"VOX": هل يستطيع أحد منع ترامب من الاستيلاء على غرينلاند؟
يعارض الأوروبيون والغرينلانديون بشدة استيلاء الولايات المتحدة على أراضيهم، لكن خياراتهم لوقف ذلك محدودة.
-
"VOX": هل يستطيع أحد منع ترامب من الاستيلاء على غرينلاند؟
موقع "VOX" الأميركي ينشر مقالاً يتناول قضية غرينلاند باعتبارها اختباراً للدبلوماسية الأوروبية أمام سياسة أميركية تصاعدت فيها الرغبة في العمل العسكري وفرض النفوذ بالقوة، ويطرح تساؤلات حول قدرة أوروبا على الردع والحفاظ على التحالفات التقليدية من دون الانجرار إلى صراع مسلّح مباشر مع الولايات المتحدة.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
لم يعد أحد يستهزئ بقضية غرينلاند.
ربما كان يُنظر إلى رغبة الرئيس دونالد ترامب المتكرّرة في استيلاء الولايات المتحدة على أكبر جزيرة في العالم بوصفها مزحة، أو استفزازاً، أو مجرّد تشتيتٍ للانتباه. لكن بعد القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الأسبوع الماضي، بات واضحاً أنّ ترامب يميل أكثر فأكثر إلى العمل العسكري، وأنه أقلّ تقيّداً بالأعراف الدولية مما كان يُعتقد سابقاً.
وقال ترامب، بعد وقت قصير من عملية القبض على مادورو: "نحن بحاجة إلى غرينلاند، بكلّ تأكيد"، واصفاً إياها بأنها "محاطة بسفن روسية وصينية". وأعلن البيت الأبيض يوم الثلاثاء أنّ ترامب وكبار مستشاريه يناقشون خيارات كيفية السيطرة على هذه الجزيرة الدنماركية، وأنّ القوة العسكرية "خيار مطروح دائماً".
ورفض ستيفن ميلر، كبير مستشاري ترامب، فكرة وجود أيّ عائق يحول دون تحقيق الولايات المتحدة لطموحاتها الإمبريالية في أقصى الشمال، مصرّحاً لجايك تابر من شبكة "سي أن أن": "لن يخوض أحد حرباً عسكرية ضدّ الولايات المتحدة من أجل مستقبل غرينلاند… نحن نعيش في عالم، في الواقع يا جايك، تحكمه القوة، وتحكمه السلطة".
(في المقابل، اتخذ وزير الخارجية ماركو روبيو موقفاً أكثر تساهلاً، قائلاً إنه لا يوجد غزو وشيك، وإنّ الهدف هو شراء غرينلاند. ولم تُبدِ الدنمارك ولا غرينلاند أيّ اهتمام بالبيع).
وردّت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، على هذه التهديدات قائلة إنّ طموحات ترامب بشأن غرينلاند يجب أن تُؤخذ على محمل الجدّ، وأضافت: "إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى من دول الناتو، فسينهار كلّ شيء. سينهار المجتمع الدولي كما نعرفه، والقواعد الديمقراطية، وحلف الناتو، أقوى تحالف دفاعي في العالم، إذا اختارت دولة من دول الناتو مهاجمة دولة أخرى".
يوم الثلاثاء، أصدر قادة ست دول أوروبية، إلى جانب غرينلاند، بياناً مشتركاً أكدوا فيه أهمية السلامة الإقليمية، وأوضحوا أنّ "للدنمارك وغرينلاند وحدهما الحقّ في البتّ في المسائل المتعلّقة بهما". وتقول الحكومة الفرنسية إنها على تواصل مع شركائها لمناقشة خطط الردّ في حال نفّذ ترامب تهديداته.
كلمات قوية، لكنّ السؤال الأهم: هل تستطيع أوروبا دعم هذه المواقف عملياً؟ إذا صدّقنا نيّة ترامب في اتخاذ إجراء بشأن غرينلاند "خلال شهرين تقريباً"، فماذا يمكن للدنمارك وحلفائها الأوروبيين فعله قبل ذلك لردعه؟ وإذا نفّذ تهديداته، فما هي التكاليف التي هم مستعدون لدفعها للردّ؟
هل ستدخل الولايات المتحدة فعلاً في حرب مسلحة بسبب غرينلاند؟
لا تزال فكرة نشوب صراع عسكري فعلي بين الولايات المتحدة وأوروبا على غرينلاند تبدو مستبعدة، حتى بعد ما حدث في فنزويلا، مع أنّ الدول الأوروبية لا تستبعدها تماماً. وقد صنّف تقرير عالمي صادر عن جهاز المخابرات الدنماركي في كانون الأول/ديسمبر الولايات المتحدة، للمرة الأولى، كخطر أمني، مشيراً إلى أنّ واشنطن "تستخدم قوتها الاقتصادية، بما في ذلك التهديد بفرض تعريفات جمركية عالية، لفرض إرادتها، ولم تعد تستبعد استخدام القوة العسكرية، حتى ضدّ حلفائها". وقد أنشأت وزارة الخارجية الدنماركية "مراقبة ليليّة" لمتابعة أنشطة ترامب ومنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي أثناء نوم بقيّة البلاد.
