صاروخية أميركية على مدرسة للبنات، كذلك تضرر أكثر من 4000 مبنى مدني.
وفي إطار الدفاع عن النفس ردَّت إيران، بشنّ غاراتٍ صاروخية وبالطائرات المُسيرة في أنحاء المنطقة مُستهدفةً مواقع في "إسرائيل" والبحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات، وأغلقت مضيق هرمز، الذي يمرُّ عبره عادةً خُمس نفط العالم، مما أدَّى إلى ارتفاع أسعار النفط لتتجاوز 110 دولاراتٍ للبرميل. ووصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنَّه "أكبر تحدٍّ لأمن الطاقة العالمي في التاريخ". كذلك، يُعاني 20 ألف بحارٍ من التكدُّس في الخليج، حيث توقَّفت حركة الملاحة الدولية تماماً.
كان الرئيس ترامب قد طالب باستسلام إيران "غير المشروط"، وهدَّد بضرب محطاتها النووية وشبكة الكهرباء، وأعلن عن أنَّ تغيير النظام "سيحدث". وقال، وزير الدفاع الأميركي بأنَّ الجيش لن يتراجع حتى "يهزم العدوُّ هزيمةً كاملةً وحاسمةً". في تلك الأثناء، توصَّلت تقييمات الاستخبارات الأميركية إلى أنَّ تَهديد إيران المزعوم بامتلاك صواريخ باليستية بعيدة المدى للولايات المتحدة لا أساس له من الصحة، وأنَّ تطوير هذه القدرات سيستغرق حتى عام 2035 على الأقلّ.
ولقد شُنّ الهجوم في الليلة نفسها التي أعلن فيها الوسطاء العُمانيون عن إحراز تقدم كبير في المفاوضات النووية، وعن أنَّ إيران وافقت مبدئياً على تصفية مخزونها من اليورانيوم المُخصَّب. وكان وزير الخارجية الإيراني قد أعلن بأنَّ "اتفاقاً تاريخياً لتجنُّب الحرب بات في المتناول". لكنَّ الولايات المتحدة اختارت الحرب على التسوية التفاوضية، بينما خطر اتّساع رُقعة الصراع ليس مُجرَّد افتراضٍ، بل هو احتمال فَعّال في حسابات كل حكومةٍ في العالم.
إنَّ التشابه التاريخي لهذه الحرب الذي يفرض نفسه ليس حرب الخليج عام 1991 أو غزو العراق عام 2003، بل عام 1914، حين بدأت الحرب العالمية الأولى كصراعٍ إقليميٍّ في البلقان ثم توسَّعت، من خلال منطق التحالفات والتنافسات الإمبريالية وسوء التقدير، إلى كارثةٍ عالميةٍ دمَّرت 4 إمبراطوريات، وقتلت 20 مليون إنسانٍ. فآليّاتُ التصعيد في الأزمة الراهنة لا تقلُّ خطورةً، والترابط بين الحرب الإيرانية والصراعات في أوكرانيا وبحر الصين الجنوبي، والمواجهة الأميركية الأوسع نطاقاً مع كل من روسيا والصين.
وكل هذا يعني أنَّ حادثةً واحدةً، مثل صاروخٍ طائشٍ يُصيب دولةً في حلف "الناتو"، أو مواجهة بحريةً في الخليج، أو هجومٍ على منشأةٍ نوويةٍ، قد تُشعل سلسلةً من الأحداث التي لا تستطيع أي حكومةٍ السيطرة عليها، حيث تُواجه الطبقة الفقيرة والبشرية جمعاء وضعاً وصفه ليون تروتسكي بتكهُّنٍ دقيقٍ عشية الحرب العالمية الثانية وقال: "إنَّ الطبقة الحاكمة تتزلَّج الآن بعيونٍ مُغلقةٍ فوق كارثةٍ اقتصاديةٍ وعسكريةٍ".
هذه الحرب "جريمة ضدَّ السلام"، وهي التهمة الأولى والأكثر جوهريةً في لائحة الاتّهام التي وُجّهت ضدَّ القيادة النازية أمام المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ في عامي 1945 و1946. ومن بين 22 مُتَّهماً حُوكموا في نورمبرغ، أُدين 13 بتهمة شنّ حروبٍ عدوانيةٍ، وأُعدم 11 منهم شنقاً آنذاك، بينما هيرمان غورينغ، الرجل الثاني في قيادة هتلر، فقد نجا من حبل المشنقة بتناوله السيانيد قبل ساعاتٍ من موعد إعدامه المُقرَّر.
افتتح المدَّعي العام الأميركي في مُحاكمات نورمبرغ روبرت إتش جاكسون جلسات المُحاكمة بكلماتٍ ما تزال تعتبر أبلغ بيان لمبدأ أنَّ القانون الدولي ملزمُ للأقوياء والضعفاء على حد سواء. وقال، "إنَّ شرف افتتاح أوَّل مُحاكمةٍ في التاريخ لجرائم ضدَّ السلام العالمي يُلقي على عاتقنا مسؤوليةً جسيمةً، وأن المظالم التي نسعى لإدانتها ومُعاقبة مُرتكبيها كانت مُدبَّرةً، وخبيثةً، وَمُدمّرةً، لدرجة أنَّ الحضارة لا تستطيع التسامح معها أو تجاهُلها، لأنَّها لا تستطيع البقاء إذا تكرَّرت.
"وفقاً للمعيار الذي وضع في نورمبرغ وأقرَّته المحكمة، تُعتبر الحرب ضدَّ إيران حرباً عُدوانيةً شُنَّت دون استفزازٍ، ودون تفويضٍ من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"
وأصرَّ جاكسون على أنَّ القانون الذي أُقرَّ في نورمبرغ لا يُمكن تطبيقه بشكلٍ انتقائيٍّ، وكتب: "مع أنَّ هذا القانون يُطبق أوَّلاً على المعتدين الألمان، إلا أنَّه يشمل الجرائم كلها. ولكي يُؤدّي غرضاً نافعاً، يجب أن يُدين عدوان أي دولةٍ أُخرى، بما فيها تلك التي تجلس هنا الآن للمحاكمة". وأضاف بصراحةٍ تُدين تاريخ السياسة الخارجية الأميركية اللاحق برمَّته، "إنَّ أي لجوءٍ إلى أي نوعٍ من الحرب، هو لجوء إلى وسائل إجراميةٍ بطبيعتها، على عكس الحرب الدفاعية الشريفة القانونية بالطبع. كما لا يُمكن تبرير الأفعال الإجرامية بطبيعتها بإثبات أنَّ مُرتكبيها كانوا منخرطين في حربٍ، في حين أنَّ الحرب نفسها غير قانونيةٍ".
ووفقاً للمعيار الذي وضعه جاكسون وأقرَّته المحكمة، تُعتبر الحرب ضدَّ إيران حرباً عُدوانيةً شُنَّت دون استفزازٍ، ودون تفويضٍ من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ودون إعلان حربٍ من الكونغرس الأميركي، وانتهكت ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة ضدَّ السلامة الإقليمية لأي دولةٍ. فلم تُهاجم إيران الولايات المتحدة، ولم تُشكّل أي تهديدٍ وشيكٍ لها، وكانت بصدد التفاوض على اتفاقٍ شاملٍ.
