"The Conversation": "الجمهورية الجديدة" في البرازيل ماتت.. ماذا بعدها؟
انتهى عهد الجمهورية الجديدة، والسؤال المطروح أمام البرازيل هو: ما الذي سيحل محلها؟
-
صحف تتناول نتائج الانتخابات الرئاسية البرازيلية في كشك لبيع الصحف بمدينة ريو دي جانيرو، البرازيل، في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
موقع "The Conversation" الأميركي ينشر مقالاً يتناول نهاية ما يُسمّى "الجمهورية الجديدة" في البرازيل، والتحوّل العميق في النظام السياسي، في ظل تراجع الرئيس الحالي والمرشح للانتخابات لولا دا سيلفا، وصعود منافسه فلافيو بولسونارو.
ويركّز المقال على أنّ المشروع الديمقراطي الذي نشأ بعد انتهاء الحكم العسكري، والقائم على التعددية والتوافق السياسي والاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بدأ يفقد قدرته على الاستمرار منذ سنوات. ويخلص إلى أنّ مرحلة "الجمهورية الجديدة" انتهت عملياً، فيما لا يزال شكل النظام السياسي الذي سيحل محلها غير واضح.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
في يوم الأحد الـ4 من تشرين الأول/أكتوبر 2026، لم يكتفِ البرازيليون بالتصويت ضد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بل دفنوا مشروعاً سياسياً كان على وشك الانهيار منذ ما يقرب من عقد.
هذا المشروع هو "الجمهورية الجديدة". وقد وُلدت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي من رماد دكتاتورية عسكرية دامت 21 عاماً، وتكرّست في دستور البلاد لعام 1988. ولجيل كامل، أطلق عليها البرازيليون اسم "الميثاق الديمقراطي"، واستندت إلى ثلاثة التزامات.
كان الالتزام الأول اجتماعياً. فقد تبنّت الجمهورية الجديدة التعددية، وجعلت تنوّع البرازيل جزءاً من هويتها الوطنية بدلاً من اعتباره مشكلة يجب إدارتها.
أما الثاني فكان مؤسسياً. ففي نظام متعدد الأحزاب ومتشرذم، لا يحكم أحد بمفرده، ولذلك كان التوافق محرّك السياسة. وقد نشأ هذا التوافق من انتخابات حرة ونزيهة، ومن تحالفات سمحت للحكومات الفيدرالية وحكومات الولايات والحكومات المحلية بتنفيذ أجندة مشتركة، إلى جانب توازن عملي بين الرئيس والكونغرس والمحكمة العليا.
أما الثالث فكان يتعلق بالسياسة: الحفاظ على استقرار الاقتصاد، واستخدام البرامج الاجتماعية للحد من أحد أشد أوجه عدم المساواة في العالم، وتوسيع المشاركة الشعبية في السياسة.
وعلى مدى نحو 30 عاماً، صمد هذا الاتفاق بشكل جيد. وكانت نتائجه متفاوتة، لكنها حقيقية: جرى كبح جماح التضخم المفرط، وانتُشل عشرات الملايين من البرازيليين من الفقر، وانتقلت السلطة سلمياً، على الأقل، بين الحزبين الرئيسيين في تلك الحقبة، وهما حزب العمال (Partido dos Trabalhadores, PT) والحزب الاشتراكي الديمقراطي البرازيلي (Partido da Social Democracia Brasileira, PSDB).
الهجوم الأول
يزعم كثيرون من اليسار أنّ الجمهورية الجديدة بدأت بالانهيار مع عزل الرئيسة اليسارية السابقة ديلما روسيف عام 2016. ويُزعم أنّ إقالتها كانت مدبّرة للحفاظ على الهياكل النخبوية والفاسدة التي لم يُصلحها الاتفاق الجديد.
لكن فوز الرئيس السابق جايير بولسونارو في انتخابات عام 2018 مثّل هجوماً مباشراً على جميع التزامات البرازيل الديمقراطية. وقدّم السياسي المسجون حالياً نفسه بوصفه غريباً عن النظام، رغم قضائه 28 عاماً في الكونغرس البرازيلي، ووضع القومية المسيحية في صدارة أجندته بدلاً من التعددية.