في مطلع عام 2025، عندما اتضح جلياً أنّ ترامب لن يتخلّى عن القضية، ناقشت الحكومة الفرنسية إرسال قوات إلى غرينلاند كوسيلة ردع، إلا أنّ هذا المقترح لم يحرز أيّ تقدّم منذ ذلك الحين. ويتمثّل الإجماع الحالي بين الحكومات الأوروبية في أنّ أيّ تعزيز عسكري لمواجهة الولايات المتحدة من شأنه أن يُفاقم التوترات مع ترامب، مع أنه على الأرجح لن يكون كافياً لصد عملية أميركية (لا تزال مستبعدة) للاستيلاء على الإقليم بالقوة.
وقالت راشيل ريزو، الباحثة المتخصصة في الأمن عبر الأطلسي في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث في الهند: "على الرغم من كلّ ما تملكه أوروبا وحلف الناتو من قدرات عسكرية، تظلّ الولايات المتحدة هي الركيزة الأساسية للحلف، وأعتقد أنّ هذا هو سبب كون هذا النقاش غير مسبوق".
وقد سخر ترامب من تحرّكات الدنمارك الأخيرة لتعزيز الأمن في البلاد، قائلاً إنها لم تُضفِ سوى "زلاجة كلاب أخرى". في الواقع، أعلنت كوبنهاغن في تشرين الثاني/نوفمبر عن حزمة أمنية جديدة للقطب الشمالي بقيمة 4.26 مليارات دولار، تشمل سفينتين حربيتين إضافيتين و16 طائرة مقاتلة من طراز أف-35. ومن المفارقات أنّ هذا هو نوع الإنفاق الذي دعا إليه ترامب، الذي لطالما اتهم دول الناتو بالتقليل من شأن دفاعاتها والاستفادة من الضمانات الأمنية الأميركية، على الرغم من أنّ فكرة أنّ زيادة الإنفاق ستوفّر الأمن من الولايات المتحدة كانت تبدو غريبة للغاية حتى وقت قريب.
حتى مع تعزيز قواتها العسكرية، قد لا تكون الدنمارك وحلفاؤها ندّاً للولايات المتحدة في حرب تقليدية. ويقرّ المعلّقون الدنماركيون المطالبون بإرسال المزيد من القوات إلى غرينلاند بأنّ هذه الخطوة ستكون رمزية في معظمها. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ الدنمارك لم تكتفِ بالقتال إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان—وهو ما يُعدّ مصدر إحباط كبير الآن بعد تعرّضها لضغوط من حكومتها—بل خسرت أيضاً عدداً مماثلاً من الجنود نسبةً إلى عدد سكانها. وبغضّ النظر عن تصريحات ترامب وميلر الاستخفافية، فإنّ هذه ليست دولة تفتقر إلى الإرادة للدفاع عن نفسها.
وقالت ريزو: "أعتقد جازماً أن هناك إرادة سياسية لحماية غرينلاند".
قد يُهدّد ترامب غرينلاند بطرق أخرى
إذا كان من الصعب حتى الآن تخيّل غزو ترامب عسكرياً لدولة أوروبية حليفة في حلف الناتو، فمن الأسهل بكثير تخيّل ممارسته ضغوطاً سياسية واقتصادية لتحقيق مآربه. وقد رسم مسؤولون أوروبيون، في مقابلة نُشرت مؤخراً في مجلة ذا أتلانتيك، سيناريو يُعلن فيه ترامب غرينلاند محمية أميركية. وبذلك، يُمكنه استخدام وسائل ضغط مختلفة على الدنمارك وحكومات أوروبية أخرى لقبول سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند كأمر واقع.
وقد يشمل ذلك سلاحه الاقتصادي المفضّل، وهو فرض تعريفات جمركية، أو التهديد بسحب الولايات المتحدة من حلف الناتو—وهو سيناريو بدا محتملاً جداً خلال ولايته الأولى، لكنه قلّل من الحديث عنه مؤخّراً. وأخيراً، يُمكنه العودة إلى مصدر ضغط مألوف آخر: التهديد بوقف المساعدات الأميركية المستمرة في مجال الأسلحة والدعم الاستخباراتي لأوكرانيا.
