"Unherd": اليمين سئم من الغباء.. فهل ينقلب الجمهوريون على ترامب؟
يشهد اليمين الأميركي تحالفاً يجمع الكثير من الاستعراض، والكثير من التراجع، والقليل من الكرامة، حيث يدين كبار الشخصيات ترامب، ثم يعودون إلى صفوفه بصورة ضعيفة في ولاء أعمى لأهواء الرئيس ونزواته.
-
"Unherd": اليمين سئم من الغباء.. فهل ينقلب الجمهوريون على ترامب؟
موقع "Unherd" البريطاني ينشر مقالاً يتناول حالة الاضطراب السياسي والانحطاط الفكري داخل الحزب الجمهوري الأميركي في ظل حقبة دونالد ترامب، مع عقد مقارنات تاريخية وسياسية لإبراز التناقضات الصارخة في التحالفات الحالية.
ويحذر المقال من أنّ السياسة القائمة على إرضاء أهواء الفرد الواحد وتجاهل الأعراف الدولية ستؤدي في النهاية إلى "انتحار سياسي" أو رفض شعبي قاطع.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
كان عام 1783 في بريطانيا أشبه بعام 2022، عاماً مضطرباً شهد تعاقب 3 رؤساء وزراء. ترأس ثانيهم، دوق بورتلاند، تحالفاً هشاً بين فصيلين كانا، حتى وقت قريب، يكنّان لبعضهما بعضاً العداء. وسرعان ما نبذ جورج الثالث تحالف "فوكس-نورث" لمصلحة حليفه، بيت الأصغر؛ وفي الانتخابات العامة التي تلت ذلك، حقق بيت الأصغر فوزاً ساحقاً. كان التناقض الصارخ في مشروع "فوكس-نورث" أحد الأسباب الرئيسة للمشكلة، فقد ندد كتاب بعنوان "مزايا فوكس ونورث وبورك وعيوبهم" بالائتلاف، ووصفه بأنه "وحشٌ من أخطر الأنواع". وللكشف عن حقيقة هذا الوحش، لم يكن على الكتاب سوى جمع بعض الإهانات التي وجهها تشارلز جيمس فوكس إلى اللورد نورث، قبل أن يتحالفا سياسياً. كان نورث "طياراً أخرق تسبب في خسارة قارة بأكملها"، وكان مذنباً "بكل أنواع الكذب والخيانة"، وهكذا استمر الأمر.
لطالما راودتني فكرة أن يقوم صحافي أميركي طموح في عصرنا بمحاولة كتابة أمر مماثل (بل إن نظيره البريطاني قادر على دحض مزاعم زهاوي وجينريك وكل من ينضم إلى التيار الإصلاحي بسهولة). وقد يلقى مثل هذا الكتاب استحسان الليبراليين المقاومين كقراءة جيدة في الحمام، تماماً كما هو الحال مع الصفحات الـ191 الفارغة من كتاب "إنجازات كامالا هاريس" الاستعراضي، والذي يمكن العثور عليه في منازل مؤيدي ترامب. ومن المؤكد أن كتاب "مزايا ترامب وفانس وروبيو وعيوبهم" سيتضمن وصف فانس لترامب بأنه "هيروين ثقافي" و"هتلر أميركا"؛ وهجمات ترامب على "ماركو الصغير"، ولا سيما بسبب تعرقه المفرط؛ ورد روبيو عليه بوصفه "محتالاً"؛ وغير ذلك الكثير. كما سيحتوي هذا الكتاب على الكثير من الاستعراض، والكثير من التراجع، والقليل من الكرامة.
بعض الاقتباسات المختارة تحمل في طياتها ميزة وعيباً إضافيين، إذ قد تكون أحياناً تنبؤية، وحتى مُثبتة. فقد قال فانس، حليق اللحية ذو الوجه الملائكي، في تشرين الأول/ أكتوبر 2016: "إن نزع الشرعية عن نتائج الانتخابات وعن وسائل الإعلام وما إلى ذلك يُقلقني كثيراً". وقد ظهر اقتباس آخر جيد مؤخراً، لأسبابٍ غير مُبشّرة. فقد حذّر تيد كروز الناخبين الأميركيين في الوقت الذي كان ترامب يصف فيه زوجته بالقبيحة: "قد نستيقظ ذات صباح، ونجد دونالد، لو كان رئيساً، قد قصف الدنمارك بقنبلة نووية".
