"Responsible Statecraft": هل تنفجر جهود ترامب بوجهه لدعمه بولسونارو؟
التدخل الأميركي في الانتخابات البرازيلية قد يساعد الرئيس لولا دا سيلفا على الفوز.
-
يلوّح الرئيس البرازيلي والمرشح الرئاسي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بالعلم الوطني خلال جولة انتخابية في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل (أ ف ب)
مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يتناول الانتخابات البرازيلية من زاوية تأثير واشنطن وترامب في السباق بين لولا وفلافيو بولسونارو، وما إذا كان التدخل والضغط الأميركيان سيساعدان بولسونارو أم يرتدّان لمصلحة لولا.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
يتّجه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع يوم غد للمشاركة بالانتخابات، التي ستقرر ما إذا كان الرئيس اليساري الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا سيفوز بفترة رابعة تاريخية. منافس لولا هو فلافيو بولسونارو، الذي وصف نفسه بأنه نسخة أكثر اعتدالاً من والده الرئيس السابق جايير بولسونارو، المتطرف اليميني الذي يقضي حكماً بالسجن لمدة 27 عاماً بسبب محاولة القيام بانقلاب في البلاد.
تحتدم المنافسة الانتخابية المتقاربة بقضايا الاقتصاد والجريمة والفساد، بعدما كشف تحقيق مع مصرفي بارز مسجون أنه موّل فيلماً تمجيدياً جديداً عن سيرة حياة بولسونارو الأب بطلب من فلافيو الابن.
إذا لم يحصل أي من المرشحين على أكثر من 50% من الأصوات وهو أمر مرجّح، ستُجرى جولة إعادة في الـ25 من الشهر الجاري. ووفقاً لاستطلاع مؤسسة "أطلس إنتل بلومبرغ" الذي نُشر مؤخراً، سيحصل بولسونارو على 47.7% من الأصوات في جولة إعادة محتملة، مقابل 47.6% للرئيس لولا دا سيلفا.
يبرز الآن سؤال كبير عمّا ستفعله الولايات المتحدة، فعلى الرغم من أن ترامب لم يؤيّده رسمياً، إلا أن بولسونارو بلا جدال هو المرشح المفضل لواشنطن. وكان قد سبق لإدارة ترامب أن تصادمت مع حكومة لولا دا سيلفا حول التجارة وكوبا وفنزويلا، بينما لم تخفِ الولايات المتحدة رغبتها في الوصول إلى معادن الأرض النادرة في البرازيل.
كذلك، لدونالد ترامب علاقة شخصية بعائلة بولسونارو، التي، بناءً على طلبها في الغالب، بدأت الولايات المتحدة حملة ضغط لإضعاف حكومة لولا دا سيلفا، ما أثار مخاوف من مزيد من التدخل.
حملة الضغط التي تفرضها واشنطن
بدأ تدخل ترامب في السياسة البرازيلية بجدية في الصيف الماضي، حين أقنعه إدواردو بولسونارو شقيق المرشح فلافيو، بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات البرازيل، وإلى فرض عقوبات على قاضٍ في المحكمة العليا البرازيلية في محاولة لإقناع السلطات البرازيلية بإسقاط محاكمة والده، التي وصفها ترامب بأنها "مطاردة ساحرات"، بينما المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أشارت إلى أن الولايات المتحدة قد تستخدم "القوة العسكرية" ضد البرازيل بسبب محاكمة بولسونارو.
مع ذلك تراجعت واشنطن عن تلك العقوبات والرسوم الجمركية لاحقاً، رغم أنها عادت وفرضت في تموز/ يوليو الماضي رسوماً جمركية جديدة بنسبة 37.5% على الواردات البرازيلية بزعم ممارسات تجارية غير عادلة، وأشارت إلى نظام "بيكس"، وهو نظام تحويل مدفوعات شهير أثار غضب شركات بطاقات الائتمان الأميركية مثل "فيزا" و"ماستركارد"، بسبب خسارتها رسوم المعاملات.