ما الذي يمكن لأوروبا فعله لمنع هذا؟
الخيار الأول على الأرجح هو عقد صفقة مع الرئيس المعروف بنزعته النفعية. فقد بات واضحاً أنّ اهتمام ترامب بغرينلاند لا يقتصر على مجرّد ممارسة النفوذ، بل إنه يسعى بصدق لضمّ الجزيرة، إما لأنه قلق حقاً بشأن الأنشطة الصينية والروسية في القطب الشمالي، أو لأنه مهتم ببساطة بالتوسّع الإقليمي كغاية في حدّ ذاته. لكن هل يمكن للدبلوماسية البارعة تحويل هذا الهوس إلى شكل من أشكال النفوذ؟
كما تقول ليانا فيكس، الباحثة الأولى لشؤون أوروبا في مجلس العلاقات الخارجية: "هل هناك ما يمكن أن يحقّق لدونالد ترامب مكسباً من دون انتهاك سيادة الدنمارك؟"
أحد أسباب تشكيك الأوروبيين في مخاوف ترامب المعلنة بشأن الاحتياجات الأمنية للجزيرة هو أنّ الجيش الأميركي يتمتّع بالفعل بصلاحيات واسعة بموجب اتفاقيات دفاعية سابقة للعمل في الإقليم. كما أوضحت الحكومة الدنماركية أنها منفتحة على زيادة الوجود العسكري الأميركي في غرينلاند وزيادة أنشطة التعدين الأميركية، طالما بقيت أرضاً دنماركية ذات سيادة، لكن يبدو أنّ هذا لم يكن كافياً لإدارة ترامب.
من المحتمل أن يكون هناك موضوع آخر غير ذي صلة يمكن لأوروبا التوصّل إلى اتفاق بشأنه مقابل تراجع ترامب، مثل قانون الخدمات الرقمية، الذي تعارضه بشدة شركات التكنولوجيا الأميركية، وقد تعرّض لانتقادات لاذعة من نائب الرئيس جيه دي فانس، وإيلون ماسك، وغيرهما من المقرّبين من ترامب.
وتشير فيكس إلى أنّ "الأمر يتطلّب دقة متناهية، فلا ينبغي الظهور بمظهر من يحاول استرضاء ترامب"، وتضيف أنّ هذه إحدى الحالات التي "من المرجّح أن تأتي فيها الاسترضاءات بنتائج عكسية".
قد تهدّد الحكومات الأوروبية بفرض عقوبات على الشركات الأميركية أو بيع السندات الأميركية، ولكن في نهاية المطاف، كما يشير ريزو، "لا تملك أوروبا نفوذاً اقتصادياً كبيراً على الولايات المتحدة"، وهو ما ساعد ترامب بالفعل في المحادثات التجارية خلال هذه الفترة، ومن المرجّح أن يكون سبب شعوره بالجرأة على معاملة الدنمارك بهذه الطريقة.
لا أحد يرغب بهذا
قد يكون أفضل سلاح لدى الأوروبيين لمقاومة الضغوط الأميركية هو مدى عدم شعبية هذه الفكرة في جميع أنحاء المحيط الأطلسي. يُعدّ الحكم الدنماركي قضية شائكة في غرينلاند، وتدعم جميع الأحزاب السياسية في الجزيرة الاستقلال في نهاية المطاف، وإن كان ذلك وفقاً لجداول زمنية مختلفة. لكن أولريك برام غاد، الباحث البارز في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، أشار إلى أنّ نهج ترامب القائم على القوة الغاشمة قد أثار استياء سكان غرينلاند أيضاً، مما أدّى إلى زيادة التنسيق بين نوك، عاصمة غرينلاند، وكوبنهاغن. وقد رفضت حكومة غرينلاند الدخول في محادثات ثنائية مع الأميركيين من دون مشاركة دنماركية، وهي فرصة ربما كانوا سيغتنمونها في ظروف أخرى.
وتُظهر استطلاعات الرأي أنّ السيطرة الأميركية على غرينلاند لا تحظى بشعبية كبيرة هناك. وقال غاد: "لقد كان من الصعب للغاية على الإدارة الأميركية، وعلى أنصار ترامب، سرد قصص عن أيّ شخص في غرينلاند يرغب فعلاً في أن يكون أميركياً". أُلغيت زيارة السيدة الثانية أوشا فانس إلى نوك في آذار/مارس وسط تقارير عن احتجاجات مُخطّط لها، رغم أنّ الإدارة الأميركية عزت ذلك إلى مشكلات في الجدول الزمني. إنّ حقيقة أنّ أحد أشدّ مؤيّدي ترامب في غرينلاند، وهو عامل بناء الحجارة يورغن بواسن، أصبح شبه مشهور وتُجرى معه مقابلات في كلّ مقال تقريباً يتناول الموضوع، تشير إلى أنّ وجود قاعدة شعبية واسعة لضمّ الولايات المتحدة لغرينلاند أمر غير مرجّح.