يحدث ذلك في دورات متكررة؛ إذ يدين كبار الشخصيات الجمهورية ترامب، لسبب وجيه، ثم يعودون إلى صفوفه بصورة ضعيفة، فيستمر التحالف في التخبط. وقد كان عام 2016 عاماً صاخباً، وبلغ ذروته مع الضجة التي أثيرت حول شريط "أكسس هوليوود"، عندما قرر الكثير من كبار الجمهوريين الاستسلام وعدم المشاركة في الانتخابات؛ فكان الأمر سهلاً آنذاك، عندما بدا أنه لا يملك أي فرصة للفوز. وبعد انتهاء ولاية ترامب الرئاسية، شهد السادس من كانون الثاني/ يناير تكراراً للمشهد نفسه، ولكن بصورة مصغرة، مع اليقين بأن ترامب قد انتهى أمره نهائياً. وكان بالإمكان جمع قائمة بأجمل وأبشع ما حدث في ذلك اليوم وحده. وغرّد روبيو، الذي يُفترض أنه كان يرتجف خوفاً في أحد المخابئ تحت الأرض: "لا يوجد أي شيء وطني في ما يحدث في مبنى الكابيتول؛ إنها فوضى معادية لأميركا على طريقة دول العالم الثالث"، وها هو اليوم ينتمي إلى إدارةٍ كان أول ما قامت به هو إصدار عفو غير مشروط عن هؤلاء الفوضويين المعادين لأميركا من دول العالم الثالث. ويتمثل موقف الإدارة، الذي تم الترويج له عبر قنواتها الرسمية، في أن انتخابات عام 2020 سُرقت، وأن مايك بنس كان خائناً، وأن من نهبوا مبنى الكابيتول كانوا على حق.
واليوم، يسعى بعض الجمهوريين إلى ضم غرينلاند بالكامل. فقد قدّم راندي فاين، وهو رجل من فلوريدا يُلقّب نفسه بـ"المطرقة العبرية" وقد نال استهجاناً واسعاً من قبل الجمهوريين بسبب ذلك، مشروع قانون بهذا الشأن. في المقابل، بذل آخرون قصارى جهدهم للحفاظ على اتزانهم وعقلانيتهم. ويقول السيناتور توم تيليس من ولاية كارولاينا الشمالية، الذي أوضح عدم سعيه للترشح للانتخابات في وقت لاحق من هذا العام: "لقد سئمت من الغباء". فقد يكون "الغباء"، في صورة الولاء الأعمى لأهواء الرئيس ونزواته، عاملاً حاسماً في كسب الأصوات، لا سيما في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، لكن حتى تيليس نفسه لا يستطيع أن ينتقد ترامب شخصياً، مفضلاً فعل ما دأب عليه المتملقون، وهو إلقاء اللوم على المستشارين.
قد يتحرك مجلسَا النواب والشيوخ لمنع ترامب من الاستيلاء على غرينلاند بالقوة، بل إن بعض الجمهوريين في الكونغرس ذهبوا إلى حد تحذيره من أن ذلك سيعني نهاية رئاسته. ويلخص النائب دون بيكون من نبراسكا الأمر قائلاً: "هذا أمرٌ مروع. غرينلاند حليفٌ في الناتو والدنمارك من أفضل أصدقائنا... إن الطريقة التي نعاملهم بها مهينة للغاية، ولا تنطوي على أي جانب إيجابي".
إنّ مجرد الحديث عن غزو غرينلاند - سواء تم تنفيذه أم لا - كفيل بإثارة قلق حلفاء الولايات المتحدة، وتقويض مصداقيتها إلى الأبد، وتقويض عقود من الدبلوماسية والاستراتيجية. ولا يقل استياء مؤيدي ترامب السابقين في بريطانيا والقارة الأوروبية - بمن فيهم نايجل فاراج - من كل ما يحدث. ومع ذلك، فإنّ الترحيب بهذا الأمر في بعض أوساط اليمين الأميركي، سواء على سبيل المزاح أو بجدية، يُعدّ دليلاً قاطعاً على انحطاطه الفكري، بل يبدو أنّ هذا الانحطاط يكمن في صميم مشروع حركة "ماغا"؛ إذ يبدو أن ستيفن ميلر، الذي لطالما حظي بإشادة حتى من مُعجبي ترامب الأوروبيين باعتباره العقل المدبر لسياسة الهجرة القوية للإدارة، المُهندس الرئيس وراء هذا التحوّل العدائي والمدمر للذات في سياسة ترامب الخارجية.
ويبدو أنّ الشعار الرائج على الإنترنت "بإمكانك فعل الأشياء ببساطة" قد تحول إلى رخصة لفعل أشياء وصفها النائب بيكون بأنها "غبية". وهناك الكثير من الأشياء التي يستطيع الرئيس الأميركي، بكل قوته الهائلة، "فعلها ببساطة"، إذ يمكنه التهديد بإرسال الزوارق الحربية إلى غرينلاند وإعادة الحصبة وحرمان حزب المحافظين الكندي من تحقيق النصر والاستمرار في التظاهر بأن انتخابات 2020 سُرقت، وربما جائزة نوبل للسلام لعام 2025 أيضاً. كل هذه الأمور ممكنة، لكنها أمور تتصف بالغباء.