وأعاد بولسونارو صياغة نظام بناء التوافق بوصفه فساداً نخبوياً، وأصبحت سياسات الائتلاف التي حافظت على استقرار البرازيل، بحسب روايته، مصدر فسادها. ووعد بإصلاح الاقتصاد من خلال إبعاد الدولة عن طريق الشركات والأفراد، كل ذلك باسم الحرية.
لكن بولسونارو لم يحقق الكثير. فبمجرد وصوله إلى السلطة، اكتشف أنه مضطر إلى الحكم ضمن إطار الاتفاق الذي عارضه خلال حملته الانتخابية. وكان عليه التفاوض مع الكونغرس، والامتثال لأوامر المحاكم، والإقرار بأن لكل حاكم نفوذه الخاص.
وتفسّر هذه القيود جزئياً شعور كثير من ناخبيه بخيبة الأمل، كما تفسّر أيضاً سبب لجوئه إلى التخطيط لانقلاب للبقاء في السلطة بعد خسارته أمام لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في انتخابات عام 2022. فالقائد الذي لا يستطيع تجاوز القواعد قد يعتقد أنه مضطر إلى خرقها.
الترميم الذي لم يكن
بعدما حكم لولا البرازيل لولايتين بين عامي 2003 و2010، عاد إلى السلطة عام 2023 واعداً بإنقاذ الديمقراطية البرازيلية. لكن ولايته الثالثة أصبحت الدليل الأوضح على استحالة إنقاذ الجمهورية الجديدة.
فقد اختفى التوازن المؤسسي الذي كان يدعم النظام. والكونغرس، الذي يسيطر الآن على جزء كبير من الميزانية الفيدرالية من خلال المخصصات، جعل الرئاسة رهينة، بينما ملأت المحكمة العليا الفراغ بشكل متزايد من خلال التشريع من منصة القضاء.
وتعثرت محاولات لولا لدفع برنامجه قدُماً مراراً وتكراراً. وكان سجلّه الاقتصادي محترماً، لكنه لم يكن تحويلياً: نمو معقول ومعدل بطالة منخفض لم يترجَما إلى تحسن ملموس في حياة معظم الناس.
ولم تُعالَج قضية الأمن العام، التي تُعدّ باستمرار من أبرز اهتمامات الناخبين، بشكل كافٍ. وللإنصاف، ففي ظل نظام تقسيم السلطات في البرازيل، تقع معظم مهام الشرطة على عاتق الولايات، ولا تستطيع الحكومة الفيدرالية القيام إلا بقدر محدود.
لكن الناخبين، عموماً، لا يهتمون بحرفية الدستور أو روحه. إنهم يريدون نتائج.
ثم يأتي لولا نفسه. ففي سن الثمانين، وبعد أربعة عقود في الحياة العامة، أصبح الوجه الأكثر شهرة للجمهورية الجديدة. وهذا ما جعله هدفاً سهلاً. فقد حوّل كثير من البرازيليين إحباطهم من النظام السياسي إلى إحباط من لولا، بل تحوّل الأمر لدى بعضهم إلى كراهية صريحة.
أغنية البجعة
إذا تأكدت هزيمة لولا في جولة الإعادة المقرر إجراؤها في الـ25 من تشرين الأول/أكتوبر، وكانت احتمالات تغيير نتائج الجولة الأولى ضئيلة، فسيكون الأمر أكثر من مجرد خسارة شخصية أو نكسة لحزب العمال، الذي حكم البرازيل لما يقرب من 18 عاماً من أصل الأعوام الـ24 الماضية.
وسيكون ذلك بمثابة خاتمة لمشروع سياسي وعد ببناء دولة جديدة من أنقاض الاستبداد، لكنه لم يستطع تحقيق وعوده بالكامل: الاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية. فالإحباط الذي حسم هذه الانتخابات هو إحباط من ذلك الوعد الذي لم يتحقق.