إنّ غياب أيّ قاعدة شعبية محليّة سيجعل من الصعب على الولايات المتحدة تنفيذ نسخة من عملية "الرجال الخضر الصغار" التي نفّذتها روسيا في شبه جزيرة القرم عام 2014، والتي تضمّنت سيطرة القوات الروسية على المنطقة مع تصويرها على أنها انتفاضة محلية ضدّ الحكم الأوكراني. وسواء أكانوا يمثّلون الأغلبية أم لا، فقد كان هناك على الأقل قدر كبير من الدعم المحلّي للحكم الروسي في القرم. أما في غرينلاند، فالواقع مختلف.
يفضّل ترامب تحقيق انتصارات سريعة وساحقة في سياسته الخارجية، مثل اعتقال مادورو أو قصف المواقع النووية الإيرانية. وحتى لو تمكّن من السيطرة على غرينلاند، وحتى لو لم يكن مهتماً بتدمير حلف الناتو فعلياً، فما جدوى حكم الولايات المتحدة طويل الأمد لسكان معادين في منطقة تُظهر استطلاعات الرأي أنّ الأميركيّين لا يرغبون بها أصلاً؟ يُظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة YouGov هذا الأسبوع أنّ 8% فقط من الأميركيين يؤيّدون استخدام القوة للاستيلاء على غرينلاند، و28% فقط يؤيّدون شراءها.
هل انتهى عهد التحالف؟
يحدث كلّ هذا في ظلّ الحرب في أوكرانيا والجهود المستمرة للتوصّل إلى وقف إطلاق النار. ففي هذا الأسبوع، وخلال تصاعد التوترات في غرينلاند، أعلنت فرنسا والمملكة المتحدة عن خطة لضمانات أمنية مستقبلية لأوكرانيا، تتضمّن دوراً بارزاً للولايات المتحدة في مراقبة وقف إطلاق النار.
على الرغم من كلّ تصريحات ترامب النارية وتغريداته المفاجئة، فقد نجح الأوروبيون إلى حدّ كبير في الحفاظ على ولائه خلال العام الماضي فيما يتعلّق بحلف الناتو عموماً، واستمرار الدعم المادي لأوكرانيا خصوصاً. ولعلّ هذا أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الحكومات الأوروبية متردّدة في انتقاد طموحات ترامب بشأن غرينلاند بشدة.
إذاً، السؤال هو: هل ستكون الحكومات الأوروبية مستعدّة حقاً لتدمير التحالف الأمني عبر الأطلسي بسبب غرينلاند؟ الإجابة—وخاصة من الدنمارك، كما أشارت تصريحات فريدريكسن هذا الأسبوع—هي أنّ ترامب، بضمّه غرينلاند رغماً عنها، كان سيدمّر التحالف على أيّ حال.
يقول غاد، المحلّل الدنماركي: "باختصار، تدرك جميع الدول الأوروبية المهمة وتتفق على أنّ أوروبا ستحتاج إلى الاستقلال عن الولايات المتحدة على المدى البعيد. لكنّ الديناميكية الأساسية لا تزال تكمن في ضرورة تفكيك هذا التحالف تدريجياً حتى لا نقع في مشكلات كبيرة قبل انتهاء العملية".
بمعنى آخر، لا شكّ أنّ صنّاع القرار في كوبنهاغن وباريس وبرلين ولندن وغيرها يفضّلون أن تتمّ عملية تقليص اعتمادهم على الولايات المتحدة في أمنهم وفقاً لجدولهم الزمني الخاص، بدلاً من جدول يمليه ترامب، ولا سيما مع اندلاع حرب كبرى على أعتابهم، لكن ربما لم يعد لديهم هذا الخيار.
قال غاد: "لماذا قد نرغب في إبرام صفقة مع دونالد ترامب [بشأن غرينلاند] ونحن نتوقّع أنه لن يلتزم بها على أيّ حال؟". من المرجّح أن يستمرّ انعدام الثقة هذا حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية.
وأضاف غاد: "لقد انتخبتموه مرتين؛ لا يمكننا الوثوق به".
نقلته إلى العربية: بتول دياب.