"ذا أتلانتيك": ما الذي يفعله ترامب؟

تُظهر استطلاعات الرأي الواحد تلو الآخر أنّ رئاسة ترامب لا تسير على ما يرام، وهو المسؤول الوحيد عن ذلك.

0:00
  • "ذا أتلانتيك": ما الذي يفعله ترامب؟

مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تراجع الوضع السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي، ويربط ذلك بسلسلة من الملفات، بينها الحرب على إيران، وارتفاع الأسعار، والتعريفات الجمركية، والترويج للذكاء الاصطناعي، وصدامه مع وسائل الإعلام.

ويرى الكاتب أن المشكلة الأعمق تكمن في ابتعاد ترامب عن القضايا التي تهم الأميركيين مباشرة، ولا سيما كلفة المعيشة والاقتصاد، ما يهدد بإضعاف الحزب الجمهوري في الانتخابات.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

أُعدّت الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض بعناية تامة: اصطفّ حرس شرف كامل، تتوسطه الأعلام الأميركية والصينية. وبدا مهبط المروحيات الجديد في البيت الأبيض، المصنوع من غرانيت كاليفورنيا الأسود والأبيض بسماكة أربع بوصات، لامعاً. وكان الرئيس ترامب يبدو مسروراً، لكن شيئاً ما كان مفقوداً: أين كاميرات التلفزيون؟

وبالنسبة إلى رئيس يحتاج إلى الاهتمام الإعلامي كما يحتاج إلى الأكسجين، كان هذا تطوراً غير مقبول قبيل مراسم استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ الأسبوع الماضي. استدار ترامب بسرعة نحو مساعديه وطالبهم بإصلاح الأمر، فسارع أحد الموظفين إلى غرفة الإحاطة ليسأل شبكة "ABC News" عما إذا كانت ستصوّر وصول الرئيس الصيني، بحسب ما قال لي شخصان مطلعان على الواقعة، شرط عدم الكشف عن هويتيهما نظراً إلى خصوصية المحادثات.

لكن الجواب كان لا. فقد كانت الشبكات التلفزيونية تقاطع المشاركة في نظام التناوب الخاص بالتغطية التلفزيونية، تضامناً مع شبكة "CNN"، التي كان ترامب قد منعها من دخول البيت الأبيض قبل أيام، إلى جانب مؤسستين إعلاميتين أخريين. ولم تسجل أي شبكة تلفزيونية أميركية كبرى الاستقبال الاستعراضي الذي أعدّه ترامب لشي، كما رفضت القنوات الإخبارية عرض صور التقطها البيت الأبيض أو أي جهة أخرى، أميركية كانت أم صينية. ولم يتمكن ترامب من استعراض المشهد الذي أعدّه. ولم يكن أمامه سوى أن يلوم نفسه.

ومن دون مبالغة، لم يكن ترامب يوماً من النوع الذي يفكر في خطوات كثيرة إلى الأمام. لكن قراره المندفع بحظر مؤسسات إعلامية ولّد عواقب غير مقصودة، وأفسد خططه هو نفسه، مرة أخرى.

وقد كان ذلك إحدى السمات الواضحة خلال جزء كبير من هذا العام: كثير من خطوات ترامب، وعدد غير قليل منها كان متسرعاً وغير مدروس، لم تفعل سوى الإضرار به وبزملائه الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.

لقد انتُخب قبل عامين على أساس خفض الأسعار، لكن تعريفاته الجمركية فعلت العكس، كما أن تجدد الحرب التجارية مع كندا أضر بمرشحين جمهوريين في ولايات تتشارك حدوداً مع الجارة الشمالية.

أما حربه الاختيارية في إيران، فلا تزال تتعثر، وتُبقي أسعار الوقود مرتفعة، فيما يهدد ترامب بالإبادة في يوم، ثم يعرض التفاوض في اليوم التالي.

وهو يصر على الترويج للذكاء الاصطناعي في وقت انقلب فيه الرأي العام عليه بسرعة. كما أنه مهووس بمشاريع استعراضية، من بينها، نعم، مهبط المروحيات الذي كلّف ما لا يقل عن خمسة ملايين دولار، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى أن كثيراً من الأميركيين يشعرون بأنه أصبح بعيداً عن المواطن العادي الذي كان يزعم يوماً أنه يمثله.

والأرقام سيئة. فقد تراجعت نسبة تأييد ترامب إلى 37% في استطلاع جديد أجرته صحيفة "وول ستريت جورنال" هذا الأسبوع، وهي أدنى نسبة يسجلها رئيس في المنصب قبيل انتخابات تجديد نصفي في هذا الاستطلاع منذ عام 1990. وفي استطلاعات أخرى، تبدو أرقامه أسوأ.