إضافة إلى ذلك، زادت منصة "إكس" التي أطلقها إيلون ماسك من مستوى الغباء. ويبدو اليوم أنّ الإدارة بأكملها مبنية على أساس من السخرية والنكات. ولا يستطيع ترامب الإفلات من شهية جيل طفرة المواليد النهم لمحتوى الذكاء الاصطناعي السخيف؛ ولذلك، ينشر مقاطع فيديو تُظهره وهو يُلقي بالفضلات على متظاهري "لا ملوك" من طائرة مقاتلة. ويبدو أن المتشددين من جيل الألفية، المكلفين بإدارة حساب وزارة الأمن الداخلي على "تويتر"، أكثر مهارةً في هذا المجال. وستجد هناك سيلاً من مقاطع الفيديو التي تُجسد الجانب الأكثر تطرفاً من الفكاهة الساخرة على الإنترنت.
وهذا غباءٌ أيضاً، لأنه غير مقبول. ومرة جديدة، تقع جزئياً مسؤولية ديناميكيات "إكس"، التي تكافئ الولاء لترامب وإيلون ماسك، وتشجع على ظهور شعارات وأفكار ونكات أكثر تطرفاً وجاذبية. فبعد مقتل رينيه غود في مينيابوليس، انخرطت إدارة ترامب بكل قوتها في جولة ثانية من حرب الثقافة على خلفية مقتل جورج فلويد، وكلفت جيه دي فانس بالدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه. ويعتقد 28% فقط من الأميركيين أن إطلاق النار عليها كان مبرراً؛ في حين يعتقد 53% أنّ ضابط إدارة الهجرة والجمارك يجب أن يواجه اتهامات جنائية. في غضون ذلك، لا تحظى مخططات ترامب بشأن غرينلاند بتأييد شعبي يُذكر. فقد نشر حساب البيت الأبيض الرسمي تغريدةً يظهر فيها الرئيس وهو ينظر من نافذة البيت الأبيض إلى صورة لغرينلاند، وكتب عليها: "انقر لمتابعة الوضع"، وحصدت التغريدة 16 مليون مشاهدة و31 ألف إعجاب. في المقابل، يرى 4% فقط من المشاركين في الاستطلاع أن الاستيلاء على غرينلاند بالقوة فكرة صائبة للولايات المتحدة. وعلى المستوى الشخصي، أصبح ترامب مكروهاً للغاية؛ وليس من المنطقي سياسياً، على سبيل المثال لا الحصر، التصريح، بعد مقتل مخرج سينمائي محبوب، بأن ذلك كان نتيجة "الغضب الذي أثاره في الآخرين من خلال معاناته الشديدة والمستعصية من مرض عقلي يُعرف باسم متلازمة اضطراب ترامب". في الواقع، لم يكن هناك شيء أفضل من ذلك لتبرير وجهة نظر روب راينر، التي عبر عنها عام 2017، بأن ترامب كان "غير مؤهل عقلياً" لتولي منصبه.
الرئيس يملك تفويضاً. ولم تكن الانتخابات مجرد توبيخ لهاريس (على الرغم من افتقارها إلى الإنجازات) وبايدن (على الرغم من تقدمه في السن)؛ كما لم تكن مجرد تحول في الرأي العام ضد شاغلي المناصب بعد الجائحة، أو نتيجة حتمية لعامل اقتصادي (بحلول وقت الانتخابات، كان التضخم قد انخفض والاقتصاد قوياً). بل كانت هناك صراعات ثقافية، انحاز فيها الديمقراطيون في أغلب الأحيان إلى الجانب الخاطئ. لقد كان واضحاً وجود رغبة كبيرة في تأمين الحدود وتشديد إجراءات الهجرة، حتى لو وصل الأمر إلى حدّ إعدام الأمهات في منتصف العمر في الشوارع؛ كما كان واضحاً وجود رغبة في إعادة أميركا إلى قوتها، حتى لو وصل الأمر إلى حد ترهيب الدول الصديقة بالرسوم الجمركية أو ما هو أسوأ، ولكن، منذ الحصول على هذا التفويض، تبنّى جزء كبير من اليمين الأميركي مواقف لا يمكن الدفاع عنها وغير مقبولة بقدر ما هي غبية.
لقد مرّ عامٌ على عودة شعار "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"؛ و3 أعوام أخرى على الأقل متبقية. ويبدو أن هناك بعض بوادر العقلانية، حتى داخل الحزب الجمهوري؛ وبالنسبة إلى اليمين في أوروبا، يُخيّل للمرء أن قضية غرينلاند كانت جرس إنذار.
ومع ذلك، لا يكفي مجرد الهمس لإيقاظ الناس من غفلتهم. وسيتعيّن على كبار الجمهوريين أن يتذكروا "المزايا والعيوب" التي ذكروا بها ترامب سابقاً، وأن يأخذوا في الاعتبار أنها قد لا تزال صحيحة. وسيضطر هذا التحالف إلى التفكك؛ وإلا، كما حدث مع تحالف "فوكس-نورث"، سيواجه الانهيار تحت وطأة تناقضاته، أو التهميش، أو، إذا لزم الأمر، سيواجه رفضاً قاطعاً من الناخبين. وسيتعين على أصحاب السلطة أن "يسأموا من الغباء": وهذه المرة، عليهم أن يكونوا جادين في ذلك.
نقلته إلى العربية: زينب منعم.