إنَّ القوى الإمبريالية الأوروبية مُتواطئة تماماً في هذه الجريمة، وخلافاتها مع واشنطن إن وجدت، ذات طابع تكتيكيٍّ بحتٍ. وكان الاتحاد الأوروبي قد أصدر بياناً في أول الشهر الجاري، لم يدن فيه الهجوم الأميركي الإسرائيلي المفاجئ، بل استنكر الضربات الإيرانية الانتقامية، ووصفها بأنَّها "غير مُبرّرةٍ". كذلك أدان المجلس الأوروبي بشدَّة "الضربات العسكرية الإيرانية العشوائية"، داعياً فقط إلى "ضبط النفس إلى أبعد حدٍّ" و"حماية المدنيين"، وهي لغة مُوجَّهة إلى كلا الجانبين كما لو كان المُعْتدي وضحيةُ العدوان متساويين أخلاقياً. ووصف المستشار الألماني ميرز إيران بأنَّها "تهديد أمني كبير"، وزعم أنَّ عُقوداً من الدبلوماسية قد فشلت. ونشرت فرنسا حاملة طائراتها في المنطقة "لحماية مصالحها.
وعلى مدى 4 سنواتٍ، ندَّدت هذه الحكومات الأوروبية نفسها بما تُسمّيه "الحرب غير المُبرَّرة" التي شنَّتها روسيا ضدَّ أوكرانيا، وهي حرب لم تكن في الواقع غير مُبرّرةٍ، ونشأت مُباشرةً كنتيجةٍ للتوسُّعَ المتواصل لحلف "الناتو" شرقاً والجهود الممنهجة لتحويل أوكرانيا إلى قاعدة عملياتٍ مُتقدّمةٍ ضدَّ روسيا. مع ذلك، لنفترض جدلاً أنَّ الأوروبيين هم من صاغوا هذه الرواية بالاستناد إلى القانون الدولي، وقُدسية السيادة، وحُرمة الحدود، ثم فرضُوا عقوباتٍ شاملةً على روسيا، وزوَّدوا أوكرانيا بأسلحةٍ بعشرات المليارات من الدولارات، والآن في مواجهة حربٍ لا جدال في أنَّها غير مُبرّرةٍ شنَّها حليفهم الرئيسي ضدَّ دولةٍ يبلغ تعداد سُكّانها 91 مليون نسمةٍ، وهي حرب أودت بحياة أكثر من 1500 مدني حتى الآن، وأغلقت أهمَّ ممرٍّ ملاحيٍّ فِي العالَمِ، وتُهدد بكارثةٍ نوويةٍ، لم ينبسوا ببنت شفةٍ مُعارضةٍ، بينما خُذل "النظام الدولي القائم على القواعد" مُجدَّداً باعتباره مُجرَّد تعبيرٍ مُلطَّفٍ لحقّ القُوَى الإمبريالية في شنّ الحروب متى تشاء.
من الضروري التطرُّق إلى السردية التي باتت تهيمن على معظم النقاشات العامة حول هذه الحرب، سواءٌ على اليمين أو اليسار، حيث تُفسر هذه السردية الحرب ضدَّ إيران في المقام الأول في بعض الروايات حصرياً، بأنَّها نتاج نفوذٍ إسرائيليٍّ وصهيونيٍّ على السياسة الخارجية الأميركية. ووفقاً لهذه الرواية، لا مصلحة مُستقلَّةً للولايات المتحدة في الصراع مع إيران، بل تم التلاعبُ بها أو إجبارُها على خوض الحرب من قبل بنيامين نتنياهو واللوبي الإسرائيلي، ولو تحرَّرت الولايات المتحدة من هذا النفوذ الخبيث لكانت ستسلك مساراً مختلفاً تماماً في الشرق الأوسط.
"وصف جيفري ساكس، الخبير الاقتصادي بجامعة كولومبيا، الحرب بأنَّها مدفوعة بـشخصيتين نرجسيتين خبيثتين، هما نتنياهو وترامب"
وقد تبنَّى هذا التفسير بقوة شخصياتٍ من اليمين القومي، كما أشار الصحفي تاكر كارلسون، الصوت الأكثر نفوذاً في هذا التيار، وقال "حدث هذا لأنَّ إسرائيل أرادت ذلك، وهذه حرب إسرائيل، وليست حرب الولايات المتحدة". وذهب كارلسون أبعد من ذلك، مُؤكّداً أنَّ "الولايات المتحدة لم تتَّخذ القرار هنا، بل بنيامين نتنياهو هو من اتَّخذه". وقد تبنَّى المستشار السابق لوزير الدفاع العقيد دوغلاس ماكغريغور الموقف نفسه في تصريحٍ له مؤخراً بعد اندلاع الحرب، وقال "أعتقد أنَّ ترامب يُدرك أنَّه لا يملك خياراً آخر. علينا أن نفهم من أوصلهُ إلى البيت الأبيض، والقوة والنفوذ الهائلين للوبي الإسرائيلي والأثرياء الصهاينة في الولايات المتحدة الذين يساهمون في ذلك". وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي تساءل ماكغريغور، "لماذا تجُرَّ إسرائيل التي أشعلت فتيل هذه الحرب الجنونية الأميركيين إلى صراعٍ إقليميٍّ أوسع؟
كذلك، حظي الموقف المناهض للحرب بقبول واسعٍ، بدرجاتٍ مُتفاوتةٍ من الفهم من قبل المعارضة اليسارية الليبرالية. مثلاً، وصف جيفري ساكس، الخبير الاقتصادي بجامعة كولومبيا، الحرب بأنَّها مدفوعة بـ"شخصيتين نرجسيتين خبيثتين، هما نتنياهو وترامب"، حيث صُمّم الصراع في المقام الأول كمشروعٍ إسرائيلي لـخدمة خطة "إسرائيل الكبرى" والهيمنة الإقليمية. كما صاغت شخصيات مثل ماكس بلومنتال وكريس هيدغز، ومنظمات مثل "كود بينك"، التي تبنَّت شعار "لن نموت من أجل حرب إسرائيل"، وهي المصطلحات ذاتها التي استخدمها اليمين الأميركي الوطني، أي أنَّها حرب تُخاض من أجل "إسرائيل"، لا أميركا.
لا شكَّ في أنَّ اللوبي الإسرائيلي موجود بالفعل، وأنَّه ينفق موارد هائلةً للتأثير في السياسة الأميركية. ولا شك أيضاً في أنَّ "إسرائيل" سعت إلى هذه الحرب لعقودٍ، وأنَّ النظام الإسرائيلي، الذي ارتكب إبادةً جماعية في غزة، والذي باتت طبيعته فاشيةً بشكلٍ مُتزايدٍ وواضحٍ، يتحمَّلُ مسؤوليةً جسيمةً عن الكارثة التي تجتاح الشرق الأوسط الآن.
