"Responsible statecraft": هل المسيّرات الكوبية المزعومة تبرير لتصعيد واشنطن ضد هافانا؟

بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتوجيه لائحة اتّهامٍ جديدةٍ ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو (94 عاماً)، فهل سيكون من المفاجئ فعلاً أن تضع الدول خططاً للطوارئ؟

  • تقرير: هل المسيّرات الكوبية تبرير التصعيد واشنطن ضد هافانا؟
    هل المسيّرات الكوبية تبرير التصعيد واشنطن ضد هافانا؟

أكد موقع "Responsible statecraft" أنّ الأزمة الاقتصادية والحصار الأميركي يقيّدان كوبا في تعزيز قدراتها العسكرية، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، ما يثير شكوكاً بشأن الروايات التي تُستخدمها الولايات المتحدة لتصوير كوبا تهديداً أمنياً وتبرير العدوان ضدّها.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

في الاتجاه المأساوي الذي تختار فيه دولة كبرى مهاجمة دولة أخرى ذات سيادة، فإن الطرف الذي يتعرض للهجوم غالباً ما يرد بإطلاق النار. فلقد عانت روسيا من هذا المصير بعد هجومها على أوكرانيا، كما عانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" والدول العربية في منطقة الخليج بعد الهجوم الأميركي - الإسرائيلي المشترك على إيران. والآن، قد تكرر الولايات المتحدة المصير ذاته مرة أخرى، وهذه المرة في خليج المكسيك على مقربة شديدة من أراضيها.

هذا ما تشير إليه على الأقل التقارير المزعومة التي ينشرها موقع "أكسيوس" حول قدرات كوبا في مجال الطائرات المسيّرة، وادعى التقرير أن لدى كوبا نحو 300 طائرة مسيّرة عسكرية من روسيا وإيران منذ عام 2023، ودرست إمكانية استخدامها لمهاجمة خليج غوانتانامو، وربما حتى كي ويست في فلوريدا. وزعم الموقع المذكور أن التقرير استند إلى معلومات استخباراتية سرية ومسؤولين أميركيين لم يُكشف عن هويتهم، بينما حذر أن خطط كوبا لاستخدام الطائرات المسيّرة في الحرب ليست سوى خطة طوارئ في حال اندلاع أعمال عدائية.

"المشاكل الاقتصادية التي تعانيها كوبا، والتي تفاقمت مؤخراً بشكل كبير بسبب الحصار النفطي الذي فرضته إدارة ترامب، لا تترك مجالاً كبيراً في الميزانية لتعزيز القدرات العسكرية"

مع ذلك، أثار تقرير "أكسيوس" ردود فعل هستيرية فورية بين المتشددين التقليدين في ميامي. فقد غرّد 3 أعضاء كونغرس من الجمهوريين من أصل كوبي من ميامي في غضون ساعات من نشر الخبر، برسائل متشابهة للغاية، حيث نشر النائب كارلوس خيمينيز، "كوبا تُشكّل تهديداً خطيراً للأمن القومي للولايات المتحدة"، وتبعه النائب ماريو دياز بالارت بقوله: "من الواضح أن النظام الكوبي يُعتبر تهديداً للأمن القومي"، ثم غرّدت النائبة ماريا إلفيرا سالازار، وكتبت "هذا الأمر يهدد مباشرة أمننا القومي".

هناك أسباب وجيهة للتشكيك في دقة هذا التقرير. فالمشاكل الاقتصادية التي تعانيها كوبا، والتي تفاقمت مؤخراً بشكل كبير بسبب الحصار النفطي الذي فرضته إدارة ترامب، لا تترك مجالاً كبيراً في الميزانية لتعزيز القدرات العسكرية. إضافةً إلى ذلك، يُفترض أن إيران وروسيا تستخدمان معظم الطائرات المسيّرة التي يمكنهما إنتاجها محلياً. ومن المرجح أن أي طائرات مسيّرة حصلت عليها كوبا "منذ عام 2023" كانت موجودة بالفعل في كوبا لبعض الوقت، حيث من المنطقي سؤال موقع "أكسيوس"، أو بالأحرى المسؤولين الأميركيين الذين سربوا المعلومات الاستخباراتية السرية المزعومة، لماذا سُرّبت الآن؟

مع ذلك، يجدر أخذ هذه التقارير على محمل الجد. لكن، لنفترض أن كوبا تمتلك بالفعل القدرة على استخدام الطائرات المسيّرة لضرب القواعد والسفن الأميركية، بل وحتى الولايات المتحدة نفسها. وإذا صحّ ذلك، فسيكون هذا سبباً وجيهاً آخر لعدم شنّ حرب ضد كوبا لتغيير نظامها السياسي، وهي دولة ذات سيادة، ومن وجهة نظرها من حقها تماماً السعي إلى فرض بعض التكاليف على الولايات المتحدة في حال وقوع هجوم أميركي محتمل على الجزيرة.