وفي أيار، مايو الماضي، صنّفت وزارة الخارجية أيضاً مجموعتين إجراميتين برازيليتين هما "كوماندا فيرميلها" و"بريميرو كوماندو دا كابيتال" من ضمن المنظمات الإرهابية التي تتاجر بالمخدرات" في المنطقة. وكان فلافيو بولسونارو بنفسه قد زار المكتب البيضاوي لإقناع ترامب بتصنيف المنظمتين المذكورتين ضمن المنظمات الإرهابية، حيث قال ترامب لمساعديه في حينه: "علينا أن نساعد هؤلاء الأشخاص ويقصد بولسونارو.
ولقد أثارت هذه الخطوة قلق العديد من المراقبين، لأن ترامب استشهد كثيراً بتهديد "الإرهاب البحري" لتبرير حملة من الضربات الجوية القاتلة على زوارق تهريب مخدرات مزعومة واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
يقول الأستاذ الفخري للدراسات البرتغالية والبرازيلية في جامعة براون، جيمس غرين: "إن هذه التحركات الأميركية قوبلت بقلق في البرازيل، لأنها أشارت إلى أن تهديدات ترامب لم تكن مجرد تفاخر. كما لم ترغب البرازيل في أن تفرض الولايات المتحدة على هذه المنظمات الإجرامية، لأنها فتحت الباب أمام العديد من الطرق التي يمكن لإدارة ترامب من خلالها التدخل في السياسة الداخلية البرازيلية. ورغم أنهم لم يقولوا صراحة أن فلافيو بولسونارو هو مرشحهم، إلا أنهم أرسلوا كل هذه الإشارات إلى أن هذا هو الشخص الذي تريده الولايات المتحدة أن تراه منتخباً".
كذلك، يوضح الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية غونتر رودزيت ويقول: رغم أن كل هذه الإجراءات ليست مرتبطة صراحة بخطة لتعزيز ترشيح بولسونارو، إلا أن النمط التراكمي هو "محاولة لتشكيل البيئة السياسية التي تجري فيها الانتخابات البرازيلية.
في حال فاز لولا، سيكون السؤال ما إذا كانت واشنطن ستعترف بالنتيجة. ففي مؤتمر صحافي خارج وزارة الخارجية في الشهر الماضي قال إدواردو بولسونارو إن الولايات المتحدة "قد ترفض تماما الاعتراف بالانتخابات البرازيلية".
وإذا اتبعت الولايات المتحدة هذا النهج، فقد يحظى ترامب بدعم حلفاء جدد في المنطقة، وتشهد الأحزاب اليمينية انتعاشاً في أميركا اللاتينية، وهي بالفعل حققت تقدماً في الأرجنتين وتشيلي والإكوادور وبيرو وبوليفيا. كما كان ترامب قد أيّد علناً مرشحين في كولومبيا وهندوراس فازوا في انتخاباتهم، وقال في الشهر الماضي: "لدينا العديد من الناس، في الأرجنتين وغيرها، والكثير منهم انُتخبوا".
مع ذلك، كان رد البرازيل سريعاً. فلقد أرسل جهاز الاستخبارات البرازيلية "أبين" تقريراً إلى وكالات حكومية رئيسية في آب/ أغسطس الماضي، وأطلق إنذاراً عن احتمال تدخل الولايات المتحدة في الانتخابات. كما رفض المسؤولون البرازيليون طلبات تأشيرة لمسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية، مدّعِين أن هدف زيارتهم كان تشويه سمعة نظام الانتخابات البرازيلي.
ولقد اتخذت الولايات المتحدة إجراءات أخرى للضغط على حكومة الرئيس لولا. ففي تموز/ يوليو الماضي، اتخذت القنصلية الأميركية في ساو باولو خطوة غير معتادة بدعوة المؤثرين المحافظين في وسائل التواصل الاجتماعي لمناقشة "حرية التعبير والبيئة الرقمية. كذلك، ذكرت صحيفة "الغارديان" منذ أيام قليلة أن وزارة الخارجية الأميركية لديها أيضاً خطط لمنح مليون دولار لمجموعات في البرازيل تعارض "تجاوز القضاء والرقابة من قبل المحكمة العليا البرازيلية"، في إشارة إلى معاقبة واشنطن القاضي البرازيلي ألكسندر دي مورايش.