لطالما كان موقع "شبكة الاشتراكية العالمية" رائداً في معارضته للدولة الإسرائيلية، وهي مُعارضة تعود جذورها إلى عام 1948، حين عارضت "الأممية الرابعة" قيام دولة "إسرائيل" على خلفية الصراع، الأيديولوجي والسياسي، الذي خاضتهُ الماركسية ضدَّ الصهيونية منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث وصف ليون تروتسكي الصهيونية بأنَّها ترويج ليوتوبيا رجعية، ذات عواقب وخيمةٍ مُحتملةٍ، والآن تحقَّق تكهّنه.
مع ذلك، فإنَّ تفسير الحرب باعتبارها نتاجاً أساسياً وحصرياً للنفوذ الصهيوني هو تفسير خاطئ تماماً، ليس فقط من منظور تاريخي، بل ومن منظورٍ سياسيٍّ أيضاً. فهو يقود، سواء قصد مُؤيّدوه ذلك أم لا، إلى تبرير الإمبريالية الأميركية، بل وحتى إلى التوافق معها. فإذا كانت المشكلة تكمن في النفوذ الإسرائيلي، فإنَّ الحلَّ يكمنُ في إزالة هذا النفوذ واستبداله بسياسةٍ خارجيةٍ "جيدةٍ" تُدافع عن المصالح الأميركية الحقيقية، حيث تصبح السياسة الخارجية مسألة نظافةٍ، أي تطهير كيانٍ سياسيٍّ سليم من دخيلٍ أجنبيٍّ.
يرتبط هذا المنظور ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد الرجعية، و"المعادية للسامية" في جوهرها، التي تُؤكّد وجود تمييزٍ جوهريٍّ بين الرأسمالية المسيحية السليمة والمنتجة، ورأس المال الطفيلي الربوي الذي يُهيمن عليه اليهود. وليس من قبيل المصادفة أن ينتقل تعليق كارلسون، في غضون أيامٍ، من انتقاد السياسة الخارجية الإسرائيلية إلى نظريات المؤامرة حول سيطرة اليهود على الدولة الأميركية.
"هدف الولايات المتحدة حالياً هو القضاء على جميع آثار الثورات الاجتماعية والديمقراطية في القرن العشرين، وإعادة تنظيم العالم تحت هيمنتها"
وفي حالة الحرب الحالية، يفصل السرد الإسرائيلي المحوري الصراع عن أي تحليلٍ تاريخيٍّ وجيوسياسيٍّ واجتماعيٍّ اقتصاديٍّ وطبقيٍّ مُتماسكٍ لأصوله وأسبابه وأهدافه. كما يتخلَّى هذا السرد بشكلٍ أساسيٍّ عن الإمبريالية كإطار تحليلي، ويتجاهلُ تماماً الدور الطويل والضارَّ للإمبريالية البريطانية والألمانية، وأخيراً الأميركية، في اضطهاد إيران. كما يُهمّش ملفُّ النفط الركيزة المادية للصراع برمَّته، ويبعدُ هذه الحرب تماماً عن الصراع الطويل الذي تخوضه الولايات المتحدة ضدَّ إيران منذ عام 1979، بهدفٍ عكس نتائج الثورة الإيرانية، والذي تضمن عقوباتٍ ماليةً قاسيةً، وهجمات عسكريةً، واستخدام وكلاء في العراق و"إسرائيل"، بالإضافة إلى دول الخليج، وأخيراً، حروب 35 سنة الماضية التي شنَّتها الولايات المتحدة وحُلفاؤها في "الناتو" في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ التفسير الذي يُركّز على "إسرائيل" يفصل الصلة بين هذه الحرب والاستعدادات الأميركية الجارية لحربٍ ضِدَّ روسيا والصين. وكما أكَّد موقع "شبكة الاشتراكية العالمية"، فإنَّ هدف الولايات المتحدة هو القضاء على جميع آثار الثورات الاجتماعية والديمقراطية في القرن العشرين، وإعادة تنظيم العالم تحت هيمنتها. وهذا المشروع لا تُحرّكه نيات شرّيرة فحسب، ناهيك عن جنون دونالد ترامب وإجرامه، بل ما تُحرّكه هي ضرورات الرأسمالية الأميركية لعكس التدهور المُستمرّ للوضع المالي العالمي للولايات المتحدة من خلال الحرب.
ولقد وصل ترامب نفسه إلى السلطة بفضل الطبقة الحاكمة الأميركية، ولم تكن رئاسته نتاج ثورةٍ شعبيةٍ، وجاءت في سياقٍ تعمَّدْتُهُ قِطاعاتٍ مُهيمنةٍ من الأوليغارشية المالية بتنصيب شخصيةٍ في البيت الأبيض مُستعدَّةً لاستخدام أساليب العالم السفلي الإجرامي في إدارة السياسة الداخلية والخارجية، حيث تُقدّم قضية إبستين، التي تورَّط فيها قطاع واسع من النخبة المالية والسياسية في جرائم بالغة الدناءة، لمحةً عن البيئة الاجتماعية التي انبثقت منها هذه الإدارة.
إنَّ الحرب ضدَّ إيران تشنُّها حكومة تجسّدُ في حدّ ذاتها التدهور النهائي للديمقراطية البرجوازية الأميركية. ويرتبط استخدام الحرب كوسيلةٍ لقمع معارضة الطبقة العاملة المحلّية بعنفٍ ارتباطاً وثيقاً بالضرورات العالمية للرأسمالية الأميركية، لأنَّها تناهض الأوليغارشية الرأسمالية الحاكمة وبنية الاستغلال الرأسمالي برمَّته. فالحرب على إيران، أعقبت الهجوم على فنزويلا والجهود المُستمرَّة لخنق كوبا، وكلاهما لا صلةٍ للمصالح الصهيونية بهما، بينما يتصاعد عنف شبه عسكريٍّ فاشيٍّ تُمارسه إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، والذي تضمن قتل مواطنين أميركيين واضطهاداً وحشياً للمهاجرين، فإنَّ منطق هذه الحرب ليس مُجرَّد منطق اللوبي الإسرائيلي، بل هو منطق الإمبريالية في عصر أزمتها التاريخية.
ولإثبات ذلك، يجب على المرء أن يستعرض التاريخ الفعلي للعلاقة الأميركية مع إيران، وهو تاريخ يسبق الدولة الإسرائيلية بفترةٍ طويلةٍ، ولا يرتكز على المكائد الصهيونية، بل على النفط والسيطرة الجيوسياسية ومصالح الطبقة الرأسمالية الأميركية. ولفَّهُم سبب شنّ الولايات المتحدة حرباً (اقتصادية وسرِّية)، والآن عسكرية علنية - ضدَّ إيران لما يقرب من نصف قرنٍ، لا بُدَّ من البدء بالجغرافيا لا بالأيديولوجيا، حيث تقع إيران عند ملتقى 3 مناطق حيويةٍ للاقتصاد العالمي، هي آسيا الوسطى، وجنوب آسيا، والدول العربية في الخليج. كما أنَّ إيران تمتلك 4 أكبر احتياطيٍّ نفطيٍّ مُؤكَّدٍ في العالم، وثاني أكبر احتياطيٍّ للغاز الطبيعي. زيادة على ذلك، تُسيطر إيران على الشاطئ الشمالي لمضيق هرمز، وهو الممرَّ الضيّق الذي كان يمر عبره، قبل الحرب الحالية، ما يقرب من 20% من إمدادات النفط العالمية يومياً.