لقد تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً في كوبا عدة مرات، وشنت عليها حملات عسكرية عديدة قبل الثورة الكوبية عام 1959. وخلال العقود اللاحقة، سعت واشنطن إلى خنق الجزيرة اقتصادياً وسياسياً، وهو تاريخ معروف جيداً في كوبا، وإن كان غالباً ما تتجاهله الولايات المتحدة. كذلك، لم تتوان إدارة ترامب الثانية عن التلويح بالقوة ضد كوبا، بينما نشر وزير الخارجية ماركو روبيو السياسي من أصل كوبي من ميامي، صورةً مؤخراً مع قائد القيادة الجنوبية الأمريكية أمام خريطة لكوبا موضوعة في مكان بارز.

كما تشير تقارير أخرى إلى أن إدارة ترامب تدرس بشكل متزايد خططاً للعمل العسكري ضد كوبا، بينما توجيه الاتهام الجنائي الأميركي في الأسبوع الماضي إلى راؤول كاسترو يتشابه مع حملة الاتهامات ضد الرئيس نيكولاس مادورو التي سبقت الهجوم الأميركي على فنزويلا. ففي مثل هذه الظروف، ليس من المستغرب حقاً أن تسعى كوبا إلى وضع خطط طوارئ لكيفية الرد على أي هجوم أميركي.

"من شأن أي هجوم آخر على دولة في أميركا اللاتينية هذا العام أن يُسرّع من وتيرة التوجه السائد في البرازيل والمكسيك وكولومبيا نحو التحوّط ضد النفوذ الأميركي"

لا يعني أياً من هذا أن كوبا على وشك شن هجوم استباقي بطائرات مسيّرة على الولايات المتحدة. فمثل هذه الخطوة ستكون انتحارية. كذلك يزعم تقرير "أكسيوس" أن "قدرة كوبا على استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب لا تتجاوز 300 طائرة، وأن معظم ما تبقى من الجيش الكوبي عبارة عن قطع أثرية، لا سبيل لكوبا للفوز في حرب مع الولايات المتحدة، وكل ما يمكنها فعله هو جعل احتمال شن هجوم أميركي عليها أمراً مقلقاً بما يكفي ليدفع صانعي القرار في واشنطن إلى التريث قبل إصدار أي أمر بذلك.

على هذا الأساس جاء تحذير الرئيس الكوبي من أن أي هجوم أميركي على كوبا سيؤدي إلى "مذبحة". ومن المفيد حقاً للولايات المتحدة أن تفكر في التكلفة المحتملة لغزو كوبا. فمثل هذا العمل العدواني الأميركي الصارخ سيلحق ضرراً بالغاً بمكانة الولايات المتحدة في معظم أنحاء أميركا اللاتينية. ومع أن استثمار إدارة ترامب في اليمين اللاتيني يُؤتي ثماره بالفعل، تواجه حكومات الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا استياءً اجتماعياً متزايداً، بل وثورة شعبية في بوليفيا. إن الظهور بمظهر المتواطئين في هجوم أميركي على كوبا لن يعزز شعبية الحكومات الحليفة للولايات المتحدة على الإطلاق، بل إن العداء لأميركا سيتزايد في أوساط اليسار اللاتيني جرأةً.

من شأن أي هجوم آخر على دولة في أميركا اللاتينية هذا العام أن يُسرّع من وتيرة التوجه السائد في البرازيل والمكسيك وكولومبيا نحو التحوّط ضد النفوذ الأميركي، بما في ذلك السعي إلى توطيد العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع كل من الصين والاتحاد الأوروبي. كما أن إعادة تسليح دول القارة جارية بالفعل رداً على استعداد الولايات المتحدة الواضح لاستخدام القوة في أميركا اللاتينية، حيث تسعى كل من البرازيل وكولومبيا إلى تعزيز قدراتهما الدفاعية. بل إن هذا ما يحدث بالفعل في كوبا، إذا صحت تقارير "أكسيوس" عن الطائرات المسيّرة.