وسيبدأ الرئيس، وهو الشخصية الأكثر هيمنة داخل الحزب الجمهوري منذ أجيال، قريباً جولة انتخابية دعماً لحزبه، لكنه سيبدأها في ولايات شديدة الميل إلى الجمهوريين، وهو جدول لافت يوحي بإقرار ضمني بضعف موقعه السياسي.

ويزداد عدد الجمهوريين الذين باتوا يخشون موجة زرقاء قد تضمن للديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب، بل وقد تمنحهم أيضاً مجلس الشيوخ، في نتيجة كان يصعب تصورها قبل بضعة أشهر فقط.

ومع بقاء نحو شهر واحد على يوم الانتخابات، وبدء التصويت المبكر بالفعل في عدد من الولايات، يبدو ترامب وحزبه في حالة تخبط.

لطالما كانت تجمعات ترامب الانتخابية الحدث السياسي الأبرز في السياسة الأميركية خلال العقد الماضي. وكان الرئيس قد فكر في الابتعاد عنها نهائياً بعد آخر تجمع له خلال حملة 2024، لكنه اقتنع بإحيائها من حين إلى آخر، وإن على نطاق أصغر وتحت إجراءات أمنية مشددة.

ولم يعقد سوى عدد قليل من التجمعات العام الماضي، وعلى الرغم من وعود مساعديه بأنه سيجوب البلاد بوتيرة أكبر خلال عام 2026، ظلت تجمعاته نادرة. ففي أيلول/سبتمبر، عقد تجمعاً واحداً فقط، في نورث كارولاينا.

كما قلّص رحلاته الداخلية بصورة كبيرة خلال هذه الولاية، ما أبعده عن اهتمامات ناخبيه. لكن مع حلول تشرين الأول/أكتوبر ودخول حملات التجديد النصفي مرحلتها الأخيرة، يبدو أن ترامب يستعد لإعادة تشغيل طائرة "إير فورس وان" بكثافة.

وسيبدأ ترامب بزيارتين إلى معقلين جمهوريين، أوكلاهوما اليوم وألاباما غداً، قبل أن يتوجه السبت إلى أوهايو، وهي ولاية فاز بها ثلاث مرات، لكن استطلاعات الرأي تظهر أن السيناتور الجمهوري الحالي جون هوستد يتأخر عن منافسه الديمقراطي، السيناتور السابق شيرود براون.

وليست أوهايو الولاية الحمراء الموثوقة الوحيدة التي بات مقعد مجلس الشيوخ فيها قابلاً للمنافسة. فأيوا وتكساس وألاسكا وكانساس، وربما حتى نبراسكا، التي سيسافر إليها ترامب الأسبوع المقبل، باتت جميعها الآن موضع تنافس.

وفي وقت سابق من هذا العام، كانت خريطة انتخابات مجلس الشيوخ لعام 2026 تبدو مقلقة للغاية بالنسبة إلى الديمقراطيين، أما الآن، فيرى استراتيجيون من الحزبين أن السيطرة على المجلس أصبحت متقاربة الاحتمالات.

وقال لي ماثيو بارتليت، وهو استراتيجي جمهوري عمل في إدارة ترامب الأولى لكنه استقال بعد أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير، إن الرئيس لم يمنح الجمهوريين شيئاً يمكنهم خوض الانتخابات على أساسه، مضيفاً أنهم لا يملكون "نتائج يمكن الإشارة إليها، ولا أجندة يمكن الوعد بها".

وأضاف أن كثيرين داخل الحزب يشعرون بأن الأرض تنهار من تحت أقدامهم، وأن هزيمة ساحقة قد تكون في الطريق.

وقال بارتليت: "حُسمت كثير من الانتخابات الأخيرة في مراحل متأخرة، وبشكل حاد، وغالباً في اتجاه واحد فقط. وبين الجمهوريين، لا يوجد أمل كبير في أن تتحسن الأمور قبل يوم الانتخابات، لكن هناك قلقاً بالغاً من أن تسوء أكثر".

وعلى الرغم من التحديات التي تواجه الجمهوريين في أنحاء البلاد، لا يبدو سباقا مجلس الشيوخ في ألاباما أو أوكلاهوما متقاربين بصورة كبيرة، على الأقل حتى الآن.