لم يُغفل أي استراتيجيٍّ جادٍّ في واشنطن عن فهم هذه الحقيقة. ولم يكن الصراع على إيران، في جوهره، صراعاً حول الإرهاب، أو الأسلحة النووية، أو حقوق الإنسان، أو "إسرائيل"، بل كانت هذه كلُّها ذرائع وتبريراتٍ وأدواتٍ. فلطالما تمحورت القضية الأساسية حول من يسيطر على موارد النفط في منطقة الخليج، وبأي شروطٍ. وقد أدركت القوى الإمبريالية هذا الأمر قبل دخول الولايات المتحدة الساحة بزمنٍ طويلٍ، في حين بدأت بريطانيا استخراج النفط الإيراني عام 1908 عبر شركة النفط الأنجلو-فارسيةٍ، التي أصبحت فيما بعد شركة النفط الأنجلو-إيرانيةً، ثم شركة بريتيش بتروليوم. وخلال النصف الأول من القرن الماضي، كانت إيران فعلياً شبه مُستعمرةٍ بريطانيةٍ، اُستخرجت ثروتها النفطية من قبل شركة أجنبيةٍ، وتأثَّرت سياساتها بالسفارة البريطانية، وكانت سيادتها اسميَّةً.
كذلك أدركت ألمانيا أيضاً الأهميَّة الاستراتيجية لإيران. ففي عهد القيصر تنافس رأس المال الألماني على النفوذ في بلاد فارس في إطار التنافس الأوسع مع بريطانيا، والذي ساهم في اندلاع الحرب العالمية الأولى. وخلال الحرب العالمية الثانية، عزَّز النازيون علاقاتهم مع رضا شاه بهلوي، الذي أثارت مُيوله الألمانية قلق الحلفاء بما يكفي لتبرير الغزو الأنجلو-سوفياتي عام 1941، حيث استولى البريطانيون على حقول النفط الجنوبية، بينما احتلَّ السوفيات الشمال.
وكما جرت العادة، تم التنازل عن سيادة إيران عندما تعارضت مع مصالح القوى العظمى. وفي هذا المضمار من التنافس بين القوى الإمبريالية دخلت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تغادره منذ ذلك الحين. وليس سرّاً الآن، فقد نصَّت استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة لعام 2025 على ذلك بصراحةٍ غير مألوفةٍ، وأعلنت عن أنَّه "ستظلُّ لأميركا مصالح جوهريةً في ضمان عدم وقوع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدوٍّ صريح، وأن يبقى مضيق هرمز مفتوحاً"، مما يكشفُ بهذه العبارة وحدها، التي صاغها جهاز الأمن القومي التابع لترامب نفسه، تدحَّض الادّعاء بأنَّه ليس للولايات المتحدة مصلحة مستقلة في الحرب ضدَّ إيران.
ولم تُدرك الأهمِّية الاستراتيجية لإيران بالنسبة للإمبريالية الأميركية في عام 1979، ولا في عام 2001، بل خلال الحرب العالمية الثانية. ففي العام الثاني 1943، اجتمع روزفلت وتشرشل وستالين في مؤتمر طهران، وهو أول اجتماعٍ أكبر 3 قوى عالمية في عاصمة إيران. وكان لاختيار الموقع دلالة بالغة، إذ كانت إيران قد غُزيت واُحْتلَّت بشكلٍ مُشتركٍ من قبل بريطانيا والاتحاد السوفياتي في آب/أغسطس 1941، وكانت بمثابة ممرِّ إمدادٍ حيويٍّ وصلت من خلاله الموادَّ الأميركية المُقدَّمة بموجب برنامج الإعارة والتأجير إلى الجبهة السوفياتية.
كذلك، أصدر القادة الثلاثة من طهران إعلاناً مُشتركاً تعهَّدوا فيه باحترام استقلال إيران وسيادتها ووحدة أراضيها، ووعدوا بتقديم مُساعَداتٍ اِقْتِصادِيَّةٍ لها بعد الحرب. لكنَّ المؤتمر أجبر روزفلت أيضاً على مواجهة حقيقةٍ سَتُشكّل الاستراتيجية الأميركية الكبرى على مدى العقود الثمانية التالية، وهي أنَّ من يُسيطر على إيران يُسيطر على بوّابة أغنى احتياطيات النفط في العالم.
كما، لم يقع أول صدامٍ بين القوى العظمى في الحرب الباردة في برلين أو كوريا، بل في إيران. وبموجب اتفاقية الاحتلال التي أُبْرمت خلال الحرب، كان من المقرر أن تنسحب جميع قوات الحلفاء من إيران في غضون 6 أشهرٍ من انتهاء الأعمال العدائية، حيث انسحبت الولايات المتحدة وبريطانيا في الميعاد المحدَّد. كذلك، تعاملت إدارة ترومان التي تبنَّت موقفاً مُتشدّداً تُجاه الحليف السابق في زمن الحرب، مع الأزمة الإيرانية كحالة اختبارٍ لعقيدة الاحتواء الناشئة، حيث مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على الاتحاد السوفياتي من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أُنشئ حديثاً آنذاك، وهي إحدى أولى القضايا التي نظر فيها المجلس من خلال المواجهة الدبلوماسية المباشرة، وتحت هذا الضغط المشترك، انسحب السوفيات في العام 1946.
لقد كانت جريمة مصدق هي تأميم صناعة النفط الإيرانية، الذي كانت تسيطر عليه شركة النفط الأنجلو-إيرانية من العام 1908، وتستخرج ثروة إيران النفطية، بينما تدفعُ للحكومة الإيرانية جُزءاً ضئيلاً من العائدات. وعندما سعى مصدق لاستعادة السيطرة الوطنية على هذا المورد، فرضت بريطانيا حظراً وحصاراً، ثم لجأت إلى الولايات المتحدة طلباً للمساعدة على إزاحته من السلطة.
وقد أذنت إدارة أيزنهاور، التي سنحت لها الفرصة من قبل البريطانيين، مدفوعة بمخاوف الحرب الباردة ورغبة شركات النفط الأميركية في الوصول إلى امتيازاتٍ إيرانيةٍ، لوكالة المخابرات المركزية بتنفيذ الانقلاب، وقاد العملية، التي أُطلق عليها اسم "أجاكس"، كيرميت روزفلت الابن، حفيد ثيودور روزفلت وابن عم عميل وكالة المخابرات المركزية أرشيبالد روزفلت الابن، الذي ظهر لاحقاً كمستشارٍ لديفيد روكفلر في بنك "تشيس مانهاتن". ويُذكر أنَّه قُتل نحو 300 شخصٍ في القتال الذي دار آنذاك في طهران.