يجدر التذكير بأن احتمال قيام طائرات كوبية مسيّرة بضرب أهداف أميركية لم يكن مصدر قلق خلال فترة وجيزة من التطبيع الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وكوبا. فلم يُطرح أي حديث عن شنّ طائرات مسيّرة ضربات على فلوريدا عندما تصافح الرئيس باراك أوباما وراؤول كاسترو في هافانا عام 2015. فأبسط دروس الجغرافيا السياسية أنه من الأفضل التعايش مع الجيران بدلاً من القطيعة معهم. وقد أقرّ الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت بسياسته "حسن الجوار" تجاه أميركا اللاتينية، فضلاً عن إدراكه أن التعايش يتطلب أحياناً احترام سيادة الدول المجاورة، حتى وإن كان ذلك على مضض. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك، معارضة روزفلت لمصالح النفط الأميركية القوية احتراماً لقرار المكسيك بتأميم موارد النفط الأجنبية عام 1938، حيث ساهم هذا ضبط النفس الأميركي واحترام دولة جارتها في كسب صداقة المكسيك خلال الحرب العالمية الثانية.

"إذا كانت كوبا قادرة بالفعل على التهديد بضرب الولايات المتحدة، فهذا سبب إضافي يدعو إلى مزيد من الحذر، لا العكس، قبل الشروع في أي عمل عسكري ضدها"

كانت سياسة حسن الجوار قد ولّت منذ زمن بعيد مع اندلاع الثورة الكوبية، واستبدلت بسنوات من الجهود الأميركية لتغيير النظام في كوبا التي لم تؤد إلا لزيادة العداء تجاهها. وبعد ثورة 1959، سعى كاسترو في البداية إلى إقامة علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة، على الرغم من الآراء المعادية لأميركا بشدة لدى قادة ثوريين آخرين مثل تشي غيفارا، الذي شهد انقلاب 1954 المدعوم من الولايات المتحدة في غواتيمالا. فلقد كانت تحركات فيدل كاسترو لتأميم الممتلكات الأميركية هي السبب الرئيسي في نفور إدارة أيزنهاور منه، فردّت الولايات المتحدة بفرض حظر تجاري على كوبا عام 1960، في رد فعل مختلف تماماً عن النهج الدبلوماسي الذي اتبعه روزفلت مع المكسيك قبل 22 عاماً.

وبدلاً من إقناع كاسترو بالتخلي عن الإصلاحات المناهضة لمصالح الشركات الأميركية، لم يؤد الضغط الأميركي على كوبا إلا إلى دفعها للبحث عن حلفاء جدد كتحوط ضد هذا الضغط عينه. فسرعان ما بدأت الأسلحة من الكتلة الشرقية بالوصول إلى كوبا، مما أثار مخاوف أمنية أميركية، على غرار حالة الذعر الأخيرة بشأن الطائرات المسيّرة الروسية والإيرانية. وقد دفعت هذه الأمور الولايات المتحدة إلى توجهات تغيير النظام في هافانا، وبلغت ذروتها بغزو خليج الخنازير الفاشل عام 1961. كذلك، كان التهديد الأميركي لكوبا قد ألهم بدوره السوفييت لنشر صواريخ نووية في الجزيرة عام 1962، حيث كانت ستؤدي إلى حرب نووية.

بالطبع، الطائرات المسيّرة لا تقارن بالصواريخ النووية، ولا تُشكّل كوبا اليوم أي تهديد حقيقي للولايات المتحدة، واستعداداتها للدفاع عن نفسها من أي هجوم محتمل، لا يبرّر العدوان الأميركي عليها. بل إن هذا بمثابة جرس إنذار للولايات المتحدة للتخلي عن أوهامها المتطرفة بتغيير النظام. فإذا كانت كوبا قادرة بالفعل على التهديد بضرب الولايات المتحدة، فهذا سبب إضافي يدعو إلى مزيد من الحذر، لا العكس، قبل الشروع في أي عمل عسكري ضدها.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.