فلماذا يذهب ترامب إلى هناك؟

بالنسبة إلى أي رئيس، حتى لو كان غير محبوب، فإن أثمن مورد يملكه هو وقته، والتوجه إلى تلك الولايات شديدة الميل للجمهوريين يأتي على حساب زيارة محتملة لدائرة انتخابية متأرجحة، رغم أن محطة جنوب أوكلاهوما تمتد إعلامياً إلى سوق تلفزيونية في تكساس.

وقد يكون الجواب بسيطاً على نحو مفاجئ: الأنا. وقال لي مستشار خارجي مقرب: "الرئيس يعلم أنه سيظل يحصل هناك على حشود كبيرة ومتحمسة له".

إضافة إلى ذلك، دار نقاش في الأوساط الجمهورية حول ما إذا كانت زيارة ترامب ستساعد فعلاً في بعض ساحات المعركة الانتخابية. وقد قال لي استراتيجيون في الحزب إن عدداً من الجمهوريين الذين يخوضون سباقات متقاربة يدرسون ما إذا كانوا سيطلبون زيارة رئاسية.

وقد رفض مرشحان بالفعل، هما سوزان كولينز من ولاية مين وجون سونونو من نيوهامبشير، فيما امتنع آخرون عن الالتزام.

وقال لي استراتيجي جمهوري آخر مطلع على خطط سفر الرئيس إن ترامب سيسافر كثيراً وسيساعد على تعزيز إقبال الناخبين لمصلحة المرشحين الجمهوريين، لكنه أقر بأن استطلاعات الرأي قد تشير إلى ولايات يجب على ترامب تجنبها.

وقلّل البيت الأبيض من شأن أي مخاوف داخلية في الحزب الجمهوري. وقال المتحدث ديفيس إنغل في بيان إن "الرئيس ترامب هو القائد الذي لا خلاف عليه، وأفضل من يوصل الرسالة، والمحرك الذي لا يضاهى للحزب الجمهوري، وهو ملتزم بالحفاظ على الأغلبيات الجمهورية في الكونغرس".

ومع ذلك، ظهرت مؤشرات إلى ابتعاد الجمهوريين عن ترامب في عدد أكبر من القضايا، بما في ذلك إنفاذ قوانين الهجرة وإنهاء الحرب في إيران.

لكن هذا الصراع غير الشعبي قد يظل يلاحق الحزب في المستقبل المنظور. فكثير من الدبلوماسيين من الشرق الأوسط الذين حضروا الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي يعتقدون، في أحاديث خاصة، أن الحرب ستستمر على الأرجح بصورة متقطعة حتى العام المقبل، وربما طوال ما تبقى من ولاية ترامب، ما يهدد بالإضرار بالحظوظ السياسية للجمهوريين في أكثر من دورة انتخابية.

وانتقل ترامب من مصدر تشتيت إلى آخر: إعادة تسمية بحيرة أونتاريو، وعرض خمسة آلاف دولار على كل مواطن بالغ إذا فاز الجمهوريون في تشرين الثاني/نوفمبر، لكنه لم يتمكن حتى الآن من تغيير النظرة السلبية للناخبين إلى رئاسته.

ولا يزال يروّج لادعاءات بشأن تزوير الانتخابات، رغم أن عدداً قليلاً من المرشحين الجمهوريين انضم إليه في ذلك.

بل إنه سمح لوزارة الأمن الداخلي باستخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل ما هو، في جوهره، إعلان انتخابي لترامب، رغم الحظر المفروض على استخدام الأموال الفيدرالية في الدعاية.

وقد اتخذ ترامب هذه الخطوة الاستفزازية رغم امتلاكه صندوقاً انتخابياً ضخماً، ما دفع كثيراً من الجمهوريين إلى التذمر من إثارة جدل آخر لا حاجة إليه.

وقال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، الجمهوري عن ساوث داكوتا جون ثون، للصحافيين هذا الأسبوع: "أحب الرسالة، لكن لا ينبغي أن تُدفع كلفتها من أموال دافعي الضرائب".

وفي عطلة نهاية الأسبوع التي سبقت ذلك، منع ترامب بصورة مفاجئة شبكات "CNN" و"MS NOW" وموقع "Politico" من دخول أراضي البيت الأبيض، من دون أن يبلغ كثيراً من كبار مساعديه، وكان بعضهم قد غادر بالفعل لقضاء عطلة نهاية الأسبوع بعد ظهر الجمعة.

وأفادت تقارير بأنه كان منزعجاً من بعض التغطية التي عرضتها عليه مساعدته المقربة ناتالي هارب. وبعد أيام قليلة، أمر قاضٍ فيدرالي بالسماح للمؤسسات الإعلامية الثلاث بالعودة إلى مجمع البيت الأبيض.