وفي أعقاب الانقلاب، عزَّز الشاه سلطته المطلقة، وأنشئ جهاز الأمن السري "السافاك"، بمساعدة وكالة المخابرات المركزية الأميركية والموساد الإسرائيلي. وأرسلت وكالة المخابرات المركزية اللواء نورمان شوارزكوف الأب، والد قائد حرب الخليج، لتدريب قوات الأمن التي ستفرضُ حُكم الشاه، حيث أُعيد تنظيم قطاع النفط ضمن اتحادٍ جديدٍ تقاسمت فيه 5 شركاتٍ أميركيةٍ الغنائم إلى جانب شركات "بريتيش بتروليوم" و"شل" وشركات فرنسية أخرى بعد تغيير أسمائها. لقد حقق سحق التجربة الديمقراطية في إيران غايته، وأصبح بإمكان رأس المال الأميركي الوصول المباشر إلى النفط الإيراني.
إنَّ الادّعاء بأنَّ الولايات المتحدة "ليس لديها مصلحة" في الصراع مع إيران لا يُدحض فقط من خلال السجل التاريخي، ولكن أيضاً من خلال الوثائق الاستراتيجية السرّية والمنشورة للحكومة الأميركية نفسها، والتي حدَّدت إيران على أنَّها مصلحة أميركية بالغة الأهمّية، وتهديد باستمرارٍ منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث يبدأ المسار الوثائقي مُباشرةً بعد انقلاب عام 1953، حين أرست وثيقة مجلس الأمن القومي رقم 5402/1، وهي أول بيانٍ شاملٍ للسياسة الأميركية تُجاه إيران بعد الإطاحة بمصدق.
وفي الإطار العام. كان من المُقرَّر الحفاظ على إيران كدولةٍ تابعةٍ مواليةٍ للغرب، ودعم جيشها، وتصدير نفطها إلى الأسواق الغربية. وبحلول عام 1958، صدرت وثيقة مجلس الأمن القومي رقم 5821/1، التي اعتمدها مجلس الأمن القومي في عهد أيزنهاور، بياناً صريحاً ومُميَّزاً في هذا الشأن جاء فيه، عن "أنَّ الموقع الاستراتيجي لإيران بين الاتحاد السوفياتي والدول العربية في الخليج واحتياطاتها النفطية الهائلة، يجعلُ من الأهمّية بمكانٍ بالنسبة للولايات المتحدة الحفاظ على صداقة إيران واستقلالها وسلامة أراضيها". وقد أجازت هذه الوثيقة استخدام القوات المسلحة الأميركية لحماية سلامة أراضي إيران واستقلالها السياسي.
"لم تكن العلاقة المالية والعسكرية والاستخباراتية بين الولايات المتحدة ونظام الشاه تحالفاً دبلوماسياً بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت نظاماً إمبريالياً للاستغلال والسيطرة"
ومن عام 1953 حتى عام 1979، شغل الشاه منصب "قائد قوات الأمن في منطقة الخليج" من قبل واشنطن، وهو مصطلح استخدم في العقيدة الاستراتيجية الأميركية عقب عقيدة نيكسون لعام 1969، التي نصَّت على أنَّ الحلفاء الإقليميين، وليس القوات البرية الأميركية، هم من يجب أن يتولوا حفظ الأمن في العالم النامي نيابةً عن واشنطن. وبين عامي 1970 و1978، طلب الشاه أسلحةً أميركيةً بقيمة 20 مليار دولارٍ، وهو ما وصفه أحد أعضاء الكونغرس بأنَّه "أسرع حشد للقوة العسكرية في زمن السلم لأي دولةٍ في تاريخ العالم". وأصبحت إيران أكبر مستورد منفرد للأسلحة الأميركية. وحققت شركات "غرومان"، و"بيل هليكوبتر"، و"نورثروب"، و"روكويل إنترناشونال"، وعشرات الشركات الأميركية الأخرى المتعاقدة مع قطاع الدفاع، مليارات الدولارات من هذه العلاقة. وبحلول عام 1973، كان ما يُقدَّر بنحو 3600 فني أميركي يعملون في مشاريع مُتعلّقةٍ بالأسلحة داخل إيران، مع توقُّعاتٍ بوصول هذا العدد إلى 25000 بحلول عام 1980.
كذلك، قام بنك "تشيس مانهاتن" بإدارة ديفيد روكفلر، بتمويل مشاريع عامةٍ إيرانيةٍ بأكثر من 1.7 مليار دولارٍ، أي ما يعادل حوالي 5.8 مليار دولار بأسعار اليوم. واحتوت ميزانية البنك على أكثر من 360 مليون دولار من القروض المباشرة لإيران، وأكثر من 500 مليون دولار من الودائع الإيرانية. فلم تكن العلاقة المالية والعسكرية والاستخباراتية بين الولايات المتحدة ونظام الشاه تحالفاً دبلوماسياً بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت نظاماً إمبريالياً للاستغلال والسيطرة، مدعوماً بمبيعات الأسلحة وأرباح البنوك، تُنفّذه شرطة سرّية درَّبتها وكالة المخابرات المركزية، ومُبرّراً بظروف الحرب الباردة.
ولقد كان جهاز "السافاك" أداة قمع داخلي، وسيّئ السمعة، حيث تصفه الوثائق، بتساهلٍ مُطلقٍ في ممارسة التعذيب ضدَّ المعارضين المشتبه بهم، وأعدم مئات الأشخاص لأسبابٍ سياسيةٍ خلال العقدين الأخيرين من حُكم الشاه، وسجن الآلاف. وكان الشعب الإيراني يعلمُ أنَّ سلطة الشاه لم تكن تستند إلى أي شرعيةٍ داخليةٍ، بل إلى انقلاب عام 1953 والدعم المستمرّ من الولايات المتحدة.
كذلك، لم تكن العلاقة الأميركية مع الشاه علاقةً مُنعزلةً، بل كانت جزءاً من تحالفٍ غربيٍّ أوسع، ضمَّ القوى الأوروبية الكبرى، ولا سيما جمهورية ألمانيا الاتحادية، كشركاء راغبين ومُربحين. فلقد كانت ألمانيا شريكاً تجارياً رئيسياً للشاه ومُستثمراً هامّاً في البنية التحتية الإيرانية. كما استقبلت حكومة ألمانيا الغربية الشاه بكل حفاوةٍ كحليفٍ "ديمقراطي"، على الرغم من سجَّله الموثَّق جيداً في القمع السياسي والتعذيب والقتل، لكن الشاه كان مناهضاً للشيوعية، وكان لديه نفط يتاجر به، وهذا كان كافياً بالنسبة لألمانيا.