ولا يعني أي من هذا أن البرازيليين الـ56 مليوناً الذين صوّتوا لفلافيو بولسونارو، أحد أبناء الرئيس السابق جايير بولسونارو، يرفضون الديمقراطية. بعضهم يفعل ذلك. وهم يشعرون بالحنين إلى ماضٍ متخيَّل إلى حد كبير، حين كانت الطبقة الوسطى أقوى، وإن كانت أصغر بكثير، وحين سادت قيم الأسرة المسيحية، وكان فرض النظام أهم من سيادة القانون.
لكن الدرس الأهم من الرابع من تشرين الأول/أكتوبر مختلف. فملايين البرازيليين يريدون نوعاً مختلفاً من الديمقراطية: أقل تعددية، ومبنياً على مفهوم مختلف لماهيّة الديمقراطية. والأهم من ذلك أنهم لم يعودوا يعتقدون أن الجمهورية الجديدة قادرة على مواجهة تحديات العالم الذي يعيشون فيه.
القديم يحتضر
لاحظ الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937)، في مقولة شهيرة، أن الأزمة تأتي عندما "يموت القديم ولا يمكن أن يولد الجديد". وتقف البرازيل الآن عند مفترق الطرق هذا.
وعلى خلاف والده، سيتولى فلافيو بولسونارو منصبه في ظل تحالف نادر للقوى السياسية. وتشير نتائج انتخابات الأحد إلى أن حلفاءه سيحتفظون بما يقارب ربع مقاعد كل من مجلس النواب، وهو المجلس الأدنى في الكونغرس البرازيلي، ومجلس الشيوخ، ما يمنحه قاعدة متينة في كونغرس تُبنى فيه التحالفات على أساس مؤقت لا دائم. كما سيتمكن من تعيين أربعة من قضاة المحكمة العليا الأحد عشر خلال فترة ولايته.
أمضى جايير بولسونارو أربع سنوات في محاربة المؤسسات، وقد يتمكن ابنه من إعادة تشكيلها.
لكن هذا لا يجعل فلافيو هو الشيء الجديد الذي كان غرامشي ينتظره. فهو بالتأكيد ليس كذلك. إنه سياسي محترف متهم بالعديد من قضايا الفساد، ووريث علامة تجارية عائلية، ويمثل استمراراً لردة الفعل العنيفة التي شهدها العقد الماضي أكثر مما يمثل قطيعة معها.
علاوة على ذلك، ونظراً إلى رغبة فلافيو في أن يصبح الحليف المفضّل لدونالد ترامب في أميركا الجنوبية، فقد تقدّم البرازيل تنازلات كبيرة للولايات المتحدة في المستقبل، متخلّيةً عن بعض ثرواتها، كالنفط والمعادن النادرة، لتضمن لنفسها مكانة مميزة في النظام العالمي الجديد.
لكن يبقى التساؤل قائماً بشأن ماهيّة هذه المكانة، وتشير الأحداث الأخيرة في المنطقة إلى أنها ليست مكانة مرموقة.
وعلى أي حال، يغيّر فوز فلافيو بولسونارو المشهد السياسي في البرازيل رأساً على عقب. فلم يعد بإمكان البرازيليين الذين يختلفون مع برنامجه، سواء كانوا من اليسار أم من الوسط أم من اليمين الديمقراطي، الاعتماد على التحالف القديم لحمايتهم أو لإعادتهم إلى السلطة.
وسيتعين عليهم تعلّم كيفية التعامل مع هذه اللعبة الجديدة، محلياً ودولياً، إذا أرادوا العودة إلى السلطة قريباً.
انتهى عهد الجمهورية الجديدة. والسؤال المطروح أمام البرازيل، وأمام كل من تابعها بوصفها مؤشراً على الديمقراطية في الجنوب العالمي، هو: ما الذي سيحلّ محلّها؟ وهل ستقود القواعد الجديدة البرازيل أخيراً إلى المستقبل؟
وإذا كان البرازيليون لا يريدون أن يكون هذا المستقبل شبيهاً بماضٍ مظلم وبعيد، فعليهم أن يدركوا أن النضال لم ينتهِ بعد.
نقله إلى العربية: الميادين نت.