وحتى بعد ذلك، وجد مساعدو الرئيس طرقاً لمنعها مؤقتاً من حضور بعض الفعاليات، ما أثار مخاوف من أن ترامب بدأ يتحدى أوامر قضائية.

لكن بعض مستشاري الرئيس قالوا لي إنهم رأوا أن الحظر يأتي بنتائج عكسية، وقد يحرم ترامب، كما حدث خلال زيارة شي، من جزء من التغطية الإعلامية التي يتوق إليها.

وقد سلط ذلك الموقف مع الزعيم الصيني الضوء على ما يمكن اعتباره المشكلة الأكبر لترامب: أنه فقد الاتصال بما يهتم به الأميركيون فعلاً.

وكانت قمة شي مليئة بإشارات تحذيرية بالنسبة إلى الجمهوريين القلقين. فقد انعقدت في خضم نقاش وطني بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، تضمن دعوات من قادة في القطاع إلى وضع ضمانات إضافية لهذه التكنولوجيا سريعة النمو، التي حذر بعض المطلعين من أنها قد تقضي على البشرية.

لكن ترامب ظل منشغلاً بالطريقة التي دعم بها الذكاء الاصطناعي سوق الأسهم وبعض قطاعات الاقتصاد، ورفض إبطاء نموه.

أما الإشارة الوحيدة التي قدمها إلى مدى سوء صورة الذكاء الاصطناعي لدى الرأي العام، فكانت اقتراحه إعادة تسميته بـ"الذكاء الفائق"، أو SI.

وبدا المشهد الباذخ بأكمله منفصلاً عن واقع بلد غارق في أزمة القدرة على تحمل التكاليف. وضمت قائمة المدعوين باللباس الرسمي رجال أعمال من أصحاب المليارات وعمالقة التكنولوجيا، فيما كان ترامب يحتفي بزعيم الحزب الشيوعي الصيني، رغم أنه يواصل مهاجمة الديمقراطيين واتهامهم بأنهم شيوعيون.

وكان الرئيس حريصاً على أن يُري شي قاعة الرقص التي لا تزال قيد الإنشاء، والتي لا تحظى بتأييد كثير من الناخبين.

كما بدا شي وكأنه يتظاهر بالاهتمام حين أخذه ترامب في جولة داخل "ممشى مشاهير الرؤساء" الذي أنشأه على طول الرواق الغربي، والذي صُوّر فيه سلفه جو بايدن على هيئة جهاز توقيع آلي.

وكأن المشهد الحقيقي لم يكن فاخراً ونخبوياً بما يكفي، نشر نائب كبير موظفي البيت الأبيض دان سكافينو على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو مولداً بالذكاء الاصطناعي، تخيل فيه نفسه وزوجته وأفراداً من عائلة ترامب في حفلة تلت عشاء الدولة وغمرتها الشمبانيا.

وروّج إيلون ماسك لنسخة أكثر سخافة من ذلك. وبدا كل هذا بمثابة هدية للديمقراطيين، الذين سارعوا إلى استغلال مقاطع الفيديو لتصوير المحيطين بالرئيس بوصفهم هواة مترفين لا يسعون سوى إلى إثراء أنفسهم.

وقالت لي سوزان ديل بيرسيو، وهي خبيرة استراتيجية جمهورية مخضرمة، إن حتى مؤيدي ترامب القلقين بشأن الاقتصاد يشعرون بأن الرئيس لم يعد يهتم بهم. وأضافت: "الناخبون غاضبون لأنهم يتألمون، ومن خلال أفعاله، يقول لهم ترامب إنه لا يبالي بهم".

وشهد هذا الأسبوع فعالية أخرى من غير المرجح أن تلقى صدى جيداً لدى الأميركيين الذين يعانون ضائقة مالية. فقد ترأس ترامب فعالية بعنوان "العصر الذهبي"، شارك فيها قادة أعمال ومليارديرات، من دون أي حديث عن تحديات القدرة على تحمّل التكاليف.

ومرة أخرى، دافع ترامب عن الذكاء الاصطناعي، بل وتباهى بأنه سيشغل موقعاً إلكترونياً جديداً للخدمات الحكومية.

ثم مازح بشأن موقع هذا الإنجاز بين إنجازاته قائلاً: "إذا كان هذا أكبر شيء فعلته على الإطلاق، فقد قمت بعمل سيئ للغاية كرئيس".

ويمكنك أن تراهن على أن الديمقراطيين سيستغلون هذه العبارة أيضاً.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.