وقد تجلَّت بوضوح تورُّط الدولة الألمانية في دكتاتورية الشاه في العام 1967، عندما زار الشاه برلين الغربية خلال فترة تولّي كورت جورج كيسنجر منصب المستشار، وهو نفسه عضو سابق في الحزب النازي. مع ذلك، نظَّم الطلاب والإيرانيون المنفيون احتجاجاً قرب دار الأوبرا الألمانية، حيث كان الشاه يحضر عرضاً لأوبرا "الناي السحري" لموزارت، لكن عملاء الشرطة السرّيَّة للشاه، الذين كانوا يعملون تحت حماية شرطة برلين، هاجموا المتظاهرين بالعصي، ثم تدخلت الشرطة إلى جانب المعتدين على المتظاهرين دون أي ضرورة حقيقية، بوحشية مخططة وفاشية، حيث حوصر المتظاهر بينو أونيسورغ (26 عاماً)، الذي كانت زوجته تنتظر مولودهما الأول، والذي كان يشارك في أول مظاهرة سياسية له، حيث قام 3 من رجال الشرطة باحتجازه بينما أطلق عليه المحقق كارل هاينز كوراس النار في مُؤخّرة رأسه مع أنَّ أونيسورغ كان أعزلاً، ولم يعتد على أحدٍ. وقد زُوّرَت سِجِلّاتِ المُسْتَشْفَى، وجرت محاولة لإخفاء جرح الرصاصة، وحُوكم كوراس ونال "البراءة".
لقد شكَّلت جريمة قتل بينو أونيسورغ الحدث المُحفّز للحركة الطلابية الألمانية وللتطرُّف الأوسع نطاقاً عام 1968، كما أظهرت أنَّ جهاز قمع الشاه لم يكن يعمل داخل إيران فحسب، بل في شوارع العواصم الغربية أيضاً، بِتَواطُؤٍ فعليٍّ من الحكومات الغربية، حيث الاستبدادية التي أقامتها الولايات المتحدة عام 1953 في إيران لم تكن مدعومةً بالأسلحة والأموال الأميركية فحسب، بل بدعمٍ تعاونيٍّ من التحالف الإمبريالي الغربي بأكمله.
وعندما اندلعت الثورة الإيرانية في عام 1979، مثَّلت إحدى أشدّ الهزائم الاستراتيجية التي مُنّيت بها الإمبريالية الأميركية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي هزيمة تُضاهي في عواقبها، وإن اختلفت في شكلها، خسارة الصين عام 1949. ففي غضون أسابيع، خسرت الولايات المتحدة أقوى حلفائها الإقليميين، ومنصتها الاستخباراتية الرئيسية المُطلَّة على الحدود الجنوبية للاتحاد السوفياتي، وأكبر زبائنها في شراء الأسلحة، وحارسها الأمين على منطقة الخليج حيث استغلَّ من خلاله رأس المال الأميركي والبريطاني ثروة النفط الإيرانية. وبتلك الهزيمة انهارت بذلك بنية القوة الأميركية في منطقة الخليج بأكملها، والتي أُسست بعنايةٍ فائقةٍ منذ عام 1946.
لقد كانت الثورة الإيرانية مدفوعةً بعقودٍ من المظالم المتراكمة ضدَّ استبداد الشاه، وجهازه السرِّي "السافاك"، والفساد المُستشري في البلاط الملكي، والاضطرابات الناجمة عن التحديث السريع غير المتكافئ، والتفاوت الخانق في مجتمعٍ أثرى فيه النفط نُخبةً صغيرةً، بينما عاش الملايين في فقرٍ مُدقعٍ، حين كانت الولايات المتحدة مُرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بالشاه في الوعي الشعبي الإيراني، على خلفية انقلاب عام 1953 الذي كان ما يزال حاضراً في الذاكرة، حيث كان أيضاً وجود عشرات الآلاف من العسكريين والشركات الأميركية في البلاد مشهداً يومياً واضحاً. وبغضّ النظر عن ديناميكياتها الداخلية، فقد نظر إلى الثورة حتماً عَلَى أَنَّها تحرَّر من الهيمنة الأميركية.
إنَّ هذه الخسارة، لا أي إجراء إيراني لاحقٍ، هي التي تُفسّر حملة العداء الأميركي لإيران التي استمرَّت 46 عاماً. فلم تقبل الولايات المتحدة قطُّ بنتيجة الثورة الإيرانية. فكل سياسة لاحقةٍ من دعم بغداد في الحرب العراقية الإيرانية، إلى الهجوم على البحرية الإيرانية، وإسقاط طائرةٍ مدنيةٍ، وعقودٍ من العقوبات، واغتيال الجنرال قاسم سليماني، وقصف المنشآت النووية، وصولاً إلى الحرب الشاملة الآن كانت جميعها مُوجَّهةً نحو هدفٍ واحدٍ هو عكس الهزيمة الاستراتيجية لعام 1979، إمّا بإعادة إيران إلى السيطرة الأميركية أو بتدمير قُدرتها على العمل كدولةٍ مُستقلَّةٍ.
لقد اعتبرت عقيدة كارتر لعام 1980، في أعقاب الثورة الإيرانية والغزو السوفياتي لأفغانستان، أنَّ أي محاولةٍ من قوةٍ خارجيةٍ للسيطرة على منطقة الخليج ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وستُصدُّ بالقوة العسكرية. ولم يتم إلغاء هذه العقيدة قطُّ. وفي العام 2002، صنَّف بوش إيران ضمن "محور الشرّ"، في وقتٍ كانت فيه طهران تتعاون بنشاطٍ مع الولايات المتحدة ضدَّ حركة طالبان. كذلك، حذَّرت استراتيجية الأمن القومي لعام 2006 من اتخاذ "جميع التدابير اللازمة" ضدَّ إيران. وفي استراتيجية 2017، صُنّفت إيران، إلى جانب كوريا الشمالية، كـ"دولةٍ مارقةٍ". أما استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، كما ذُكر سابقاً، فقد صُنَّفت إيران "عدوّاً صريحاً"، وحدَّدت طاقة الخليج كمصلحةٍ أميركيةٍ جوهريةٍ. وفي قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، الذي أُقرَّ بدعمٍ من الحزبين في الكونغرس، صُنّفت إيران كخصمٍ للولايات المتحدة.
ولطالما كانت إيران من بين 5 دول الأكثر ذكراً في جميع الوثائق الاستراتيجية منذ عام 2006. وهذا ليس نتيجةً لجهود أي رئيسٍ أو حزبٍ بعينه، ولا هو نتاج للوبي الإسرائيلي، بل هو إجماع مؤسسي لدولة الأمن القومي الأميركي، ومستمرٌّ منذ 4 عقودٍ، وهو مُتجذّر في المصالح المادية للرأسمالية الأميركية في موارد الطاقة في منطقة الخليج والهيمنة العسكرية الإقليمية.