كما طلب "حزب العمال" بقيادة الرئيس لولا من المحكمة العليا التحقيق في احتمال تدخل "حملة روكبريدغ"، وهي مجموعة سياسية سرية مدعومة من مستثمرين من وادي السيليكون مثل بيتر ثيل. وكان قد قدم أشخاص مقربون من بولسونارو خططاً للحصول على وعود استثمارية من "روكبريدغ"، وحتى إلى تشكيل "مجلس تكنولوجيا" مكوّن من أشخاص مثل شيام شانكار من "بالانتير" وجو لونزديل، لتقديم المشورة للمرشح بولسونارو.
هل ستنقلب خطة ترامب إلى نتائج عكسية؟
ليس من الواضح إن كانت حملة الضغط الأميركية ستساعد بولسونارو، إذ يرى العديد من البرازيليين أن الهجمات انتهاك للسيادة الوطنية والاستقلال الاقتصادي، وهي قضايا دافع عنها الرئيس لولا منذ أيامه كزعيم نقابي في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم. وبعد أن فرضت إدارة ترامب تعرفات جمركية على البرازيل في تموز/ يوليو الماضي، قفزت معدلات المؤيدين لإدارة الرئيس لولا من 47% في الشهر السابق، إلى أكثر من 50%.
تقول أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة الفيدرالية في سانتا كاتارينا، كاميلا فيكس: إن "الإجراءات الأميركية تجاه البرازيل، ولا سيما الرسوم الجمركية، والاهتمام باحتياطيات معادن الأرض النادرة، والانتقادات الموجهة لنظام المدفوعات بيكس، كلها عوامل عزّزت الروح القومية في البرازيل".
حتى أن لولا جعل تكتيكات واشنطن محور حملته الانتخابية. وفي إعلان جديد للحملة الانتخابية للرئيس لولا، يقول "فلافيو بولسونارو هو مرشح ترامب وما يريده ترامب هو استعمار البرازيل، وأخذ ثرواتنا، وسرقة مستقبلنا، وتركنا خلف الغبار". وفي مقابلة هذا الأسبوع، قال لولا: "قلت لترامب،'لا تتدخل في الانتخابات البرازيلية لأنك ستخسر".
يشير غونتر رودزيت من "المركز الأوروبي لسياسات الإدارة العامة"، إلى أن فلافيو بولسونارو اضطر حتى إلى المطالبة بتعليق الرسوم الجمركية الأميركية خشية ردود فعل قومية عنيفة. وقال رودزيت: "كلما ازداد ارتباط الضغط الخارجي بعائلة بولسونارو، سهُل على لولا أن يُقدم نفسه، ليس فقط كرئيس يدافع عن إدارته، بل كرئيس يدافع عن الاستقلال الوطني".
وأضاف رودزيت أنه بينما يمكن أن يساعد الضغط الاقتصادي لولا على المدى القصير من خلال خلق مقاومة قومية، فإن التكاليف الاقتصادية قد تضعف فرصه في صناديق الاقتراع في نهاية المطاف. فالكثير "يعتمد على من سيقع لوم الناخبين البرازيليين على ارتفاع التكاليف بين واشنطن، وعائلة بولسونارو، وحكومة لولا، أو مزيج منها ربما".
حتى لو فاز بولسونارو، قد يجد ترامب حليفاً مقيّداً بمصالح وطنية متنافسة وضغوط سياسية داخلية. وكان قد جادل الزملاء غير المقيمين في معهد كوينسي مثل أندريه باغلياريني وفيليسيانو دي ساغيماراس في مذكرة سياسية حديثة، بأن هناك سبباً للاعتقاد بأن رئاسة بولسونارو قد لا تكون خاضعة لمطالب الولايات المتحدة كما يرغب ترامب، خصوصاً فيما يتعلق بالصين.
وجاء في المذكرة أيضاً: إن "أي حكومة برازيلية تميل بوضوح نحو الولايات المتحدة ستواجه قيودها الخاصة"، وقد اكتشف والد فلافيو بولسونارو ذلك خلال رئاسته، عندما تحوّل موقفه العدائي في البداية تجاه بكين إلى المطالب العملية لحكم بلد لا يمكن ببساطة إخضاع علاقته الاقتصادية مع الصين للمواقف الأيديولوجية.
بغضّ النظر عن الفائز، من المتوقع أن تكون الفوارق ضئيلة، ما يؤدي إلى ظروف للتنازع على نتائج الانتخابات.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.