إنَّ المصالح الجيوسياسية والاقتصادية التي تُحرّك السياسة الأميركية تُجاه إيران مخفيَّةً عن الشعب الأميركي. ففي الخطاب الإمبريالي الذي يُهيمن على وسائل الإعلام الأميركية، يتم تصوَّير إيران على أنَّها المُعتدي القاسي على أميركا البريئة. ووفقاً لهذا الخطاب، بدأ "الإرهاب" الإيراني بالاستيلاء غير المُبرّر على السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن في العام 1979. مع أنَّ السبب المباشر لأزمة الرهائن التي أدَّت إلى القطيعة بين الولايات المتحدة وإيران يستحقُّ دراسةً مُتأنّيةً، لأنَّه يكشف عن المصالح الرأسمالية التي دفعت السياسة الأميركية منذ البداية.
بعد فرار الشاه من إيران في العام 1979، رفض الرئيس كارتر في البداية السماح له بدخول الولايات المتحدة. فلقد كان كارتر يرغب في إقامة علاقاتٍ مع الحكومة الجديدة، وقد حذَّره مُوظَّفو سفارته من أنَّ السماح للشاه سيُعرض الدبلوماسيين الأميركيين في طهران للخطر، بينما حذَّر القائم بالأعمال بروس لاينغنن صراحةً من ارتفاع خطر اقتحام السفارة. وفي اجتماعٍ هامٍّ، سأل كارتر مستشاريه عمّا سينصحونه به "بعد اقتحام السفارة"، مُقرّاً بإدراكه للعواقب المحتملة.
بالطبع لم يكن الدافع الإنساني هو ما غيَّر رأي كارتر، بل حملة ضغطٍ مُتواصلةٍ نظَّمها ديفيد روكفلر، رئيس مجلس إدارة بنك "تشيس مانهاتن"، وأطلق مع فريقه على العملية اسم "مشروع النسر". وقد استعان بهنري كيسنجر، الذي ترأَّس مجلساً استشارياً للبنك، وجون جيه مكلوي، الذي أصبح لاحقاً رئيسا لمجلس إدارة "تشيس" ومُستشاراً لثمانية رؤساء لاحقين، وأرشيبالد روزفلت الابن، المدير التنفيذي في "تشيس" وهو عميل سابق في وكالة المخابرات المركزية، والذي كان ابن عمّه وراء انقلاب عام 1953، وريتشارد هيلمز المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية والسفير السابق لدى إيران. فلم يكن التداخل بين شبكة وكالة المخابرات المركزية التي نصبت الشاه عام 1953 وشبكة المصارف التي مارست الضغط لحماية استثماراتها في نظامه محض صُدفةٍ، بل كانت الشبكة نفسها.
لقد كانت مصالح روكفلر المالية مُباشرةً وكبيرةً، حيث امتلك بنك "تشيس" أصولاً إِيرانيةً تزيد قيمتها عن مليار دولارٍ آنذاك. وكانت الحكومة الإيرانية الجديدة تُطالب باستعادة هذه الأصول. وكان من شأن سحبٍ بهذا الحجم أن يُسبّب أزمة سيولةٍ لبنكٍ يُعاني أصلاً من صعوباتٍ ماليةٍ. وكان لدى روكفلر الأسباب كلها لمنع تطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية. كما تم تضليل كارتر بشأن الحالة الصحية للشاه، وقيل له إنَّ الشاه على وشك الموت، ولا يُمكن علاجه إلا في نيويورك. لكنَّ الطبيب المعالج أكَّد لاحقاً عدم صحَّة أيٍّ من الادّعاءين، ومن الممكن تقديم العلاج في أي مكانٍ آخر، بما في ذلك المكسيك، حيث كان الشاه يقيم بالفعل. وفي 21 تشرين الأول/أكتوبر 1979، سمح كارتر للشاه بالدخول إلى المستشفى الأميركي، وبعد 12 يوماً، استولى المحتجُّون الإيرانيون على السفارة.
وبعد عملية الحجز، زادت تصرُّفات بنك "تشيس" من حدَّة الأزمة. فقد رفض البنك قبول دفعة فوائد بقيمة 4 ملايين دولارٍ من إيران في موعد استحقاقها، ثم أعلن من جانبٍ واحدٍ تخلُّف الحكومة الإيرانية عن سداد القرض بالكامل دون استشارة المصارف الأخرى في المجموعة، وحجز حساباتٍ إيرانيةٍ، ولم يتم إبلاغ البيت الأبيض مُسبقاً، وسارعت لجنة التنسيق الخاصَّة إلى غرفة العمليات للتعامل مع أزمةٍ تسبّب فيها بنك خاصٌّ بمبادرةٍ منه، حيث أصبحت أزمة الرهائن السبب الرئيسي للعداء الأميركي تُجاه إيران. لكنَّ السبب المباشر لها كان قراراً مدفوعاً بمصالح رأس المال الأميركي، وتحديداً تصميم بنك "تشيس مانهاتن" ورئيسه على حماية مليارات الدولارات من الأصول المرتبطة بالشاه المخلوع.
"المعلومات الاستخباراتية الميدانية التي قدَّمتها الولايات المتحدة ساعدت صدام حسين على تحسين دقَّة هجماته الكيميائية على الجنود الإيرانيين"
وبعد عام على الثورة الإيرانية غزا العراق إيران في أيلول/سبتمبر 1980، وانحازت الولايات المتحدة إلى جانب المعتدي، حيث رأت إدارة ريغان أنَّ هزيمة العراق ستتعارض مع مصالح الولايات المتحدة في منطقة الخليج. كما حدَّد توجيه صادر عن وزارة الأمن القومي في تشرين الثاني/نوفمبر 1983 الهدف صراحةً، وهو نشر القوة العسكرية الأميركية في منطقة الخليج وحماية إمدادات النفط.
في 20 كانون الأول/ديسمبر 1983، أرسل الرئيس ريغان دونالد رامسفيلد إلى بغداد كمبعوثٍ خاصٍّ للاجتماع بصدّام حسين لمدَّة 90 دقيقةً، بينما كانت الولايات المتحدة على علمٍ سرّيٍّ بأنَّ العراق يستخدم الأسلحة الكيميائية ضدَّ الجنود الإيرانيين بشكلٍ شبه يوميٍّ. وتُشير الأدلَّة إلى أنَّ المعلومات الاستخباراتية الميدانية التي قدَّمتها الولايات المتحدة ساعدت العراق على تحسين دقَّة هجماته الكيميائية. ولم يثر رامسفيلد مسألة الأسلحة الكيميائية مع صدام، واستمرَّت العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين واشنطن وبغداد بعد ذلك 11 شهراً.
كذلك، أزالت إدارة ريغان العراق من قائمة وزارة الخارجية الأميركية للدول الراعية للإرهاب عام 1984، وهو العام نفسه الذي أدرجت فيه إيران على تلك القائمة. ووثقت لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ الأميركي لاحقاً أنَّ إدارتي ريغان وجورج بوش الأب سمحت ببيع العراق موادَّ ذات استخدامٍ مُزدوجٍ، بما في ذلك موادُّ كيميائية أولية وعوامل بيولوجية كالجمرة الخبيثة والطاعون الدبلي. كما دبَّرت الإدارة بيع طائرات مروحية من طراز بيل، ظاهرياً للاستخدام المدني، إلا أنَّ جيش صدام استخدمها لمهاجمة المدنيين الكرد بالغازات السامَّة عام 1988.
وعندما أقرَّ مجلس الشيوخ الأميركي بالإجماع عقوباتٍ شاملةً ضدَّ العراق ردّاً على استخدام الغاز ضدَّ الكرد، ألغى البيت الأبيض هذا الإجراء. ودافعت الولايات المتحدة عن استخدام صدام حسين للأسلحة الكيميائية حتى اليوم الذي غزا فيه العراق الكويت في آب/أغسطس 1990. وكما كان ينبغي أن يتوقَّع صدام حسين، فإنَّ تعاونه مع الإمبريالية الأميركية لم يحمه من الانتقام الأميركي بعد أن تجاوز حدوده مع المصالح النفطية الأميركية في الكويت. وفي نهاية المطاف، انتهت حياته على حبل مشنقة نصَّبته له الولايات المتحدة.
وفي عام 1988، أطلقت الولايات المتحدة عملية "الإرادة الجادة" لمرافقة ناقلات النفط الكويتية، بينما كانت الكويت من أبرز الداعمين الماليين للعراق عبر الخليج. وفي نيسان/أبريل من العام ذاته، أطلقت الولايات المتحدة عملية "فرس النبي"، وهي أكبر عمليةٍ بحريةٍ أميركيةٍ منذ الحرب العالمية الثانية، والتي دمَّرت جزءاً كبيراً من البحرية الإيرانية، وبعد 3 أشهرٍ، أسقطت المُدمِّرة الأميركية "يو إس إس فينسينس" طائرة الخطوط الجوية الإيرانية الرحلة 655، وهي طائرة مدنية كانت مُتَّجهةً إِلَى دُبَيَّ، مِمّا أسفر عن مقتل جميع رُكّابِها وعددهم 290 شخصاً مع أفراد طاقمها. ولم تُقدّم الولايات المتحدة اعتذاراً رسمياً قطُّ.
إلى جانب العنف العسكري، شنَّت الولايات المتحدة حرباً موازيةً للتدمير الاقتصادي استمرَّت وتراكمت منذ عام 1979، منها ما فرضته إدارة كلينتون حظراً تجارياً شاملاً في الفترة بين عامي 1995 و1996، وأصدرت عقوباتٍ ثانويةً، في أول محاولةٍ لفرض قيودٍ على السلوك التجاري للدول الأخرى. وجاء التصعيد الحاسم في الفترة بين 2010 و2012، عندما استغلَّت إدارة أوباما هيمنة الدولار لإجبار الدول على خفض وارداتها من النفط الإيراني، وإلا ستفقد الوصول إلى النظام المالي الأميركي، حيث انخفضت صادرات النفط الإيرانية من 2.2 مليون برميل يومياً إِلَى 860 ألف برميلٍ. وانكمش الاقتصاد بنسبة 6.6% في عام 2012، وانهار الريال، وبلغ التضخُّم نحو 45%.
لقد أتاح الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة"، فترة راحةٍ قصيرةٍ تمثَّلَت في نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12.5% في عام 2016. ثم انسحب ترامب من الاتفاق في عام 2018، رغم التزام إيران به، مما أدًّى إلى تراجع صادرات النفط بأكثر من 60%، وانخفض سعر الريال من 37 ألف ريال للدولار إلى أكثر من 120 ألف ريال. وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 8 آلاف دولار إلى 5 آلاف دولار بين عامي 2012 و2024. وبحلول عام 2024، كان 57% من الإيرانيين يُعانون سوء التغذية، وبلغ عددهم 7 ملايين شخص.
تُمثل هذه الحرب الآن نقطة تحوُّلٍ لا رجعة فيها. فلقد ولَّى العالم الذي كان قائماً قبل يوم 28 في الشهر الماضي، وانكشف أمام الجميع زيف "النظام الدولي القائم على القواعد". فلقد تعرَّضت أُمَّة بأكملها لقصفٍ مُكثَّفٍ من قبل أقوى جيشٍ في العالم، في عملٍ عدوانيٍّ غير مُبرّرٍ، بينما يقف "المجتمع الدولي" صامتاً أو مُتواطئاً.
وللتأمَّل في المسار التاريخي، لا بد من ذكر قصف ألمانيا النازية مدينة غيرنيكا الباسكية في نيسان/أبريل 1937، حين دوَّى صدى الرعب في أرجاء العالم. وقد رسم بيكاسو تحفته الفنّية ردّاً على ذلك. وعندما قصفت القوات الجوية الألمانية مدينة روتردام في جنوب هولندا في أيار/مايو 1940، ما أسفر عن مقتل نحو 900 شخصٍ، وأُدين ذلك باعتباره عملاً همجياً صدم الرأي العام المتحضر.
واليوم، تشنُّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" حملةً جويةً مُتواصلةً ضدَّ المدن الإيرانية، حيث أكثر من ألف مدني قُتلوا، وآلاف المباني سويت بالأرض، ومدرسة للبنات تدمَّرت بالكامل، بينما ردَّ ما يُسمَّى بالعالم الديمقراطي هو إدانة إيران لردّها على هذا القصف. فلا يتعلَّق الأمر هنا بتحذيرٍ من حربٍ عالميةٍ ثالثةٍ، كما لو كانت احتمالاً مُستقبلياً يُمكن تجنُّبه باللجوء إلى العقل أو انتخاب قادة أفضل، بل إنَّنا نشهد تصاعدها السريع. فأوكرانيا وغزة وفنزويلا وإيران ليست صراعاتٍ مُنفصلةً، بل هي جبهات في حربٍ عالميةٍ واحدةٍ تشنُّها الإمبريالية الأميركية وحلفاؤها لإعادة تنظيم العالم تحت سيطرتهم المُهيمنة، ومحو ما تبقَّى من آثار الثورات الاجتماعية والديمقراطية في القرن الماضي، وسحق أي دولةٍ أو حركةٍ تُقاوم الخضوع لإملاءات واشنطن وول ستريت بالقوة.
إِنَّ النضال ضدَّ الحرب قضيةً دوليةً، لا يُمْكن خوضها داخل الحدود الوطنية فحسب، ولا يُمكن إسنادها إلى أي حكومةٍ قائمةٍ، فمهما بلغت الاحتجاجات ضدَّ الدول الرأسمالية القائمة، فلن تُوقف نزعة الحرب، كما لم توقف المظاهرات الحاشدة عام 2003 غزو العراق، ولم يوقف السخط العالمي الإبادة الجماعية في غزة، ولن توقف الدعوات إلى "النظام القائم على القواعد" قصف إيران، ولن تُوقف التصعيد المتواصل نحو حربٍ نوويةٍ.
نقلها إلى العربية: حسين قطايا.